الأنباط -
الحديد: استدراج الشخص إلى موقف مصطنع لا يعني تلقائيا تحقق الجريمة المنسوبة إليه
بني مصطفى: عوامل نفسية واجتماعية وقيمية قد تقف وراء استدراج الضحايا وابتزازهم
الأنباط-آية شرف الدين
في واقعة بدأت بطلب توصيل عادي عبر تطبيق "أوبر”، وجد سائق نفسه أمام موقف لم يكن يتوقعه، بعدما طلبت منه إحدى الراكبات مساعدتها في حمل بعض الأغراض إلى داخل منزلها، قبل أن يفاجأ عقب دخوله بوجود ثلاثة أشخاص بانتظاره.
وبحسب تفاصيل الواقعة، فإن السيدة طلبت من السائق مساعدتها في نقل الأغراض إلى المنزل، وعند دخوله فوجئ بالأشخاص الثلاثة الذين واجهوه باتهامات تتعلق بعلاقته بزوجة أحدهم، قبل أن يعتدوا عليه بالضرب و احتجزوه داخل المنزل لنحو يوم.
وبحسب الرواية، أبلغت الجهات المختصة بالحادثة، فيما جرى التعامل معها كواقعة جنائية، واتخذت الإجراءات القانونية اللازمة بحق المتورطين.
استدراج الضحية يبدأ بتهيئة الظروف للإيقاع بها ثم استغلال الموقف للابتزاز
أوضحت المحامية الدكتورة نور مازن الحديد، المتخصصة في علم الجريمة، في حديثها لـ(الأنباط) حول إحدى القضايا الموجودة في أروقة المحاكم والتي أثارت صدى في المجتمع، أن ما يمكن وصفه اجتماعيًا بـ«الوقيعة الممنهجة» قد يتم من خلال اتفاق مسبق بين زوج وزوجة لاستدراج شخص ثالث والإيقاع به، ثم استغلال ما جرى للحصول على منفعة مادية أو معنوية.
وبينت الحديد أن هذه الحيلة تقوم على تهيئة الظروف أو دفع شخص إلى موقف معين، ثم استعمال نتائج ذلك الموقف ضده، موضحة أنه من الناحية القانونية لا يوجد بالضرورة وصف جرمي واحد لهذه الصورة بكاملها، وإنما يتم تكييف كل فعل بحسب عناصره وقصد فاعله والوسائل المستخدمة والنتيجة المترتبة عليه.
الابتزاز.. استغلال الضحية للحصول على منفعة
وأشارت الحديد إلى أنه إذا كان الهدف من الاستدراج الحصول على دليل أو مادة تستخدم لتهديد الشخص أو الضغط عليه أو الحصول منه على منفعة، فقد تدخل الواقعة، بحسب تفاصيلها، في نطاق التهديد أو الابتزاز أو الذم والقدح أو انتهاك الخصوصية.
وأوضحت أن هذه الصورة قد تكون أكثر تنظيما، من خلال اتفاق مسبق بين شخصين لاستدراج شخص ثالث إلى منزل أو مكان خاص، وتهيئة الظروف لوقوعه في موقف ذي طابع جنسي، ثم استخدام ما جرى كوسيلة للتهديد أو الابتزاز، مشيرة إلى أن الشخص المستهدف قد لا يكون مدركا لحقيقة الغرض من استدراجه، وإنما يكون ضحية لخطة مسبقة أُعدت للإيقاع به.
وأضافت أن خطورة هذه الأفعال تزداد عند استغلال عنصر المفاجأة أو الخوف من الفضيحة الاجتماعية لحمل الضحية على الخضوع لمطالب الجناة، لافتة إلى أن الغاية قد تختلف بحسب نية الفاعل، فقد تكون الحصول على المال أو منفعة معينة، أو الانتقام، أو الضغط على الضحية، أو تشويه سمعتها، أو إجبارها على القيام بعمل أو الامتناع عنه.
المسؤولية القانونية تقوم على أفعال كل طرف وقصده
وأكدت الحديد أن المسؤولية القانونية لا تقوم لمجرد وجود الشخص في مكان الواقعة أو وقوعه في موقف محرج، وإنما يتعين بحث الأفعال التي ارتكبها كل طرف، ومدى علمه بالخطة، ووجود الاتفاق أو القصد الجرمي، والوسائل المستخدمة والنتيجة التي سعى الفاعلون إلى تحقيقها.
وبينت أنه إذا استُخدمت واقعة مصطنعة أو مواد جرى الحصول عليها نتيجة الاستدراج لتهديد الشخص أو إجباره على دفع المال أو القيام بعمل أو الامتناع عنه، فقد تترتب مسؤولية جزائية عن الأفعال التي اكتملت عناصرها وفقا للقانون.
ترتيب اللقاء أو وجود رجل وامرأة معًا لا يثبت جريمة الزنا
وفيما يتعلق بالجانب القانوني لجريمة الزنا، أوضحت الحديد أن القصد والغاية من السلوك عنصران مهمان في تحديد الوصف الجرمي، ولا يجوز افتراضهما لمجرد حصول لقاء أو تواصل بين شخصين.
وأشارت إلى أن القانون الأردني وضع أحكاما خاصة لجريمة الزنا، إذ تنص المادة 282 على عقوبة الزاني والزانية مع تشديدها في بعض الحالات، فيما تحدد المادة 283 وسائل الإثبات المقبولة، ومنها ضبط الزاني والزانية في حالة التلبس بالفعل، أو الاعتراف القضائي، أو الوثائق القاطعة وفق الشروط التي حددها القانون.
وأكدت أن مجرد ترتيب لقاء أو وجود رجل مع امرأة، أو العكس، لا يعني بذاته ثبوت جريمة الزنا، وإنما يجب بحث طبيعة الفعل والقصد الجرمي والأدلة القانونية المتوافرة، مشيرة إلى أن استدراج الشخص إلى موقف مصطنع لا يعني تلقائيًا تحقق الجريمة المنسوبة إليه.
وأضافت أن عنصر المفاجأة قد يُستغل للإيقاع بالضحية، من خلال ترتيب أو تهيئة الظروف لوجودها في موقف معين ثم مواجهتها بصورة مفاجئة.
تهديد الضحية بنشر الصور أو التسجيلات قد يفتح بابا لمسؤولية قانونية
ولفتت الحديد إلى أنه في حال الانتقال، بعد الحصول على صور أو تسجيلات أو معلومات، إلى تهديد الضحية بنشرها أو كشفها أو استخدامها للإضرار بها بهدف حملها على دفع المال أو تحقيق منفعة أو القيام بعمل أو الامتناع عنه، فقد ينشأ وصف قانوني مستقل يتعلق بالتهديد أو الابتزاز، بحسب الوقائع والأدلة المتوافرة.
وشددت على أنه لا يصح اختزال الواقعة في وصف واحد، إذ يجب تحليل أفعال كل شخص على حدة وتحديد الجرائم المحتملة استنادًا إلى الأدلة والقصد والنتيجة.
كيف تحمي نفسك من الوقوع في هذه الحيل؟
وفي جانب الوقاية، دعت الحديد إلى عدم الاستجابة لطلبات اللقاء أو التواصل المشبوهة، خصوصا عندما تكون هوية الشخص أو الغرض من التواصل غير واضح، وتجنب الذهاب إلى أماكن خاصة أو منازل بناءً على دعوة من شخص مجهول أو غير موثوق.
كما شددت على أهمية الاحتفاظ بالمحادثات والرسائل التي قد تثبت أن التواصل أو اللقاء كان نتيجة استدراج أو ترتيب مسبق، وعدم دفع الأموال أو تقديم تنازلات تحت التهديد قبل الحصول على استشارة قانونية، إلى جانب اللجوء إلى الجهات المختصة فورا وتجنب الدخول في مواجهة قد تؤدي إلى إتلاف الأدلة أو تصعيد الموقف.
عوامل نفسية واجتماعية تقف وراء الاستدراج والابتزاز
أوضحت الأخصائية النفسية والتربوية الدكتورة مرام بني مصطفى أن لجوء بعض الأزواج إلى التواطؤ لاستدراج طرف ثالث ثم ابتزازه قد يرتبط بعوامل نفسية واجتماعية وقيمية، مشيرة إلى أن بعض الأشخاص قد يعانون من اضطرابات أو سمات شخصية تؤثر في سلوكهم، وتدفعهم إلى تقديم مصالحهم ورغباتهم على القيم والمعايير الاجتماعية والدينية.
وأضافت أن البعض قد يلجأ إلى تبرير هذه السلوكيات بالحاجة إلى المال وارتفاع تكاليف المعيشة، في ظل السعي إلى تحقيق ربح سريع بطرق غير مشروعة، إلى جانب ضعف المنظومة القيمية التي قد تتيح استغلال الآخرين.
الخلافات الزوجية قد تجعل الطرف الثالث ضحية
بينما حول الخلافات الزوجية، أوضحت بني مصطفى أن بعض الأزواج قد يستخدمون ما يعرف نفسيا بـ”الإسقاط”، عبر توجيه غضبهم وصراعاتهم الداخلية نحو طرف خارجي، ليصبح الضحية "كبش فداء” مشيرة من أجل تحقيق أهدافهما، بينما يتحول الطرف الثالث إلى وسيلة للحصول على المال أو معالجة مشكلات اقتصادية داخل الأسرة.
وكما بينت أن الضحية قد لا يدرك في البداية حقيقة ما يتعرض له، قبل أن يقع تحت تأثير الخوف والضغط النفسي ومشاعر الذنب والعار، فيما يزيد الخوف من انكشاف الصور والمحادثات أو معرفة الأسرة والمجتمع من عزلته، ويجعله أكثر عرضة للانقياد أمام مطالب المبتز.
تداعيات نفسية واجتماعية تتجاوز لحظة الابتزاز
ومن هذه الزاوية أشارت بني مصطفى إلى أن هذه التجربة قد تترك آثارا نفسية واجتماعية تشمل التوتر والأرق، وقد تتطور لدى بعض الحالات إلى الاكتئاب أو اضطراب ما بعد الصدمة، مضيفة إلى جانب فقدان الثقة بالآخرين والانسحاب الاجتماعي، ولاسيما أنه سينعكس ذلك على العلاقات الأسرية والمهنية.
التوعية والحدود الرقمية لحماية الشباب
ومن الجانب التربوي، شددت بني مصطفى على أهمية توعية الشباب بمخاطر العلاقات الإلكترونية والثقة السريعة، وعدم الانسياق وراء الإشباع العاطفي، إلى جانب تعزيز الذكاء العاطفي ومهارات إدارة المشاعر.
وأكدت ضرورة أن تكون الأسرة ملجأً آمناً للشاب أو الفتاة عند الوقوع في مشكلة، وتعليم الأبناء وضع حدود شخصية ورقمية واضحة وعدم منح الثقة سريعا للأشخاص الذين يتعرفون إليهم عبر التطبيقات، مشيرة إلى أن ما يظهر خلف الشاشة من صور وكلمات لا يكشف بالضرورة حقيقة الشخص وهويته.