الأنباط -
القميص الأزرق
سعيد الصالحي
فتحت خزانة الملابس لأرتدي أحد قمصاني الزرقاء الرسمية. تنقلت يدي بين القمصان، فلم أجد بينها قميصًا يناسبني، فبدأت أنزعها عن علاقات الملابس وألقي بها على الأرض، تمهيدًا للتبرع بها إلى بنك الملابس.
وبعد أن بعثرت القمصان، بدأت أجمعها، فإذا بأحدها يمد ذراعه ويغمض عيني أزراره، كأنه يريد الموت قبل أن يغادر البيت إلى جسد مستفيد آخر. شعرت بأنه يعاتبني، أو يلومني لأنني لم أكن وفيًّا له كما كان وفيًّا لي طوال رحلته. رفعت جثمان القميص عن الأرض، وبدأت أحدق فيه، مستذكرًا كيف امتلكته، وأول مناسبة شاركني فيها، وأول قطرة قهوة لوّنت جسده السماوي. شعرت للحظة بأن عليّ ألّا أتخلى عنه، فقد كان هذا القميص سترًا وغطاءً.
طويت القميص برفق ووضعته داخل الحقيبة البلاستيكية، بعد أن قررت التبرع به. لم أحفل كثيرًا بمشاعره؛ فالاحتفاظ به لن يجدي نفعًا، ومقاسه لم يعد يناسبني، كما أنني لم أعد أفضل اللون الأزرق كثيرًا. ومع ذلك، كلما هممت بإغلاق الحقيبة، شعرت بأن القميص لا يريد أن يتركني، وأن نظرات أزراره تشعرني بالخجل ونكران الجميل. أخرجته من الحقيبة، ووضعته جانبًا، ثم أحكمت إغلاق كيس التبرعات.
بعد عدة أيام، وجدت القميص المتمرد والحزين مطويًّا في مكانه، وكنت أشعر بشيء من الفراغ. حملته ووضعته في حضني، ثم أمسكت مقصًّا صغيرًا وبدأت بذبح أزراره حتى لا تعود نظراتها تخجلني. قطعت ذراعه اليمنى ثم اليسرى، وبعد ذلك سلخت صدره. بقي الظهر معلّقًا بياقة القميص العمياء، فقطعته إربًا، كما يقولون، ووزعت أعضاءه في أرجاء البيت.
استعملت ذراعيه لربط أغصان الدالية، ووضعت الظهر في المطبخ لأمسح به ما أشاء، وأخذت الصدر إلى سيارتي لأزيل به الغبار عن الزجاج، ولأزيد من زرقة السماء وأنا أقود.
بعد أن انتهيت من توزيع أعضائه، تأملت الياقة العمياء، وشعرت بشيء من الراحة. لم يعد القميص يصلح للارتداء، ولم تعد له هيئة تذكّرني بما كان عليه. بقيت الياقة في يدي لحظات أطول مما ينبغي، قبل أن أتخلص منها؛ فقد طالما خنقتني.
وأخيرًا، زرعت الأزرار في آنية صغيرة، لعلها تنمو في الشتاء القادم.