البث المباشر
رئيس مجلس النواب الأميركي يتوقع إنهاء الإغلاق الجزئي الثلاثاء الأوراق المالية تسجل صندوق كابيتال للاستثمار العالمي قرارات مجلس الوزراء نعمة التمتّع بجمال البيئة! مندوبا عن الملك وولي العهد.. العيسوي يعزي عشائر الربطة والدبوبي والحوراني والجعافرة نشر مقال شي بشأن تعزيز القوة المالية للصين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تعلن عن منح دراسية في برنامج (الماجستير) مقدمة من / قبرص غرف واستديوهات. ‏يوم طبي مجاني في مدرسة أم عطية الأنصارية الأساسية احتفال بعيد ميلاد جلالة الملك الملك والرئيس المصري يعقدان مباحثات في القاهرة بدء تدريب مكلفي خدمة العلم في مركز التدريب بمعسكر شويعر ميلاد القائد والقدوة: الملك عبدالله الثاني.. ربع قرن من البناء والحكمة شي يدعو إلى تحقيق اختراقات في تطوير صناعات المستقبل أورنج الأردن شريك الاتصالات الحصري لفعالية تيد إكس في كينغز أكاديمي وزير الداخلية يتفقد مديرية أحوال وجوازات إربد "الخيرية الهاشمية" تنفّذ مشروع "أرزاق" بدعم من "الأيادي المتحدة للإغاثة" البنك الأردني الكويتي يرعى مؤتمر "نموذج الأمم المتحدة" للأكاديمية البريطانية الدولية تشغيل فرع إنتاجي جديد في رحاب بالمفرق ليرتفع عددها إلى 36 فرع إنتاجي صندوق استثمار أموال الضمان يستعرض إنجازات 2025 تزامنًا مع عيد ميلاد جلالة الملك "شومان" تطلق الدورة الثانية والعشرين لجائزة "أبدع"

من الحوار العقلاني إلى عقلنة الصاروخ

من الحوار العقلاني إلى عقلنة الصاروخ
الأنباط -
بقلم فارس قاقيش
نيويورك

ها هي أعتى ديمقراطية على وجه الأرض تغلق أبوابها…
ليس لأن المال نفد، بل لأن العقلانية نفدت ولغة الحوار انحسرت.
الكونغرس، الذي وُلد ليكون ساحة للحوار المنطقي تحوّل إلى مسرحٍ للعناد، وصدىً لصراخٍ متقابلٍ بلا فكر أو رؤية سوى للمكسب المالي.

قبل الإغريق، كان الجدل مجرّد صراع أصواتٍ ونفوذ،
يُرفع فيه الصوت لا ليُقنع بل ليُخضع.
في المجالس القبلية والقصور القديمة، لم يكن الهدف هو الوصول إلى الحقيقة،
بل الانتصار في معركة الكلام كما يحدث في ساحة المعركة.

ثم جاء الإغريق، فحوّلوا الصراع في الكلام إلى فنّ الحوار،
وأخضعوا الخصومة الفكرية إلى مدرسةٍ للعقلانية في الحوار
على يد سقراط أولا الذي جعل السائل نفسه يدحض حجته بنفسه. وتلت محاورات أفلاطون وأرسطو فوُلد ما نعرفه اليوم باسم الحوار السقراطي Socratic dialogue الذي وضع منهجية للحوار العقلاني في الفلسفة. وجوهرها النقاش المنظّم الذي يسعى إلى الحقيقة لا إلى الغلبة والانتصار الأرعن.
صار الجدل عندهم تدريبًا للفكر وتأهيلا للطالب كما أن الرياضة تدريبٌ للجسد،
وبات الجدل مصدرًا لبناء القوانين والحكمة لا لتمزيق الخصوم.

ومع القرون، انتقل هذا الفن إلى الرومان ثم إلى أوروبا الحديثة،
حتى تبنّته أمريكا فشيّدت مؤسساتها على أساسه كما في شعارهم العام:

"الحقيقة لا تُفرض، بل تُكتشف بالنقاش.”
كانت الجامعات تُعلّم فن الحوار كما تُعلّم الرياضيات، وكان الكونغرس نفسه يُفترض أن يكون ساحة للعقل، لا للغرائز.

لكن الزمن دار وتغير…
وصارت الحضارات ...واحدة تلو الأخرى... تنسى أن الحوار ليس رفاهية، بل روح البقاء والتعاون والانسانية.

فكل حضارةٍ تصعد بالعقل وتنتهي حين يعلو الصوت على الفكرة، وحين تتحول المناظرة إلى صراخٍ وعراك، والنقاش إلى خصومة وكراهية، والبحث عن الحقيقة إلى دفاعٍ عن مصلحة الذات ومنفعتها.

ما نراه اليوم ليس بداية سقوط دولة عظمى وحسب، بل تكرار للتاريخ حول صعود الحضارات وانهيارها كما درسه ابن خلدون وتويمبي. فحين تتراجع الحكمة أمام الغرور، وينحسر العدل وينتشر الظلم، يتحول الازدهار إلى استعراض،
ويبدأ الانحدار من لحظة ظنّ فيها الإنسان أنه فوق الحوار .

وفي ليلةٍ ظلماء يفتقد فيها البدر، جلست الحضارة أمام مرآتها،
تتأمل وجهًا صُنع من رماد الآخرين،
وقالت بصوتٍ يختلط فيه الكبرياء بالخوف:

"كنتُ أظنّ أنني من الإغريق الجدد،
وأن نوري لا ينطفئ،
لكني غدوتُ صدىً أجوف،
أملك الفضاء ولا أملك نفسي وضميري،
أُحلّق فوق الكواكب ولكنني أغرق في رمال الصحراء، أُصدّر الديمقراطية للعالم ولكنني أخاف من الحوار مع نفسي". وفي تلك اللحظة أشاح التاريخ بوجهه عنها
وقال همسًا:

"لم تسقطي لأنكِ هرمت وضعفتِ،
بل لأنكِ فقدتِ معنى الانسانية وروحها".
وفي ختام هذه المعركة الطويلة بين الصوت والعقل، بين الصاروخ والفكرة، أدرك الإنسان أنه خسر أعظم حروبه — الحرب من أجل روحه. لم تُهزم الحضارة بالأسلحة ولا بالاقتصاد، بل حين تخلّت عن الإصغاء، حين اختار الإنسان أن يُقاطع الحقيقة لأنها تُربكه وتحرجه. عندها، ارتفع الدخان لا من ميادين الحرب، بل من داخل القلوب، معلنًا نهاية معركةٍ لم ينتصر فيها أحد. وبقي الصاروخ يلمع في السماء كرمزٍ لغرورٍ تافه وانحسار للعدالة، فيما انطفأ في الأرض وهجُ العقل الذي صنعته الحضارات عبر تاريخها الطويل.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير