الأنباط -
بقلم: المستشار الصحفي عمر الصمادي
أرض الأردن وشعبه وعشائره وقيادته الهاشمية صنوان لا ينفصلان، فهذه معادلة وطنية تاريخية تشكلت عبر عقود من التضحيات والوفاء والانتماء، وترسخت في وجدان الأردنيين باعتبارها أساس الدولة وهويتها الوطنية وركيزة استقرارها. وهي معادلة لا ينبغي أن تهزها الخلافات والاختلافات، ولا أن تعرقل مسيرتها نزوات المراهقين سياسيا، أو حسابات الموتورين، أو مصالح المتنعمين خلف شعارات براقة لا تطعم جائعا، ولا تبني وطنا، ولا تحمي دولة.
لقد واجه الأردن، منذ تأسيسه، تحديات ومؤامرات واستهدافات متعددة، لا بل محاولات انقلاب مسمومة ، ولكنه استطاع تجاوز كل المحطات الصعبة بفضل تماسك جبهته الداخلية، وحكمة قيادته، ووعي شعبه، وصلابة مؤسساته.
وستبقى الثقة بالله، ثم وعي الأردنيين من شتى منابتهم واصولهم وتماسكهم، من أهم عناصر حماية هذا الوطن. ومع ذلك اقولها بصراحة فالثقة بقدرة الأردن على تجاوز الأخطار لا تعني الاستهانة بها، والإيمان بمناعته لا يبرر تجاهل مكامن الخلل أو تركها تتفاقم.
وهنا مكمن التحذير الذي لا يجوز تجاهله: إن أي خلل يصيب معادلة الأرض والشعب والقيادة، أو أي مساس بالثقة المتبادلة بين مكونات الدولة، من شأنه أن يضعف مناعتها الداخلية ويهدد تماسكها الوطني. فالأردن هوية وطنية حاضنة، وعقد من الثقة والمسؤولية والشراكة بين القيادة والشعب، وتاريخ من التضحيات لا يجوز التفريط بمكتسباته تحت أي ظرف.
لسنا اليوم أمام مرحلة عادية يمكن التعامل معها بأدوات الأمس، ولا أمام مشهد محلي منفصل عن المحيط لا نحن أمام مرحلة دقيقة ومحيرة، تتشابك فيها التحولات المحلية مع التطورات الإقليمية والدولية، وتتغير فيها موازين القوى والتحالفات والمصالح، وتتحرك فيها مشاريع وغايات قد يجد بعضها طريقه إلى التحقق، فيما تتشكل تداعيات أخرى لم تتضح نتائجها بعد ولا يخفى على احد ان ما يخطط للمنطقة قد يصل الى حد تغيير الجغرافيا والديموغرافيا واختفاء دول برمتها.
وفي خضم هذا المشهد، فإن أخطر ما يمكن أن نرتكبه هو أن نقرأ ما يحدث بسطحية، أو نطمئن إلى أن الأردن بمنأى عن تداعيات ما يجري، أو نعتقد أن الأزمات تمر دائما من دون أن تترك أثرا. لهذا ادعو الى الالتفات للجبهة الداخلية ، وتعزيز ثقة المواطن بمؤسساته، وقدرتها على استيعاب التحولات وتصحيح الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.
وأحذر ايضا من الاستهتار بمؤشرات القلق، ومن التعامل مع الأسئلة المشروعة باعتبارها عبئا، أو مع الملاحظات الوطنية وكأنها مصدر إزعاج ينبغي إسكات أصواته. فليس كل اختلاف يعني استهداف، وليس كل نقد إساءة، وليس كل تحذير تشاؤم.
بينما قد يكون الصمت في بعض اللحظات جريمة أخطر من الكلام، وقد تكون المصارحة المبكرة أقل كلفة بكثير من معالجة نتائج التأخر في اتخاذ القرار.
إن الحفاظ على استقرار الأردن وهويته الوطنية ليس مسؤولية جهة أو جهاز بعينه، ولا مهمة المؤسسات الأمنية وحدها، بل مسؤولية وطنية مشتركة تبدأ من صانع القرار، وتمتد إلى مؤسسات الدولة وممثلي الشعب والنخب السياسية والإعلامية والاجتماعية، ولا تنتهي عند المواطن الذي يريد أن يشعر بأن صوته مسموع، وأن كرامته مصانة، وأن العدالة ليست شعارا، وأن تكافؤ الفرص ليس امتيازا لفئة دون أخرى.
وهنا تبرز أهمية دور الحكماء والعقلاء، وأصحاب الخبرة الذين قرأوا التاريخ واستوعبوا دروسه، والقادرين على استشراف المستقبل بعيدا عن الحسابات الضيقة وردود الفعل المتسرعة.
كما تبرز مسؤولية الجهات المعنية في قراءة المزاج العام، وفهم ما يشغل الأردنيين، والتمييز بين القلق الطبيعي الذي تفرضه الظروف، وبين ما قد ينشأ عن قصور في التواصل أو خلل في السياسات أو تراجع الثقة.
فالاستقرار لا يتحقق بتجاهل الأسئلة، ولا بإنكار وجود المشكلات، ولا بافتراض أن الأمور تسير على ما يرام ( الامور بخير سيدي ) بينما تتراكم أسباب القلق في الشارع.
وهنا أقولها بصراحة: إن كان هناك من يراهن على إنهاك الأردن، أو استغلال خلافاته وتحدياته، أو إضعاف جبهته الداخلية، ممن امتطوا صهوة الخيانة او المنافع والمكتسبات، فإن الرد لا يكون بالشعارات وحدها، بل بإغلاق الثغرات التي قد ينفذ منها المستهدفون، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحقيق العدالة، وتكريس سيادة القانون، وتصويب مواطن الخلل مهما كان مصدرها.
أما من يعتقد أن مصالحه الخاصة تسبق مصلحة الدولة، أو أن بإمكانه تعطيل الإصلاح والتصحيح حماية لنفوذه أو مكاسبه، فعليه أن يدرك أن الدول لا تدار بمنطق الامتيازات الشخصية، وأن المسؤولية العامة ليست ملكية خاصة، وأن وضع العربة أمام الحصان لا يعطل مسيرة التنمية فحسب، بل قد يفاقم فجوة الثقة التي تحتاج الدولة إلى ردمها لا إلى توسيعها.
ولا يجوز بمكان أن نغفل أن بعض ما نواجهه قد يكون نتيجة تقصير أو سوء تقدير أو غياب للمصارحة، وليس بالضرورة نتيجة مخطط متكامل، لكن النتيجة واحدة حين تترك المشكلات بلا معالجة تتسع الفجوات، وتتراجع الثقة، وتجد الجهات التي تتربص بالدولة فرصا لاستغلال نقاط الضعف.
وانطلاقا من المسؤولية الوطنية تقتضي التمييز بين الوقائع والظنون، وتحديد مكامن الخلل بالأدلة، ومحاسبة المقصرين وفق القانون، بعيدا عن الاتهامات المجانية أو التهوين الذي لا يقل خطورة عن التهويل.
الأردن ليس لقمة سائغة، ولن يكون بإذن الله، لكن صلابة الدولة لا تعني أن نتركها تختبر قدرتها على الاحتمال في كل مرة، فالحكمة ليست في انتظار الخطر حتى يقترب، بل في استباقه، وليست في إنكاره او الخجل منه، بل في الاعتراف به وتصحيحه، وليست في مطالبة الناس بالثقة فقط، بل في بناء أسباب الثقة وصونها بالأفعال والقرارات العادلة والتجاوب مع الاسود ومن تحمل قلوبهم هما وطنيا نابض بالصدق والحقيقة.
إن المرحلة الراهنة تستدعي مراجعة جادة لأدق التفاصيل، وإعادة تقييم الأولويات، وتعزيز قنوات التواصل والمصارحة، وعدم الاستهانة بأي مؤشر يستحق الدراسة. فالتاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تبدأ دائما بأحداث صاخبة، أحيانا تبدأ بتراكم أخطاء صغيرة، وقرارات مؤجلة، ورسائل لم تفهم، وتحذيرات لم تجد من يصغي إليها.
ولهذا، فإنني أوجه رسالتي إلى كل من يتولى مسؤولية، وإلى كل من يملك قرارا أو تأثيرا أو قدرة على التصحيح: لا تستهينوا بما يجري محليا وإقليميا ودوليا، ولا تنشغلوا بالتفاصيل الهامشية عن التحولات الكبرى، ولا تسمحوا للمصالح الضيقة أن تحجب عنكم صورة المشهد كاملة.
نرى معادلات تتغير، وأهداف يسعى أصحابها إلى تحقيقها، ومخاطر لا تواجهها الدول بالتمني، وإنما بالوعي والاستعداد ووحدة الصف.
وإذا كانت هناك أصوات تحذر، فالأجدى الاستماع إليها وتمحيص ما تطرحه، لا التسرع في تصنيفها. وإذا كانت هناك فجوات في الثقة، فالمطلوب معالجتها بشجاعة. وإذا كانت هناك أخطاء، فتصحيحها في الوقت المناسب دليل قوة لا علامة ضعف.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الجهات المعنية على نفسها قبل غيرها: هل نقرأ المشهد الوطني كما هو، لا كما نرغب أن يكون؟
هل نستمع إلى نبض الشارع كما ينبغي، وندرك حجم التحولات من حولنا، ونعالج أسباب القلق بشجاعة ومسؤولية قبل أن تفرض علينا الوقائع أثمانا أكبر؟
الشعارات وحدها كلمات تتبدد في الأثير إذا لم تسندها الثقة والعدالة والحكمة والتماسك، وإذا لم تحمها إرادة حقيقية لتصحيح المسار في الوقت المناسب.
الأردن أكبر من الخلافات، وأغلى من الحسابات الضيقة، وأعمق من أن تختصر هويته في مواقف عابرة أو مصالح مؤقتة، وحمايته لا تكون بالمزايدة على وطنيته، بل بصون وحدته، وتعزيز الثقة بين قيادته وشعبه، وحماية مؤسساته، والتمسك بهويته الوطنية الاصيلة، والاستعداد الواعي لكل ما قد تحمله المرحلة المقبلة.
أما من يظن أن بإمكانه العبث بمستقبل الأردن أو المراهنة على إضعافه، فعليه أن يقرأ التاريخ جيدا، وأن يدرك أن هذا الوطن يمتلك من الإرث والوعي والتماسك ما يعزز قدرته على مواجهة التحديات.
هيهات أن يكون مصير الأردن رهنا بأهواء عابرة أو حسابات ضيقة، لكن ذلك لا يعفينا جميعا من واجب اليقظة والعمل والمسؤولية.
ولي عودة إلى هذا الملف في حينه، فبعض ما يقال اليوم قد تتضح دلالاته غدا، وبعض الأسئلة لا يجوز أن تبقى بلا إجابات.
حفظ الله الأردن، أرضا وشعبا وقيادة، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وحمى هويته الوطنية، ووفقنا جميعا إلى ما فيه خير الوطن ومستقبله.