الأنباط -
بعد جدل «توجيهي المسارات».. هل نحتاج إلى هندرة إدارية شاملة لقطاع التعليم العالي؟
في وطننا ، عندما يتعلق الأمر بالتعليم، فإن السؤال لا يعود سؤالاً إدارياً عادياً، ولا قراراً يمكن أن يمر بصمت ثم ينتهي بانتهاء الخبر.
التعليم قضية وطن، وتمس كل بيت، وكل أسرة، وكل طالب، وكل عضو هيئة تدريس، وكل خريج، ولذلك فإن المجتمع الأردني المتعلم والمثقف من حقه أن يسأل، ومن واجب المسؤول الواثق من عمله أن يواجه و أن يجيب.
ومن هنا يأتي السؤال الذي يتردد اليوم في أوساط أكاديمية وشعبية وعلى قنوات التواصل الاجتماعي:
كيف تم اختيار رؤساء وأعضاء مجالس أمناء الجامعات الأردنية؟
السؤال ليس اعتراضاً على أسماء بعينها فقد هنأت الكثيرين واعتبر البعض قوة لاي جامعه ونعتز بهم وبهم جميعا وخبراتهم وتاريخهم في الخدمه والنجاح والانجاز ، وليس الموضوع حكماً على كفاءة أي شخص تم اختياره، وإنما هو سؤال عن المنهج والمعايير والشفافية.التي نؤمن بها وهي أساس نجاح أي تحديث اداري والمطلوبة في ظل قوة وتأثير الإعلام والإعلام المجتمعي
فقد أعلن رسمياً أن مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، في جلسته الأولى بتاريخ 30 آب 2026، نسّب لمجلس الوزراء بتعيين رؤساء وأعضاء مجالس أمناء الجامعات الرسمية، كما وافق على تعيين رؤساء وأعضاء مجالس أمناء الجامعات الخاصة والكليات الجامعية الخاصة وفقاً لقانون الجامعات الأردنية.اي كما افهم وقد أكون مخطئا فاعتذر بأن رئيس وأعضاء مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشريه قد اطلعوا على الأسماء لرؤساء وأعضاء مجالس الأمناء للجامعات في الجلسه ولم ترسل لهم قبل الاجتماع بوقت لبيان رأيهم ونسبوا بها بعد موافقتهم عليها
وهنا تبدأ الأسئلة المشروعة.التي من المفروض أن تتم الاجابه عليها بوضوح وإقناع
هل كانت هناك لجان متخصصة قامت بفرز الأسماء والسير الذاتية؟
هل وضعت معايير محددة ومعلنة لاختيار رئيس مجلس الأمناء وعضو مجلس الأمناء؟
هل جرى تقييم الخبرة الأكاديمية والإدارية والبحثية؟
هل تم النظر إلى خبرة المرشح في الحوكمة الجامعية، والاعتماد وضمان الجودة، والبحث العلمي، وسوق العمل، والاقتصاد، والصناعة، والاستثمار، والابتكار والعلاقه مع المجتمع وما شبكة العلاقات التي يملكها كل عضو لمجالس الأمناء وما مدى قدرته على استقطاب دعم الجامعه واستقطاب طلبه والتفاعل اليومي مع المجتمع والقطاع الخاص ؟
هل كانت هناك سير ذاتية قُدمت للجهات المختصة وما هي ؟
وإذا كانت هناك أسماء مرشحة ولم يقع عليها الاختيار، فما المعايير التي أدت إلى استبعادها؟
هذه ليست أسئلة اعلاميه من اعلامي وأكاديمي فإن أخطأت فاعتذر أيضا ، وإنما أسئلة حوكمة.
فالجامعة ليست مؤسسة عادية، ومجلس أمنائها ليس مجلساً بروتوكولياً، وليس المطلوب أن تكون مهمته عقد الاجتماعات الدورية وتسجيل الحضور والانصراف فقط وأخذ مكافاءه وخاصة مكافاءات قد تكون أعلى في جامعات خاصه ؟.
مجلس الأمناء أمانة ومسؤولية وقرار ومستقبل.
وإذا كانت الجامعة هي عقل المجتمع ومصنع المعرفة ومصدر إعداد الإنسان لسوق العمل، فإن مجلس أمنائها يجب أن يكون على مستوى هذه المسؤولية.
أين الأستاذ الجامعي الأردني من مجالس الأمناء؟
لدينا في الجامعات الأردنية نحو 13 ألف عضو هيئة تدريس، بينهم أساتذة وأساتذة متقاعدون يحملون عشرات السنين من الخبرة الأكاديمية والإدارية والبحثية.
وهناك مئات من الأساتذة الذين وصلوا إلى سن السبعين وهم في قمة الخبرة، وما زالوا قادرين على العطاء والتأثير والمشاركة في بناء السياسات التعليمية والجامعية.
فهل دخل هؤلاء في دائرة الاختيار ما زال تم اختيار من مجالس الأمناء قد تجاوز السبعين وهو بصحة جيده والاستفادة من خبراتهم ؟
هل جرى النظر في سيرهم الذاتية؟
هل تمت الاستفادة من خبراتهم؟
أم أن الوصول إلى سن التقاعد يعني عملياً انتهاء الدور الوطني للأستاذ الجامعي؟
إنني لا أعتقد ذلك.
العلم لا يتقاعد في اليوم الذي يتوقف فيه الراتب.
والخبرة لا تنتهي ببلوغ سن السبعين.كما هو الحال في مجالس الأمناء وهي خطوه في رأيي عين الصواب
وفي جامعات عالمية وعربية كثيرة، يبقى الأستاذ الذي يمتلك الخبرة والعلم والقدرة على العطاء حاضراً في البحث والاستشارة واللجان والتفاعل مع المجتمع ومجالس الجامعات ومراكز الفكر، لأن الدول المتقدمة لا تنظر إلى الإنسان باعتباره رقماً مرتبطاً بالعمر، وإنما باعتباره رصيداً من المعرفة والخبرة والتجربة.
ولذلك فإن السؤال ليس: لماذا لم يتم اختيار هذا الأستاذ أو ذاك؟
بل السؤال الأهم:
هل كان هناك نظام عادل وشفاف يسمح لجميع الكفاءات المؤهلة بأن تكون ضمن دائرة الاختيار؟
القانون شيء.. والشفافية شيء آخر
من الناحية القانونية، الإعلان الرسمي واضح في أن التعيينات تمت استناداً إلى النصوص القانونية النافذة، ومنها المادة 9 من قانون الجامعات الأردنية رقم 18 لسنة 2018، وإلى قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية رقم 13 لسنة 2026 بالنسبة لدور المجلس الجديد.
لكن الالتزام بالقانون هو الأساس .
أما الحوكمة الحديثة فتطلب أكثر من ذلك.
نحن نريد أن نعرف بوضوح :
ما فلسفة الاختيار؟
وما معايير الكفاءة؟
وما نسبة التمثيل الأكاديمي وكيف تم الاختيار ؟
وما نسبة تمثيل قطاعات الصناعة والتجارة وكيف تم الاختيار ؟
وكيف اختير أصحاب الخبرة والرأي؟
وكيف تم تحقيق التنوع في التخصصات والخبرات؟
وهل كان هناك تقييم موضوعي لكل اسم، أم أن الاختيار تم من خلال ترشيحات محددة مسبقاً؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من أحد، بل على العكس؛ إن الإجابة عنها تحمي من تم اختيارهم قبل أن تحمي من لم يتم اختيارهم.
فالشخص الكفؤ لا يضرّه أن يعرف المجتمع لماذا تم اختياره ولماذا تم استبعاده .
لا نريد أن تتكرر قصة «توجيهي المسارات»
لقد شهد المجتمع الأردني خلال الأسابيع الماضية نقاشاً واسعاً حول نظام توجيهي المسارات، وما زالت ردود الفعل حاضرة في المجتمع، ونحن الآن أمام نتائج القبول الموحد وما ستنتجه من نقاشات جديدة.
ثم جاءت تعيينات مجالس أمناء الجامعات في توقيت يجعل قطاع التعليم العالي أمام مرحلة شديدة الحساسية.
وهنا يجب ألا تكون المعالجة في هذا القطاع التعليمي الهام قائمة على قاعدة: كما يتردد
«دعوا الناس تتحدث أياماً، ثم قد يحدث موضوع جديد وينسى الناس الموضوع السابق».
هذه ليست إدارة حديثة للرأي العام.
فالقضية ليست موجة على وسائل التواصل الاجتماعي حتى تنتهي بانتهاء المنشورات.
القضية هي ثقة المجتمع في مؤسسات التعليم.
والثقة لا تُبنى بالصمت، وإنما بالمعلومة، والشفافية، والتفسير، والاستماع، والقدرة على الإقناع.
مجالس الأمناء أمام امتحان حقيقي
المجلس الجديد لا ينبغي أن يكون مجرد تغيير أسماء.
المطلوب أن تكون مجالس الأمناء قادرة على الإجابة عن أسئلة كبرى :
أين الجامعة بعد اربع سنوات؟
ما التخصصات التي يحتاجها سوق العمل؟
ما التخصصات التي يجب التوسع فيها؟
وما التخصصات التي يجب إيقافها أو دمجها؟
كم نسبة تشغيل خريجي كل جامعة؟
وما حجم الإنفاق على البحث العلمي؟
وما العائد من هذا الإنفاق؟
وكيف ترتبط الجامعة بالصناعة وسوق العمل؟
وكيف نستقطب الطلبة الدوليين؟
وكيف نرفع تصنيف جامعاتنا ؟
وكيف نوقف هجرة الكفاءات؟
وكيف نحول الجامعة من مؤسسة تعليمية إلى مؤسسة إنتاج معرفة وابتكار واقتصاد وتصبح جامعه تعتمد على ذاتها ؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تشغل مجالس الأمناء .
حتى لا تتحول مجالس الأمناء إلى مواقع شرفية أو اجتماعات دورية، فهذا لا ينسجم مع حجم التحديات التي تواجه التعليم العالي.
اقترح كشف «فلسفة الاختيار» لا كشف الأشخاص
ليس المطلوب نشر أسماء من لم يتم اختيارهم، وليس المطلوب إحراج أحد.
ولكن المطلوب أن تعلن الجهات المسؤولة منهجية الاختيار.
فإذا كانت هناك لجنة مختصة، فليُعلن ذلك بوضوح وواثق الخطوة يمشي بثقه.
وإذا كانت هناك معايير، فلتُعلن.
وإذا كانت هناك مفاضلة بين السير الذاتية، فليُعرف إطارها العام.
وإذا كانت الأولوية للخبرة الأكاديمية أو الإدارية أو الاقتصادية أو الصناعية، فليعرف المجتمع ذلك.
فالشفافية لا تعني كشف كل المداولات الداخلية، وإنما تعني أن يعرف المواطن كيف وصل القرار إلى نتيجته.
الأردن بحاجة إلى «هندرة» إدارية للتعليم
ربما آن الأوان لأن نذهب إلى أبعد من معالجة كل قضية منفردة.
لقد أصبح قطاع التعليم بحاجة إلى هندرة إدارية حقيقية
هندرة تبدأ من المدرسة، مروراً بالتوجيهي، والقبول الجامعي، والتخصصات، والجامعات، ومجالس الأمناء، وأعضاء هيئات التدريس، والبحث العلمي، والاعتماد وضمان الجودة، وتنتهي بسوق العمل وتشغيل الخريجين.
نحتاج إلى أن نسأل:
هل ما زالت الطريقة التي ندير بها التعليم مناسبة لعام 2026؟
وكيف يمكن أن نصل إلى تعليم عالمي بإدارة قياديه منجزه ؟
وهل يمكن أن نطالب الجامعات بالمنافسة الدولية بينما بعض آليات الإدارة والاختيار والتقييم ما زالت بحاجة إلى التطوير والإعلان عن أسس الاختيار حتى تكون الكفاءه اولا ؟
إن «الهندرة» في رأيي إعادة تصميم الإجراءات من جديد على أساس الكفاءة والشفافية والسرعة والمساءلة والنتائج.والتقييم الدوري الدائم
ورايي وكما اسمع نريد مجالس أمناء تعمل بالإنجاز واعتقد بان بعض رؤساء مجالس الأمناء وأعضاء سينجحون
الأردن يملك جامعات عريقة، وأساتذة كباراً، وكفاءات علمية وإدارية متميزة، ويملك آلاف العقول التي تستطيع أن تقدم الكثير.
اقترح أن نستفيد من هذه الثروة البشرية.
ومجالس أمناء الجامعات يجب أن تكون مجالس فكر وخبرة ومساءلة وإنجاز. ونأمل أن تكون كلها هكذا
ولذلك فإن السؤال الذي أطرحه اليوم ليس:
من تم تعيينه؟
بل السؤال الأهم والأعمق:
كيف تم الاختيار؟
وإذا كانت آلية الاختيار سليمة وموضوعية وشفافة، فلماذا لا تُشرح للرأي العام؟
وإذا كانت هناك معايير، فلماذا لا يعرفها الأكاديميون؟
وإذا كانت هناك لجان فرز وتقييم للسير الذاتية، فلماذا لا يُعلن عن وجودها ومعاييرها؟
وإذا كان هناك مئات من الأساتذة الأردنيين الذين بلغوا سن السبعين وما زالوا قادرين على العطاء، فلماذا لا تكون خبراتهم جزءاً من قاعدة البيانات الوطنية للكفاءات التي يُستفاد منها في مجالس الأمناء واللجان والاستشارات؟
والمسؤول الواثق والناجح يستطيع أن يقنع الناس إذا شرح لهم الأساس الذي بُني عليه القرار.
وكاعلامي وأكاديمي ومتابع فلقد أصبحنا في زمن لا تكفي فيه البيانات المختصرة.
نحن في زمن السؤال والمعلومة والشفافية والمتابعة والاقناع والمواجهه الرأي العام .
وطننا بخير وقصة نجاح وإنجازات
فان أخطأت فاعتذر
مصطفى محمد عيروط