الأنباط -
المهندس عماد سعد
خبير الاستدامة والتغير المناخي والمسؤولية المجتمعية
رئيس شبكة بيئة ابوظبي
في السادس والعشرين من يوليو من كل عام، يحتفل العالم بـ اليوم العالمي للمانغروف، تقديراً لأحد أكثر النظم البيئية الساحلية أهمية في حماية كوكب الأرض. ورغم أن غابات المانغروف لا تغطي سوى نسبة محدودة من مساحة اليابسة، فإن دورها يتجاوز بكثير حجمها الجغرافي، لتصبح خط الدفاع الأول في مواجهة تغير المناخ، وحصناً طبيعياً يحمي السواحل، ومستودعاً استثنائياً للكربون، وموطناً غنياً للتنوع البيولوجي.
تتميز أشجار المانغروف بقدرتها الفريدة على النمو في البيئات الساحلية المالحة، حيث تشكل شبكة معقدة من الجذور تعمل على تثبيت التربة والحد من انجرافها، كما تخفف من قوة الأمواج والعواصف والعواصف البحرية، مما يقلل من مخاطر الفيضانات والتآكل الساحلي. وقد أثبتت الدراسات أن المناطق التي تحتضن غابات مانغروف سليمة تكون أكثر قدرة على الصمود أمام الكوارث الطبيعية مقارنة بالمناطق التي فقدت هذا الغطاء النباتي.
ولا تقتصر أهمية المانغروف على حماية السواحل، بل تمتد إلى دورها المحوري في التخفيف من آثار التغير المناخي. فهي تُعد من أكثر النظم البيئية كفاءة في احتجاز ما يُعرف بـ"الكربون الأزرق"، إذ تستطيع تخزين كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون في جذوعها وجذورها ورواسبها الطينية، بمعدلات تفوق العديد من الغابات البرية. ومن هنا أصبحت استعادة غابات المانغروف وحمايتها إحدى أهم الحلول القائمة على الطبيعة لتحقيق الحياد المناخي وخفض الانبعاثات.
كما تمثل هذه الغابات موطناً آمناً لمئات الأنواع من الأسماك والقشريات والطيور والكائنات البحرية، وتسهم في دعم الثروة السمكية وتعزيز الأمن الغذائي للمجتمعات الساحلية، فضلاً عن دورها في تنقية المياه وتحسين جودة البيئة البحرية. ولذلك فإن الاستثمار في المانغروف ليس استثماراً بيئياً فحسب، بل هو أيضاً استثمار اقتصادي واجتماعي يعزز استدامة الموارد الطبيعية ويدعم الاقتصاد الأزرق.
وقد أدركت دولة الإمارات العربية المتحدة هذه الأهمية مبكراً، فتبنت برامج طموحة لحماية غابات المانغروف والتوسع في زراعتها، وجعلتها جزءاً أساسياً من استراتيجياتها للعمل المناخي وحماية التنوع البيولوجي وتحقيق الحياد المناخي. وأصبحت التجربة الإماراتية نموذجاً إقليمياً في توظيف الحلول الطبيعية لتعزيز مرونة النظم البيئية الساحلية وتحقيق التنمية المستدامة.
وفي اليوم العالمي للمانغروف، تتجدد الدعوة إلى تعزيز الجهود الدولية والوطنية لحماية هذه الغابات من التدهور والتوسع العمراني والتلوث، والعمل على استعادتها وإدارتها بصورة مستدامة. فالمانغروف ليس مجرد أشجار تنمو على الشواطئ، بل هو بنية تحتية طبيعية تحمي الإنسان والبيئة والاقتصاد في آن واحد، واستثمار طويل الأجل في مستقبل أكثر أمناً واستدامة للأجيال القادمة.