البث المباشر
"ريفلِكت" يوقع اتفاقية رعاية حصرية مع الاتحاد الأردني للرياضات الإلكترونية الحاجة تمام صالح محمد الحسبان (أم محمد) في ذمة الله كيف نتفادى الشعور بالتخمة والنفخة بعد الإفطار؟ لماذا يهاجمك الصداع في رمضان؟ مجهول يتبرع بسبائك ذهب قيمتها 3.6 ملايين دولار لإصلاح أنابيب مياه متهالكة كيف يؤثر الصيام على أجسامنا وما هي التغيّرات التي يُحدثها؟ التمر باللبن عند الإفطار.. دفعةُ طاقةٍ ذكيةٍ تضبط السكر وتحمي القلب وزير الصناعة والتجارة يوجه لوضع الآليات المناسبة لبيع مادة زيت الزيتون الأردن ودول أخرى يدينون تصريحات الأميركي لدى إسرائيل الدوريات الخارجية تواصل تنفيذ مبادرة “إفطار صائم” “الخدمة والإدارة العامة” تدعو الموظفين للمشاركة باستبانة حول الدوام الرسمي حين تتحول كرة القدم إلى ماكينة استنزاف.. اللاعبون يدفعون الثمن قانون الضمان الاجتماعي 2026… بين «استدامة الصندوق» و«حقوق المشتركين» خسارة الاستثمار فيهم!! حسين الجغبير يكتب : نقطونا بسكوتكم الابداع البشري في خطر "حين يتكلم العالم بصمت" وزير الشباب يطلق منافسات بطولة المراكز الشبابية الرمضانية لخماسيات كرة القدم 2026. نهائي منافسات القفزات الهوائية في التزلج الحر للرجال في أولمبياد ميلانو-كورتينا 2026 أمين عام وزارة الصحة يتفقد مراكز صحية في إربد

من الحوار العقلاني إلى عقلنة الصاروخ

من الحوار العقلاني إلى عقلنة الصاروخ
الأنباط -
بقلم فارس قاقيش
نيويورك

ها هي أعتى ديمقراطية على وجه الأرض تغلق أبوابها…
ليس لأن المال نفد، بل لأن العقلانية نفدت ولغة الحوار انحسرت.
الكونغرس، الذي وُلد ليكون ساحة للحوار المنطقي تحوّل إلى مسرحٍ للعناد، وصدىً لصراخٍ متقابلٍ بلا فكر أو رؤية سوى للمكسب المالي.

قبل الإغريق، كان الجدل مجرّد صراع أصواتٍ ونفوذ،
يُرفع فيه الصوت لا ليُقنع بل ليُخضع.
في المجالس القبلية والقصور القديمة، لم يكن الهدف هو الوصول إلى الحقيقة،
بل الانتصار في معركة الكلام كما يحدث في ساحة المعركة.

ثم جاء الإغريق، فحوّلوا الصراع في الكلام إلى فنّ الحوار،
وأخضعوا الخصومة الفكرية إلى مدرسةٍ للعقلانية في الحوار
على يد سقراط أولا الذي جعل السائل نفسه يدحض حجته بنفسه. وتلت محاورات أفلاطون وأرسطو فوُلد ما نعرفه اليوم باسم الحوار السقراطي Socratic dialogue الذي وضع منهجية للحوار العقلاني في الفلسفة. وجوهرها النقاش المنظّم الذي يسعى إلى الحقيقة لا إلى الغلبة والانتصار الأرعن.
صار الجدل عندهم تدريبًا للفكر وتأهيلا للطالب كما أن الرياضة تدريبٌ للجسد،
وبات الجدل مصدرًا لبناء القوانين والحكمة لا لتمزيق الخصوم.

ومع القرون، انتقل هذا الفن إلى الرومان ثم إلى أوروبا الحديثة،
حتى تبنّته أمريكا فشيّدت مؤسساتها على أساسه كما في شعارهم العام:

"الحقيقة لا تُفرض، بل تُكتشف بالنقاش.”
كانت الجامعات تُعلّم فن الحوار كما تُعلّم الرياضيات، وكان الكونغرس نفسه يُفترض أن يكون ساحة للعقل، لا للغرائز.

لكن الزمن دار وتغير…
وصارت الحضارات ...واحدة تلو الأخرى... تنسى أن الحوار ليس رفاهية، بل روح البقاء والتعاون والانسانية.

فكل حضارةٍ تصعد بالعقل وتنتهي حين يعلو الصوت على الفكرة، وحين تتحول المناظرة إلى صراخٍ وعراك، والنقاش إلى خصومة وكراهية، والبحث عن الحقيقة إلى دفاعٍ عن مصلحة الذات ومنفعتها.

ما نراه اليوم ليس بداية سقوط دولة عظمى وحسب، بل تكرار للتاريخ حول صعود الحضارات وانهيارها كما درسه ابن خلدون وتويمبي. فحين تتراجع الحكمة أمام الغرور، وينحسر العدل وينتشر الظلم، يتحول الازدهار إلى استعراض،
ويبدأ الانحدار من لحظة ظنّ فيها الإنسان أنه فوق الحوار .

وفي ليلةٍ ظلماء يفتقد فيها البدر، جلست الحضارة أمام مرآتها،
تتأمل وجهًا صُنع من رماد الآخرين،
وقالت بصوتٍ يختلط فيه الكبرياء بالخوف:

"كنتُ أظنّ أنني من الإغريق الجدد،
وأن نوري لا ينطفئ،
لكني غدوتُ صدىً أجوف،
أملك الفضاء ولا أملك نفسي وضميري،
أُحلّق فوق الكواكب ولكنني أغرق في رمال الصحراء، أُصدّر الديمقراطية للعالم ولكنني أخاف من الحوار مع نفسي". وفي تلك اللحظة أشاح التاريخ بوجهه عنها
وقال همسًا:

"لم تسقطي لأنكِ هرمت وضعفتِ،
بل لأنكِ فقدتِ معنى الانسانية وروحها".
وفي ختام هذه المعركة الطويلة بين الصوت والعقل، بين الصاروخ والفكرة، أدرك الإنسان أنه خسر أعظم حروبه — الحرب من أجل روحه. لم تُهزم الحضارة بالأسلحة ولا بالاقتصاد، بل حين تخلّت عن الإصغاء، حين اختار الإنسان أن يُقاطع الحقيقة لأنها تُربكه وتحرجه. عندها، ارتفع الدخان لا من ميادين الحرب، بل من داخل القلوب، معلنًا نهاية معركةٍ لم ينتصر فيها أحد. وبقي الصاروخ يلمع في السماء كرمزٍ لغرورٍ تافه وانحسار للعدالة، فيما انطفأ في الأرض وهجُ العقل الذي صنعته الحضارات عبر تاريخها الطويل.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير