اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
مكافحة المخدرات تقبض على 14 تاجرا وتصادر 75 ألف حبة في 8 قضايا ذهبية آسيوية للجعفري.. بطل عمان الأهلية يتوّج في كراتيه ناغويا 2026 عمان الأهلية تشارك في سابلة الحسن للشباب 2026.. والقرعان ممثلاً للمشاركين في الحفل الختامي مرافعة تستحق الإشادة! الملكة.. الآن أصبحتم تعرفون ♤! خطاب القائد : مضامين تقرع أجراس الصمت وتضع حدود الوطن وأمنه في المقدمة المياه: ضبط اعتداءات في جنوب عمان وحفارة تحفر بئر مخالف في الصفاوي 17 كاتبا في رواية واحدة: "صفر واحد: عابرون إلى ألفا" بين الكتابة الجماعية وأسئلة الإنسان والآلة – الجزء الأول شي يصل في زيارة دولة إلى الولايات المتحدة وترامب يستقبله في المطار ديوان المحاسبة وبرايس ووتر هاوس الأردن يبرمان مذكرة تفاهم للارتقاء بمنظومة التدقيق وبناء القدرات المؤسسية طقس معتدل اليوم ولطيف حتى الأحد حابس الفايز: منبر الأمم المتحدة شهد صوت الأردن الواثق .. والملك حمل رسالته وكرامته بكل شموخ خطاب الملك عبد الله بالأمم المتحدة.. حين تصبح الحقيقة أقوى من الرواية التكنولوجيا المالية الأردنية بين طموحات التمكين وتحديات المستقبل؟ "ناشطة نسوية" تطالب بمنح المرأة أجرًا مقابل الأعمال المنزلية التي تقوم بها - فيديو المكنسة الروبوتية تعرف شكل منزلك .. ماذا تفعل بهذه الخريطة؟ ملحن مصري شهير في قبضة الأمن ويعترف ببيع مخدرات خام لأصحابه بريطاني يحصد لقب صاحب أبشع تكشيرة في العالم صينية تستعيد وعيها داخل التابوت قبل ساعات من دفنها ارتفاع أسعار الدخان.. هل يغير سلوك المدخنين أم يزيد أعبائهم؟

17 كاتبا في رواية واحدة: "صفر واحد: عابرون إلى ألفا" بين الكتابة الجماعية وأسئلة الإنسان والآلة – الجزء الأول

17 كاتبا في رواية واحدة صفر واحد عابرون إلى ألفا بين الكتابة الجماعية وأسئلة الإنسان والآلة – الجزء الأول
الأنباط -
حوار الناقد سليم النجار مع كتّاب الرواية

تقدم رواية "صفر واحد: عابرون إلى ألفا" تجربة سردية جماعية تجمع سبعة عشر كاتبا من أعضاء مبادرة نون للكتاب، في مغامرة أدبية تقوم على تعدد الأصوات وتداخل الحكايات والشخصيات والعوالم، وتضع الخيال العلمي والذكاء الاصطناعي والذاكرة الإنسانية والحرب واللجوء والعوالم الموازية في فضاء سردي واحد.

ولا تكمن خصوصية هذه التجربة في عدد المشاركين فحسب، بل في طبيعة التحدي الذي تطرحه الكتابة الجماعية نفسها. فالكتابة الفردية تمنح الكاتب سيطرة كاملة على عالمه وشخصياته وإيقاعه السردي، بينما تضع الكتابة الجماعية الكاتب أمام أصوات وأساليب ورؤى أخرى، وتطالبه بأن يحافظ على خصوصيته داخل بناء مشترك، وأن يجد مساحة يلتقي فيها اختلافه مع اختلاف الآخرين بشكل مقبول.

لم يكتف كتاب هذه الرواية بكتابة نصوص متجاورة، بل جرى احتضان القصص الفردية داخل إطار روائي جامع، لتنشأ شبكة من المستويات السردية تتداخل فيها شخصيات الكتّاب مع الشخصيات المتخيلة، ويتداخل النص داخل النص، وتتحول الكتابة نفسها إلى موضوع من موضوعات الرواية. ومن هنا تتجاوز التجربة فكرة الاشتراك في كتاب واحد إلى اختبار إمكان بناء رواية واحدة من سبعة عشر صوتا.

إن العمل الجماعي، في بعض تجاربه، لا يلغي العمل الفردي ولا يحل محله، لكنه يضع الكاتب أمام أسئلة مختلفة: كيف يحافظ على صوته داخل صوت جماعي؟ وكيف يمكن للاختلاف أن يتحول من مصدر للتشتت إلى عنصر من عناصر البناء؟ وهل تستطيع مجموعة من الكتاب أن تنتج عملا يتجاوز فكرة تجميع النصوص، إلى إنتاج فضاء سردي جديد ينشأ من التفاعل بين هذه النصوص؟

في هذه التجربة، يظهر الكتاب أنفسهم داخل الرواية، وتتحول أسماؤهم الأولى إلى أسماء لشخصيات تشارك في صناعة الحكاية، فيما تتداخل "عظيم بيتا" مع قصة "المستعيد 25"، ويصبح الذكاء الاصطناعي قارئا ومقيما للنصوص، وتتحول القصص إلى مفاتيح لفتح بوابات الخلاص. وهكذا يصبح السؤال عن الرواية سؤالا عن الكتابة نفسها: من يكتب؟ ومن يملك النص؟ وهل يمكن للآلة أن تقرأ الأدب كما يقرؤه الإنسان؟ وما الذي يبقى من الإنسان حين تصبح الذاكرة والوعي والهوية قابلة للاستعادة والنسخ وإعادة الصياغة؟

في هذا الحوار، سأقترب من هذه الأسئلة عبر توجيه سبعة عشر سؤالا إلى الكتاب السبعة عشر الذين شاركوا في كتابة الرواية، محاولا استكشاف هذه التجربة من داخلها، والوقوف على رؤى أصحابها بشأن الكتابة الجماعية، والخيال العلمي، والذكاء الاصطناعي، وملكية النص، والذاكرة، والحرية، والمستقبل، وما الذي يمكن أن تضيفه هذه التجربة إلى سؤال الكتابة الروائية في الأردن.

د. أسامة المجالي

س: ظهور الكاتب داخل الرواية

ظهرت في الرواية باسمك الأول، لا بوصفك مؤلفا خارج النص، وإنما بوصفك شخصية تعيش داخل عالم الرواية. ماذا يعني لك أن تتحول من كاتب للرواية إلى شخصية روائية فيها؟

ج : في الحقيقة، وليس فقط في هذه الرواية التي تركز على الخيال العلمي وتطورات الذكاء الاصطناعي والفانتازيا، نحن نعيش، بشكل أو بآخر، داخل النصوص التي نكتبها، سواء كانت رواية أو قصة أو حتى قصيدة. نحن نغرف من عالم نعرفه، ونخاطب عالما ليس بعيدا عنا. هنا يتداخل الحلم بالأمنية بالخيال والمستحيل.

وفي هذه الرواية، وبشكل لطيف ومبهر، اختلطت شخصيات الرواية وأبطالها ومؤلفوها معا، كي يخرجوا جميعا من المأزق الكبير الذي وقعوا فيه، مما يظهر بشكل كبير أهمية الإنسان وتوحده مع أقرانه للخروج من كل هذا الخراب المنفلت المحيط بنا، والذي يجثم علينا ويتغلغل في كل مناحي حياتنا ويحكم قبضته علينا.

فلا شك أن الرواية تظهر أن تعاوننا وتكاثفنا، مهما تعقدت الأمور، كفيل بنجاتنا، مهما بدت الآلة والمادة المنبثقة عنها بمنظومتها الأخلاقية المتوحشة والكاسرة إلى حدود لا توصف.

أسيد الحوتري

س: من هو المؤلف هنا؟

الكاتب الذي كتب الرواية في العالم الحقيقي، أم الشخصية التي تحمل اسمه داخل الرواية، أم "حفيظ منجوب" الذي يُستعاد نصه، أم الذكاء الاصطناعي الذي يعيد صياغة النص؟

ج: المؤلف في هذه الرواية ليس شخصا واحدا، بل شبكة من مستويات التأليف. هناك الكتاب السبعة عشر الذين شاركوا في كتابة الرواية، وظهرت أسماؤهم الأولى داخلها بوصفهم شخصيات تروي نصوصا، باستثنائي أنا، صاحب القصة الإطارية، فلم يظهر اسمي داخل المتن.

وهناك حفيظ منجوب، المؤلف المتخيل لـ"عظيم بيتا"، والشاطري الذي يستعيد النص عبر جهاز "المستعيد 25"، ثم الذكاء الاصطناعي الذي يعيد صياغة الذاكرة المستعادة.

لذلك يصبح السؤال الأهم ليس "من المؤلف؟"، بل "من يملك النص؟". الرواية تفكك مفهوم المؤلف نفسه، وتحوّل التأليف إلى سلسلة من الاستعادة والكتابة وإعادة الكتابة، بحيث يتداخل الحقيقي بالمتخيل، والإنسان بالآلة.

بشار علاوين

س: هل الأدب وسيلة للنجاة؟

عندما يصبح الأدب في الرواية وسيلة للخروج من السجن، وتصبح كل قصة قادرة على فتح إحدى البوابات، ما دلالة أن يتحول النص الأدبي من وسيلة للتعبير إلى وسيلة للنجاة والحرية؟

ج:  أرى أن الأدب لا يحرر الإنسان من السجن المادي فقط، بل يمكن أن يحرره من السجون التي يصنعها المجتمع داخلنا؛ من التابوهات والخوف والأفكار المفروضة والقيود التي تمنعنا من التعبير عن أنفسنا. عندما يتحول النص الأدبي إلى وسيلة للنجاة، فهو يمنح الإنسان مساحة يستطيع فيها أن يقول ما لا يستطيع قوله في الواقع، وأن يواجه أفكاره ومخاوفه دون قيود.

لذلك أرى أن كل قصة قادرة على فتح إحدى البوابات، لأن الأدب يفتح أمامنا احتمالات أخرى للحياة والفكر، ويمنحنا حرية التفكير والتعبير. فالكتابة ليست مجرد وسيلة للتعبير عن الواقع، بل قد تكون وسيلة للتحرر منه، وكسر الصمت حول القضايا التي يخشى المجتمع الحديث عنها. في هذا المعنى يصبح الأدب شكلا من أشكال الحرية، وربما وسيلة للنجاة حين تكون الحرية نفسها مقيدة.

تبارك الياسين

س: كيف اخترت قصتك؟

شخصيتك في الرواية مطالبة بتقديم قصة للذكاء الاصطناعي كي تساهم في فتح إحدى بوابات السجن. كيف اخترت القصة التي قدمتها؟ وهل كنت تفكرين في ذائقة شخصية الذكاء الاصطناعي "المتحدث 1" عندما كتبتها؟

ج: اخترت قصة "روبوت يقرأ لشوبنهاور" لأنها في جوهرها لا تتحدث عن روبوت بقدر ما تتحدث عن الإنسان، عن وحدته، وحريته، وخوفه من الموت، وحاجته إلى الآخر.

لكن عندما اخترتها لتكون ضمن كتاب مشترك، لم أكن أعلم أن المشروع سيتخذ لاحقا شكل رواية واحدة تتداخل فيها قصص الكتاب معا. كما أني كنت قد كتبت هذه القصة في وقت سابق ونشرت في موقع "رصيف"، وعندما أرسلتها لم أكن أعرف أين ستوضع داخل الحكاية الكبرى، أو كيف ستتفاعل مع قصص الآخرين. كنت أتعامل معها في البداية بوصفها قصة مستقلة لها عالمها وأسئلتها الخاصة.

وحين عرفت طبيعة المشروع، وجدت أن اختيار هذه القصة تحديدا يحمل مفارقة جميلة؛ فهي أصلا تتحدث عن كائن مصنوع من البرمجة، لكنه يحاول أن يصنع لنفسه وعيا وذاكرة وفلسفة خاصة. لذلك شعرت أنها تستطيع أن تعيش داخل عالم أكبر، وأن تفتح أسئلة تتجاوز حدود حكايتها.

الشخصية في الرواية جاءت مطالبة بتقديم قصة للذكاء الاصطناعي، ولذلك أجد قصتي ليست مجرد حكاية عن التكنولوجيا أو روبوت خارق، بل قصة تضعه أمام سؤال يمس وجوده هو: متى يصبح الكائن واعيا بذاته؟ وهل الوعي وحده كاف لكي نمنحه صفة الحياة؟

أما عن ذائقة الذكاء الاصطناعي، فلم أفكر فيها بمعنى إرضائه أو كتابة قصة مصممة وفق ما يحب، أو كما يرغب بها الحارس المسؤول عن البوابة، لأنني لم أكن أعلم بوجوده. لكن الجميل في الأمر أنه بعد أن تمت كتابة الرواية ودمج القصة فيها، وأدخلت (شوبنهاور) و(كامو) و(هيغل) و(سارتر) و(نيتشه) في عالم الروبوت، أصبحت القصة أشبه باختبار للذكاء الاصطناعي نفسه. كنت أراهن على أن الآلة قد تفهم الكلمات، وتحلل الأفكار، وتربط بينها، لكنها ستظل أمام سؤال أصعب: هل يمكن أن تفهم معنى أن تكون وحيدا؟

لهذا، حتى بعد أن عرفت أن القصة أصبحت جزءا من رواية تتجاور فيها أصوات وحكايات متعددة، لم أشعر بالحاجة إلى تغيير جوهرها؛ لأنها منذ البداية كانت تتحدث عن فكرة تتجاوز شخصية "جاد" ومبتكره. هي كانت عن الإنسان الذي يصنع شيئا يشبهه، ثم يكتشف أن ما صنعه بدأ يطرح عليه الأسئلة التي عجز هو نفسه عن الإجابة عنها.

وربما لهذا السبب أرى أن القصة مناسبة جدا لفكرة الكتاب؛ لأنها لا تمنح الذكاء الاصطناعي إجابة، وإنما تمنحه سؤالا. وربما كانت البوابة لا تفتح عندما يجد الإجابة، بل عندما يبدأ، للمرة الأولى، في البحث عنها.

حنان الباشا

س: هل يمتلك الذكاء الاصطناعي مهارات أدبية؟

الذكاء الاصطناعي في الرواية لا يكتب النصوص فقط، بل يقرأها ويقيمها ويقرر أيها يستحق أن يفتح بوابة. هل يمكن للذكاء الاصطناعي، في رأيك، أن يمتلك ذائقة أدبية حقيقية؟

ج: أعتقد أن الهجمة التي شنت على استخدام الذكاء الاصطناعي ليست عادلة تماما. لقد وجد الذكاء الاصطناعي لتسهيل المهام، فنحن نعيش في عصر تكنولوجي متطور جدا، ومن الطبيعي أن نواكب هذا التطور ونلم بأدواته. فلماذا لا نستخدمه، ما دمنا نحسن توظيفه؟

أرى أن الذكاء الاصطناعي قادر على توفير الكثير من الوقت الذي نحتاج إليه. فمثلا، يمكن الاستفادة منه في التدقيق النحوي والإملائي، وضبط علامات الترقيم، وترتيب الفقرات، وهي أمور لا أجد فيها ما يسيء إلى الكاتب أو ينتقص من قيمته. وكما انتقلنا من الطباعة اليدوية إلى الحاسوب، فإننا اليوم نواكب مرحلة جديدة من التطور التقني.

لكنني أرفض أن يلجأ الكاتب إلى استخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلا عنه. أما القول إن الذكاء الاصطناعي يمتلك ذائقة أدبية، فليس دقيقا؛ لأنه ليس مبدعا بذاته، بل يعتمد على بيانات ومدخلات يعيد من خلالها بناء النصوص. لذلك، ينبغي للأديب ألا يقع في إغراء الاعتماد الكلي عليه، حتى لا يفقد أجمل ما يمتلكه من أدوات الكتابة: الإبداع، والشغف، وصوته الخاص.

دارين الدويك

س: من يملك سلطة الحكم على الأدب؟

إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا على الحكم على القصص وتحديد قيمتها، فمن يملك في النهاية حق تحديد قيمة العمل الأدبي: الكاتب، القارئ، الناقد، أم الآلة؟

ج: أتحفظ ابتداء على توظيف كلمة "سلطة" في هذا السياق؛ لأنها توحي بوجود جهة تمتلك حكما نهائيا وملزما على الأدب، وكأن القيمة الأدبية يمكن أن تحسم بقرار قاطع: هذا نص جيد، وهذا رديء، وانتهى الأمر. الأدب، في تصوري، أوسع من أن يخضع لمثل هذه السلطة المطلقة، فلا الكاتب، ولا القارئ، ولا الناقد، ولا الآلة يمتلك منفردا حق إصدار الحكم الأخير على العمل الأدبي. الأدق أن نتحدث عن مشروعية التقييم، وعن تفاوت القراءات في درجة معرفتها ومنهجيتها وقدرتها على إقامة الحجة. فالكاتب، مثلا، يمتلك بلا شك معرفة خاصة بعمله: يعرف ظروف ولادته، ومقاصده، وخلفياته، وما أراد أن يقوله أو يخفيه أو يلمح إليه. لكنه لا يمتلك، بمجرد كونه الكاتب، سلطة تحديد القيمة النهائية لنصه؛ لأن العمل الأدبي، متى خرج إلى الناس، لم يعد حبيس نية صاحبه.

قد يقصد الكاتب معنى، ويكتشف القارئ في النص معنى آخر لم يكن حاضرا بوعي المؤلف أصلا، وقد تكشف الأزمنة اللاحقة في العمل إمكانات دلالية لم تكن ظاهرة زمن كتابته. ولذلك فإن الكاتب يستطيع أن يشرح تجربته، لكنه لا يستطيع أن يحتكر تأويلها، فضلا عن أن يكون هو الخصم والحكم في تقويم قيمتها.

كما أن قدرة الكاتب على الإبداع لا تعني بالضرورة امتلاكه الكفاية النقدية في كل جنس أدبي. فكاتب القصة القصيرة قد يكون مبدعا في فنه، لكنه ليس بالضرورة مؤهلا لتقييم الشعر أو المسرح أو الرواية؛ لأن لكل جنس أدبي "قوانينه" وتقاليده وأدواته الجمالية والسياقات التاريخية والفنية التي ينبغي الإحاطة بها قبل إصدار حكم نقدي عليه. ومن هنا فالمسألة ليست حقا شخصيا بقدر ما هي أهلية معرفية ومنهجية.

أما القارئ، فأراه مركزا أساسيا في العملية الأدبية؛ لأن الأدب في نهاية المطاف خطاب يبحث عن متلق، والنص الذي لا يقرأ تظل كثير من طاقاته الجمالية والدلالية كامنة. والقارئ يمنح النص حياة جديدة في كل قراءة، غير أن القراء ليسوا في مرتبة واحدة من حيث القدرة على التقييم.

فمن حق كل قارئ أن يحب نصا أو ينفر منه، وأن يقول: أثر في أو لم يؤثر، أعجبني أو لم يعجبني؛ لكن هذا شيء، والقول إن النص متماسك فنيا أو ضعيف بنيويا أو متفوق أسلوبيا شيء آخر. الأول انطباع مشروع، والثاني حكم يحتاج إلى معرفة وحجة وأدوات.

هنا يظهر دور الناقد. والناقد، في تصوري، ليس صاحب سلطة على الأدب، وإنما صاحب مسؤولية تجاهه. قيمته لا تأتي من اللقب الذي يحمله، وإنما من قدرته على الانتقال من الانطباع إلى المنهج، ومن الذوق الشخصي إلى الحجة القابلة للنقاش.

والمفارقة أن بعض النقد، حتى حين يصدر عن متخصصين، قد يبقى أسير الانطباعية والتحيزات والذائقة الشخصية؛ ولذلك لا تكفي صفة الناقد لجعل الحكم صحيحا بالضرورة. الناقد الجيد ليس من يقول لنا إن العمل جميل أو رديء، بل من يستطيع أن يجيب: لماذا؟ وكيف؟ وبأي أدوات وصل إلى حكمه؟ وأن يجعلنا قادرين على مراجعة استدلاله ومخالفته أيضا.

أما الذكاء الاصطناعي، فقد أدخل إلى هذه المسألة عنصرا بالغ الأهمية. فمن الصعب إنكار قدرته اليوم على تقديم قراءات أدبية لافتة، وعلى تحليل البنية والأسلوب والشخصيات والصور والرموز والتناصات، بل وعلى المقارنة بين نصوص ومناهج ومدارس نقدية بسرعة واتساع يصعبان على الفرد الإنساني.

وربما بدأنا فعلا نستغني به عن بعض الوظائف التقليدية التي كان يؤديها التقييم البشري، ولا سيما حين يكون المطلوب تحليلا أوليا أو استحضارا للمعرفة أو اقتراح زوايا متعددة للقراءة.

لكن السؤال الأهم ليس: هل تستطيع الآلة تحليل الأدب؟ فقد أثبتت، إلى حد بعيد، أنها تستطيع. السؤال هو: هل تستطيع أن تحل محل الإنسان في الحكم على قيمته؟ في اعتقادي: لا.

والسبب الجوهري أن الآلة، مهما بلغت قدرتها، تظل في علاقتها بالنص موجهة أكثر منها موجّهة. الإنسان هو الذي يحدد لها السؤال، والمنظور، والمنهج، وما يريد البحث عنه في النص.

ولو أعطينا العمل نفسه إلى أشخاص مختلفين، واستخدموا النموذج نفسه، فقد يحصلون على قراءات متباينة جدا؛ لا لأن الآلة امتلكت في كل مرة ذائقة جديدة، بل لأن الإنسان غير زاوية السؤال وشروط القراءة.

من يسألها عن البنية النسوية في رواية سيحصل على نص مختلف عمن يسألها عن البناء النفسي للشخصيات، أو التشكيل اللغوي، أو البنية السردية، أو السياق التاريخي. ولذلك فإن جودة المخرج النقدي للآلة تظل، في جانب مهم منها، مرتبطة بجودة السؤال الذي يطرحه الإنسان وبقدرته على مراجعة الإجابة وتمييز الصائب من المتكلف فيها.

وفوق ذلك، ثمة فارق لا ينبغي إغفاله بين معرفة الأدب ومعايشته. تستطيع الآلة أن تتحدث عن الحزن في رواية، وأن تحدد وسائله التعبيرية، وأن توازن صوره بمئات النصوص؛ لكنها لا تحزن بالمعنى الإنساني. تستطيع تحليل الاغتراب، لكنها لم تعش اغترابا؛ وتحليل الفقد، لكنها لم تفقد إنسانا؛ وتحليل الخوف من الموت، لكنها لا تواجه موتها بوصفه تجربة وجودية.

وهذه المسافة لا تجعل تحليلها عديم القيمة، لكنها تجعل مساواته بالتجربة القرائية الإنسانية أمرا يحتاج إلى حذر؛ لأن الأدب ليس بناء لغويا فحسب، وإنما هو أيضا التقاء تجربة إنسانية بتجربة إنسانية أخرى.

ويبقى السؤال الأصعب: من أين تأتي قيمة العمل الأدبي نفسه؟ أميل إلى أن قيمته لا يصنعها حكم فرد واحد، وإنما تتشكل عند نقطة التقاء عدة عناصر: القيمة الفنية الكامنة في بنائه ولغته وقدرته على الابتكار، والقيمة الدلالية والفكرية التي يتيحها، وقدرته على احتمال تعدد القراءات، ثم الأثر الذي يخلّفه في المتلقي وفي الثقافة مع مرور الزمن. وأشدد هنا على الأثر، لكنني لا أعني به الانتشار. فالانتشار ليس مرادفا للقيمة، كما أن قلة القراء ليست دليلا على ضعف العمل. قد ينتشر نص لأسباب اجتماعية أو إعلامية أو تجارية، ثم لا يبقى منه شيء، وقد يعيش نص في دائرة ضيقة ثم يكشف الزمن عن عمقه.

لذلك فالأثر الذي أقصده أعمق من عدد النسخ والمشاهدات والجوائز؛ إنه قدرة النص على أن يحدث شيئا في الإنسان. حين أخرج من رواية وأنا أنظر إلى الفقر بطريقة مختلفة، أو أعيد التفكير في العدالة، أو السلطة، أو الحرب، أو الحب، أو الهامش الاجتماعي، أو علاقتي بالآخر، فالنص لم يمر بي مرورًا محايدا. لقد أعاد ترتيب شيء ما في داخلي.

وحتى حين أختلف معه أو يثير غضبي، فإنه قد يكون قد نجح في إدخالي في مواجهة فكرية لم أكن لأدخلها من دونه. والنصوص الكبرى، في تقديري، ليست بالضرورة تلك التي تعطينا أجوبة عظيمة، وإنما كثيرا ما تكون تلك التي تجعل أسئلتنا بعد قراءتها أفضل وأعمق مما كانت قبلها.

ولذلك لا أبحث عن حاكم أعلى للأدب. الكاتب يبدع ويقترح عالمه، والقارئ يستقبله ويعيد إنتاج دلالته، والناقد يفحص آلياته ويختبر قيمته بأدوات معرفية، والذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكون معينا بالغ القوة في التحليل والمقارنة والكشف عن إمكانات القراءة، لكن لا أحد من هؤلاء يستطيع منفردا إغلاق باب النص وإعلان الحكم الأخير عليه. ربما تكون هذه تحديدا إحدى خصائص الأدب الحقيقي: أنه يقاوم الحكم النهائي.

بهذه الأسئلة والإجابات، نختتم الجزء الأول من هذا الحوار حول تجربة "صفر واحد: عابرون إلى ألفا"، على أن نواصل في الجزء الثاني محاورة بقية الكتاب المشاركين في الرواية، والاقتراب من رؤاهم حول الكتابة الجماعية، والذاكرة، والذكاء الاصطناعي، والإنسان والمستقبل.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير