الأنباط -
عمر كلاب
حتى اللحظة لم تحسم الدولة سؤال الضرورة الوطنية, في شكل العلاقة مع تيارات الاسلام السياسي, فلا هي تتعامل معها وفق نموذج الاستئصال الوجودي, ولا هي تطرح محددات نظرية تعايش الضرورة, لذلك تبقى العلاقة مشدودة على وتر, تارة قطيعة سياسية, وتارة تحالف يفضي الى وصول الى مواقع برلمانية متقدمة, كما قال مراقب برلماني, معني بمراقبة ورصد الحراك تحت القبة, وما بين هذا وذاك, تمارس اطراف السلطة وتلاوين تيارات الاسلام السياسي, لعبة عض الاصابع والمناكفات.
بعد انتخابات المكتب الدائم في مجلس النواب, ظهر علنا حجم التراشق بالاتهامات بين معسكر السلطة, الذي اشار علنا الى انفلات عقد تحالف الكتل البرلمانية المرتبطة بالاحزاب المخلقة في غرف التوليد الصناعي, وقدرة تيار الاسلام السياسي الى اختراق هذا التحالف, تارة بالقول ان الاختراق تم على اسس قبلية وتارة بوحي خارجي مسكوت عنه من اطراف السلطة, لكن الثابت ان ما جرى كشف عن هشاشة الحالة السياسية, والاكثر عن غياب عقل مركزي قادر على ادارة اللعبة البرلمانية تحت القبة.
كل هذا جرى ومقاعد البرلمانيين لما تبرد, بعيد خطاب العرش السامي الذي رسم الفواصل بدقة بين محددات العمل الوطني العام ومفهوم عمل ودور كل سلطة, ومنح العنان للرقابة الشعبية التي تحترم كرامة الكلمة وشرف الاختلاف, فقد اكتفى البرلمانيون بالتصفيق, دون ان تسمع مفردات الخطاب أُذن واعية, اعادت الى الاذهان صورة برلمانات البعث, ومؤتمرات احزاب التيارات الاسلاموية, المشغولة بالتصفيق والهتاف, دون وعي المضامين وترسيم الخطوة القادمة.
الاحزاب المُخلقة في غرف التوليد القسري, غير قادرة على مجابهة تيارات الاسلام السياسي, والاحزاب التاريخية, مسكونة باوجاع الماضي وانحسار الحضور, بعد ان عجزت فكريا وتنظيميا عن مجاراة العصر, وخانتها لياقتها الحزبية, وكل الافكار الجديدة التي تسعى الى التغيير والتقدم والعصرنة, تحتاج الى اجابة عن سؤال الضرورة الوطنية, حول شكل العلاقة مع تيارات الاسلام السياسي, فلا أمل بالتطور والتحديث دون حسم اجابة السؤال, لانه يرسم حدود التدخلات والتداخلات, تارة لمجابهة الفكرة وتارة للتكيف معها.
فالدولة الحديثة لا تملك ترف الاختيار النظيف بين احتضان الإسلام السياسي واستئصاله, فالقطيعة الكاملة تَعِد بالحسم, لكنها تدفع تيارا يملك قاعدة اجتماعية وشبكة خدمات وخطابا جاهزا إلى مساحات لا تصلها عين القانون، والاحتضان المفتوح يمنح تنظيما عابرا للحدود موقعا داخل المؤسسات دون أن يحسم يوما سؤال ولائه الأخير, وما بين هذين الخيارين تقف "سياسة تعايش الضرورة", تعايش لا يقوم على الثقة, بل على الحساب، تُبقي فيه الدولة على الحزب ما دام تحت سقف الدستور، وتغلق الباب على التنظيم حين يتجاوزه, وهي صيغة تحمي الدولة من أحد خطرين لكنها لا تحميها من الاثنين معا، فالتعايش بلا قواعد معلنة يتحول إلى هدنة قابلة للانفجار عند أول أزمة، والقطيعة بلا بديل سياسي تتحول إلى فراغ يملؤه من هو أسوأ.
الحالة الوطنية تحتاج الى اجابة, وتحتاج الى عقل يعمل على ضوء الاجابة, اما ان نبقى اسرى مشهد هنا ومشهد هناك, تارة نرفع الجلسة لاقامة الصلاة, وتارة نقيمها في قاعة المجلس الدائرية دون الكشف حتى عن طهارة المكان, فهذا امر غير مقبول او مفهوم, هل هو تحدي للدولة ام رسالة للمجتمع؟