البث المباشر
أربعة ميداليات للأردن في البطولة العربية للناشئين للجولف في مصر الصين وبوتسوانا تعلنان تأسيس شراكة تعاونية استراتيجية شاملة "طلاء بلون الفقد": من جمالية الطلاء إلى انكشاف الفقد ـــ قراءة تفكيكية.. قطاع السياحة في تسعة أشهر الجغبير رئيسا لغرفة صناعة الأردن وابوحسان والجيطان نائبين للرئيس تجارة عمّان تدعو أعضاء هيئتها العامة للاطلاع على جداول الناخبين الأولية الجرائم الإلكترونية: القبض على محتال إلكتروني عن طريق بيع الهواتف الخلوية د. شلبي من عمّان الأهلية يشارك ببرنامج إيراسموس+ للتبادل الأكاديمي في هنغاريا أ.د. قموه من عمّان الأهلية يشارك بأبحاث علمية بإجتماع الأكاديمية الأمريكية لعلم البصريات مدير الأمن العام يلتقي السفيرين التركي والعُماني، ويبحث معهما سبل تعزيز التعاون الأمني والشُرطي «خطّار» ديوان شعري للشاعر السعودي محمد فارس الربع في اربد الملك يجري مباحثات مع رئيس الوزراء الأسترالي في العاصمة كانبرا العمل: 500 دينار لتصويب أوضاع العمال غير الحاصلين على تصاريح عن السنوات السابقة الأردني هاني الدباس يتأهل ضمن أفضل 10 مرشحين لجائزة أفضل مدير فندق في الشرق الأوسط لعام 2026 الجيش يحبط محاولتي تهريب كميات كبيرة من المخدرات برئاسة الأمير عمر بن فيصل.. سلطة العقبة تبحث تطوير قطاع الرياضات الإلكترونية "زين" الأولى عالميا في قطاع الاتصالات لـ "أفضل جهات التوظيف" رئيس ديوان المحاسبة يستعرض مسيرة التحول المؤسسي نحو ديوان رقابي مستقل واستباقي شي يطرح مبادئ للمشاركة البناءة في تسوية القضايا الساخنة في إفريقيا طقس معتدل اليوم و انخفاض ملموس غدا

"طلاء بلون الفقد": من جمالية الطلاء إلى انكشاف الفقد ـــ قراءة تفكيكية..

طلاء بلون الفقد من جمالية الطلاء إلى انكشاف الفقد ـــ قراءة تفكيكية
الأنباط -
"طلاء بلون الفقد":
من جمالية الطلاء إلى انكشاف الفقد ـــ قراءة تفكيكية..
كتبه الناقد أنس حسين
………………
تنهض رواية "طلاء بلون الفقد" على رصدِ حيواتِ نساءٍ يكابدن لترميم شتات أرواحهن بعد أن سلبتهن الأقدار ملامح من ذواتهن القديمة؛ سواء تجلى ذلك في فقدِ سندٍ، أو ضياعِ حلمٍ، أو انكسارِ جسدٍ، وصولاً إلى تلاشي الصورة الذهنية التي ألفنها عن أنفسهن يوماً.
وهنا تبرز المفارقة الوجودية الكبرى:
إن الفقد الذي يتبدّى في الظاهر كخاتمةٍ مأساوية للأحداث، يستحيلُ في الجوهر مخاضاً لولادة الذات؛ فالشخصيات لا تجتاز نفق الخسران لترتدّ إلى سيرتها الأولى، بل إن الفقد هو الذي يعيد صهر هويتها ويصوغ كينونتها في قالبٍ مغاير. من هذا المنظور، يكتسب عنوان الرواية "طلاء بلون الفقد" حمولةً رمزيةً عميقة؛ إذ يبرز "الطلاء" بوصفه فعلَ مواراةٍ وتجميلٍ وستر، في حين يتجلى "الفقد" كفعلِ تعريةٍ واستلابٍ وانكشاف.
تنسج الرواية أحداثها في تلك المسافة الفاصلة بين الضدين:
فكيف يكون المآل حين نُحاول طلاء جرحٍ يأبى التواري؟
يُعدُّ العنوان العتبة الأكثر ثراءً وقابليةً للتفكيك؛ فالطلاء في المتن السردي يتماسُّ مع فتنة الجسد، وطقوس الزينة، وسطوة اللون الأحمر، وكل ما يشي بمراوغات المظهر الخارجي. منذ الاستهلال، ينغمس القارئ في ردهات "الصالون"، حيث تتجلى فتنة الألوان وتفاصيل الطلاء وحركة الأنامل وهي تعيد صياغة الجسد وترميم حضوره. يبرز اللون الأحمر في بواكير النص كخيار جمالي لافت، بينما ينساب خلف هذا السطح الملون تاريخٌ مثقل بأوجاع الشخصيات الدفينة التي لا تبوح بها الملامح.
بيد أن العنوان يأتي ليقلب المفهوم التقليدي للطلاء؛ فبينما يُعهد إليه ستر العيوب ومواراتها، نجدُه هنا يرتدي لون العيب ذاته.
ومن هنا تزداد العملية تعقيداً؛ فالمرأة التي تطلي أظافرها لتغدو أجمل، إنما تصنع لنفسها قناعاً اجتماعياً لتبدو في أوج عافيتها، وتواري خلفه انكسارات الروح. تتجمّلُ وهي تمورُ بإرثٍ مثقلٍ بالخسارات؛ فتصنعُ الجمالَ في فضاءٍ خارجيّ، بينما ترزحُ أعماقُها تحتَ وطأةِ الانكسار.
بناءً عليه، لا يغدو الصالونُ مجردَ حيزٍ مكانيٍّ عابر، بل يستحيلُ مختبرًا سرديًا يُفككُ كينونةَ الجسدِ ويسبرُ أغوارَ الهوية.

-ثنائيةُ الجمال /الألم:
إذ تشيدُ الروايةُ منذ عتباتِها الأولى علاقةً مأزومةً بين بريقِ المظهرِ وعتمةِ المَخبر، فالمكانُ الذي وُجدَ لتنميقِ الوجوه، ينقلبُ رويدًا رويدًا إلى مِحرابٍ للاعترافاتِ العارية، ومسرحٍ تتجلى فيهِ مآسي الطلاق، والخيانات، وهواجس الموت، وندوب العنف، وشظايا العلاقاتِ الزوجيةِ المتهاوية.

وهنا تكمنُ المفارقةُ الكبرى:
فكلما أمعنتِ اليدُ في صقلِ القشرة، تعرّى اللبُّ وطفحَ المستورُ إلى السطح. ليست الأظافرُ المصبوغةُ مجردَ زينةٍ عابرة، بل هي مساحةٌ ضيقةٌ تحتشدُ فوقها متناقضاتُ الحكايةِ برمتها؛ حيث يتجاورُ اللونُ مع الجرح، والزينةُ مع الفقد، والجسدُ مع الذاكرة، في صراعٍ أزليٍّ بين السطحِ والعمق، والظهورِ والاحتجاب.
ومن هنا، يغدو الصالونُ مجهراً للمجتمعِ ونسخةً مصغرةً عنه؛ تلِجُه النساءُ بأجسادهنَّ، لكنهنَّ يحملنَ في طياتهنَّ رواياتٍ مثقلةً بالوجع والحياة.
إنَّ الصالون، بوصفه "مسرحاً اجتماعياً"، يتجاوزُ كونه مكاناً محايداً ليصبحَ فضاءً حيوياً تتقاطعُ فيه ملامحُ الطبقةِ والزواج، وتصطدمُ فيه الخيانةُ بالأمومة، والعملُ بالمال، والسمعةُ بالشائعة، في نسيجٍ معقدٍ يجسدُ جوهرَ العلاقاتِ النسائيةِ وتفاصيلَ الوجودِ الإنساني.

-الأحكام الأخلاقية:
في هذا المقام، تخرج الحكاياتُ الخاصة من عتمة السر إلى ضوء التداول الجماعي لتصبح مادةً مشاعاً للتقصي والتمحيص. ويبدو هذا جليّاً في سردية المرأة التي تروي تداعي بنيان زواجها ومرارة خيانة شريكها، ثم تُجابه نظرة المجتمع والأسرة التي تترصد خروجها عن "بيت الزوجية". ي
يُخضع النص مفهوم "الكرامة" ذاته لمشرط المساءلة:
فما الذي يُعرّفه المجتمع بوصفه كرامة؟ ومن هو الطرف المُطالب بسداد ضريبة الحفاظ على هذا القناع؟
وثمة تفكيكٌ جوهري يتجلى هنا:
إن المجتمع الذي يزعم حماية المرأة هو ذاته الذي يفرض عليها الصمت صوناً لصورته هو عنها، لا صوناً لها؛ وتعدّ هذه المفارقة من أهم المرتكزات الأيديولوجية التي تنهض عليها الرواية.

- المرأة بين انعتاق "الصوت" ووطأة "الصمت":
إذ تتواتر في الرواية نماذج لنساء يرزحن تحت نير الصمت القهري:
صمت الزوجة المخذولة، وألم المرأة المكتوم، وانكسار الضحية أمام سطوة المجتمع، وتواطؤ الأسرة على وأد الحقيقة، وصمت المرأة الذي يُقايض بوهم "السمعة".
وفي لحظة الحكي الفارقة، ينبثق السرد كفعل مقاومة وجودي؛ إذ تسترد المرأة عبر الكلمات سيادتها على حكايتها المسلوبة.
وهنا يتجلى البعد التفكيكي للعمل؛ فالسلطة لا تقتصر في الرواية على الهيمنة الذكورية الفجة، بل تتمثل في تلك القوالب الاجتماعية الجاهزة التي تصوغ هوية المرأة سلفاً، فحين تجهر الشخصية بمأساتها، إنما تنتزع ملكية قصتها من براثن الآخرين، وتعيد صياغة ذاتها بعيداً عن وصايتهم.
"تصدع كيان الأسرة":
من أعمق الثنائيات التي تضطرب في فضاء الرواية هي تلك المسافة القلقة بين (الأسرة) و(الأمان)؛ إذ لا تتبدى الأسرة هنا بوصفها ملاذاً حتمياً، بل كثيراً ما ينبثق الخطر من قلبها النابض.
يتجلى هذا التصدع في صورٍ شتى:
زوجٍ يغدر بالعهود،
وأبناءٍ يرقبون بأسى انهيار عالمهم الصغير،
وأهل زوجٍ ينصبون أنفسهم رقباء على الأخلاق،
وصولاً إلى ماضٍ عائلي يعود لينبش الجراح؛
ليتحول الزواج من رحابة الاحتواء إلى ضيق التهديد.
إن هذا التناول يمنح الرواية عمقاً يتجاوز مجرد رصد أوجاع النساء، ليضعنا أمام تساؤلٍ جوهري: هل غاية الأسرة حماية الفرد حقاً، أم حماية صورتها الذهنية التي تفرضها عليه؟

-الطفل: البراءةُ بوصفِها قرباناً للنزاع:
لم يحضر الأطفالُ في نسيجِ الروايةِ بوصفِهم مجردَ أدواتٍ وجدانيةٍ لاستدرارِ العاطفة، بل كانوا المستودعَ الصامتَ لتبعاتِ حماقاتِ البالغين. يتجلى ذلك بوضوحٍ في مساراتٍ سرديةٍ شتّى؛ حيث يغدو الطفلُ شاهداً على الخذلان، أو ضحيةً للتشرذم، أو ذريعةً قسريةً لاستمرارِ علاقةٍ مسمومة.
وتبرزُ المفارقةُ الفادحةُ حين يتذرعُ الكبارُ باحتمالِ الألمِ "من أجلِ الصغار"، في حين أنَّ استمرارَ الصراعِ ذاتَه هو الجرحُ الغائرُ الذي يضاعفُ مأساةَ الطفل.
وهنا، تفككُ الروايةُ عقيدةً اجتماعيةً شديدةَ الرسوخ:
"نبقى من أجل الأولاد"
لتطرحَ في مواجهتِها سؤالاً آخَر:
"هل البقاءُ في ركامِ النزاعِ استنقاذٌ للطفولة، أم هو إمعانٌ في هدمِ أرواحهم تحت سِتارِ التضحية؟"
ماذا لو استحال البقاءُ وجعاً مقيماً؟

- الجسد:
من مرايا الزينة إلى سِفرِ الفقد:
لم يعد الجسد في الرواية محض مشهد جمالي، بل غدا ذاكرةً نابضةً تختزلُ عبء الوجود؛ فمن مخاض الحمل والولادة ونزيف الروح، إلى عذابات المرض وندوب الحوادث وانكسارات الفقد.. كل تفصيل فيه يؤرشف مأساة الذاكرة في تمثلاتها المادية.
ومن هذا المنطلق، يبرز الحضورُ الطاغي لليد؛ فهي الأداة التي تطلي، وتلمس، وتحنو، وترتجف، وتخطُّ سطور التعب، وتحمل أعباء الذاكرة.
بهذا، يكتسبُ "الطلاءُ" رصانةً ومعنىً أعمق: اليد التي تبتكر الجمال هي ذاتها التي تواري ندوب الفقد.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير