اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
الأردنيون والحلم الذي لا يموت الذكاء الاصطناعي يفوز بقضية في محكمة إنجليزية 5 فحوصات أساسية للأشخاص فوق 35 عامًا بسبب المونديال .. وفاة طفل "منسي" داخل سيارة والده في مصر لحظات حرجة لركاب طائرة بعد ارتفاع حرارة المقصورة إلى 56 درجة مئوية وتعطل التكييف الصين تلغي تراخيص 8 شركات تعمل في صناعة السيارات عذراء شعيب تصدر قريباً رواية "حبر على حرير": قصة عشق تتمرد على تقاليد الأستانة مهرجان جرش ينطلق في 23 تموز المقبل إحباط تهريب هروين و 150 ألف حبة مخدرة .. والقبض على مرتبطين بعصابات إقليمية رئيس الديوان الملكي يرعى احتفال عشيرة الشرعة بالاعياد الوطنية القضاة: المشاريع الصناعية القائمة على الإنتاج المحلي تعزز الأمن الغذائي والنمو الاقتصادي محمد شاهين يكتب: ستاد عمّان أولى من المدرج الروماني انفراج في سوق الغاز العالمي مع اقتراب عودة الإمدادات القطرية انطلاق فعاليات مهرجان "كان ياما كان" بفرع مكتبة عبد الحميد شومان بالزرقاء غدا الخميس نتفليكس تتصدر عالميا في البث الترفيهي وسط منافسة متصاعدة من المنصات الآسيوية البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي: نحو مساءلة مناخية للشركات الرقمية هيئة الإعلام تعمم بتنظيم التصوير والبث المباشر أمام قاعات امتحانات الثانوية العامة الإحصاءات: نمو الصادرات الوطنية بنسبة 7.3% خلال الثلث الأول من عام 2026 ديوان المحاسبة يحاور الشباب في لقاء لمؤسسة ولي العهد بإربد ضمان القروض الأردنية تطلق برنامجي “الضمان من أجل التوظيف” و”ضمان التمويل الأخضر” لدعم الشركات وخلق فرص العمل وتعزيز الاستثمارات الخضراء

حين يعيد الحلم الأمريكي تعريف نفسه

حين يعيد الحلم الأمريكي تعريف نفسه
الأنباط -

فارس قاقيش
نيويورك
كثير من أصدقائي في الشرق الأوسط يتصلون بي ليسألوا:
هل ما يحدث في أمريكا صحيح؟
هل البلاد تعيش اضطرابًا حقيقيًا أم أن الإعلام يبالغ؟
السؤال مفهوم. فبلد بحجم قارة يُختزل أحيانًا في عناوين متناقضة؛ إمّا صورة انهيار، أو صورة مثالية لا تشوبها شائبة.
لهذا قررت أن أترك صخب المنصات الإلكترونية جانبًا، وأن أنقل ما يُروى هنا عن حياة الناس أنفسهم بعيدًا عن خطابات السياسيين، وقريبًا من نبض الحياة اليومية.

مؤخرًا قرأت مقالًا في Harper’s Bazaar بعنوان:
"Why Are Women Leaving the US?”
المقال لا يتحدث عن سياحة أو مغامرة رومانسية، بل عن نساء معظمهن تحت سن ٤٥ يفكرن في مغادرة البلاد بشكل دائم.
بحسب استطلاع لمؤسسة غالوب، ٤٠٪ من النساء بين سن ١٥ و٤٤ عامًا وقلن إنهن سيغادرن الولايات المتحدة نهائيًا إذا أُتيحت لهن الفرصة. هذه نسبة تضاعفت أربع مرات خلال عقد واحد.
ولفهم هذا التحول، من المفيد النظر إلى السياق الأوسع.
ففي أوائل التسعينات، لم يكن يحمل جواز سفر أمريكي سوى حوالي ٥٪ فقط من عدد السكان. كان السفر الدولي بالنسبة لغالبية الأمريكيين فكرة بعيدة، وأقصى مغامرة سياحية لكثيرين كانت الوصول إلى ديزني لاند.
اليوم، نحو ٤٠٪ من الأمريكيين يمتلكون جواز سفر.
والأهم أن ما يقارب ٩ ملايين أمريكي يعيشون خارج الولايات المتحدة بشكل دائم أو طويل الأمد.

لم يعد العيش خارج أمريكا فكرة غريبة، بل خيارًا يُناقَش بجدية.
اللافت أن الدوافع التي ذكرها المقال لم تكن أيديولوجية بقدر ما كانت شخصية جدًا. فالأسباب تتكرر:
١- الشعور بالأمان الشخصي: بعض النساء تحدثن عن إرهاق نفسي دائم، وعن العيش في حالة "تيقظ مستمر”، خاصة لدى الأقليات. فكرة أن الجهاز العصبي لا يهدأ ليست استعارة بل وصف لتوتر مزمن.
٢- العنف المسلح:
أمهات قلن إنهن لا يردن أن يكبر أطفالهن وهم يتدربون على "مناورات إطلاق النار” في المدارس. حتى من لم يتعرض لحادث مباشر يعيش في ظل الاحتمال المرعب.
٣- الرعاية الصحية:
الولايات المتحدة هي الدولة الصناعية الوحيدة تقريبًا التي لا توفر تغطية صحية شاملة. تكلفة العلاج، وتأمين الحمل والولادة، والخوف من الفواتير الطبية، كلها مصادر ضغط حقيقي على السكان.
٤- الإجهاض وقرار المحكمة العليا:
فبعد قرار المحكمة العليا عام ٢٠٢٢ في قضية Dobbs v. Jackson Women’s Health Organization الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية للإجهاض، أصبح القرار بيد كل ولاية على حدة. بعض الولايات فرضت قيودًا صارمة أو حظرًا شبه كامل، ما جعل كثيرًا من النساء يشعرن بأن حق التحكم بأجسادهن لم يعد مضمونًا على المستوى الوطني.
استطلاعات الرأي أظهرت انخفاضًا حادًا في ثقة النساء الشابات بالنظام القضائي منذ ذلك القرار. بالنسبة لبعضهن، لم يكن الأمر سياسيًا بقدر ما كان وجوديًا: فلماذا لا أعيش في مكان أملك فيه قراري الصحي؟

المقال لا يقول إن أمريكا سقطت.
ولا يقول إن الخارج فردوس. ولكن بعض من غادرن واجهن بيروقراطية مرهقة، أنظمة صحية أقل مرونة مما توقعن، خسائر مالية، وصدمات ثقافية. فالهجرة ليست حلًا سحريًا ولكنها أحد الحلول. فماذا عن اللواتي غادرن فعلًا؟

إحدى النساء التي انتقلت إلى المكسيك قالت إن التحول لم يكن ماليًا فقط، بل نفسيًا. اذ انخفض مستوى التوتر، وتوقفت عن العيش في حالة توتر دائم. وصفت الأمر بأن جهازها العصبي هدأ للمرة الأولى منذ سنوات.

أخرى انتقلت إلى تايوان تحدثت عن الفرق في المعاملة اليومية؛ شعرت بأنها أصبحت تُرى كامرأة أولًا، لا كتصنيف عرقي أو سياسي. الاحترام البسيط كان فارقًا عميقًا.

أم أخرى انتقلت إلى البرتغال قالت إن أكثر ما خفّ عنها هو قلق مخاطر المدارس والسلاح. لكنها واجهت بيروقراطية معقدة ومشاكل قانونية وخسارة مالية مؤلمة. فالأمان تحسن، لكن التعقيد لم يختفِ.

امرأة متحولة جنسيًا انتقلت إلى كندا وصفت التجربة بأنها انتقال من حالة دفاع دائم إلى حالة أمان أساسي. لم تقل إن كل شيء مثالي، لكنها شعرت أن وجودها لم يعد محل نزاع يومي.

وفي المقابل، كثيرات تحدثن عن الحنين، وعن الشعور بالذنب تجاه العائلة، وعن الإحساس بأنك تركت وطنك في لحظة حساسة. فالهجرة لم تكن هروبًا رومانسيًا، بل إعادة ترتيب أولويات.

أما بالنسبة لي، فالمسألة بدت أعمق من جواز سفر.
عشت حتى سن التاسعة والعشرين في مجتمع بطيئ الإيقاع كالأردن، ثم هاجرت إلى أريزونا. ثم انتقلت إلى نيويورك، مدينة لا تمشي بل تركض.
هناك فهمت أن القضية ليست فقط اقتصادًا أو فرصًا، بل إيقاع حياة.

نظام سريع، عالي التنافسية، يفتح أبوابًا واسعة للبعض، ويترك آخرين في حالة استنزاف مستمر.

أدركت الان أنه ربما التحول الحقيقي ليس في عدد من يحملون جواز سفر،
ولا في عدد من يعيشون خارج البلاد،
بل في اتساع الخيال الأمريكي نفسه.
من مجتمع كان يظن أن العالم يأتي إليه،
إلى مجتمع بات بعض أفراده يسألون:
أين يمكن أن نعيش حياة أهدأ… وأفضل؟
والسؤال بحد ذاته ليس علامة انهيار،
بل علامة نضجٍ يعيد تعريف الحلم الاميركي في عالم رأسمالي فائق التطور.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير