اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
مصفاة البترول تحقق 62.1 مليون دينار أرباحا صافية في النصف الأول من 2026 لجنة السينما في "شومان" تعرض الفيلم المقدوني "دي جي أحمد" الثلاثاء المنطقة العسكرية الشمالية تُحبط محاولة تسلل على إحدى واجهاتها الحدودية وزير العدل يستقبل نظيره الفلسطيني ويؤكد عمق العلاقات الأخوية بين البلدين الشقيقين المياه: إطلاق الخدمات الاستشارية لمشروع "تحسين كفاءة قطاع المياه (JWSEP)" الباشا عبدالوهاب النوايسة… حين تبقى سيرة الرجال أكبر من الغياب شركة الخليج للإعلام تطلق موقع «المشهد اليوم» الالكتروني من العقبة لجنة سياسات الرقمنة والتكنولوجيا في الاقتصادي والاجتماعي تستعرض خطة عملها افتتاح دورة قادة الكتائب والتفتيشات العسكرية في كلية القيادة والأركان الملكية الأردنية مهرجان صيف تلفريك عجلون 2026 ينطلق الخميس المقبل الأردن يرحب ببيان مجلس الأمن المتضمن إدانة هجمات ميليشيا الحوثي على السعودية "حين يمر الزمن بنا هل نحن من يعيشه أم أنه من يعيشنا؟" مجموعة المناصير تُطلق "أهلاً مناصير" وتفتح أبواب معرضها الرئيسي – نقطة الوصول الموحّدة إلى جميع خدماتها ومنتجاتها افضل طرق علاج النمش بفعالية وسرعة للحصول على بشرة صافية وزير المياه والري ووزير الاقتصاد الرقمي يطلعان على سير عمل مشروع التحول الذكي لإدارة خدمات المياه خطة أمنية ومرورية شاملة تزامنا مع إعلان نتائج التوجيهي فيديو لفرقة من طلبة عمان الأهلية بعنوان : " دايماً بالعالي ، بنينا جيل ورا جيل " المياه: وقوع اعتداءات كبيرة على منظومة الديسي في الجفر الذكاء الصناعي في الإعلام الجديد ضرورة أم ترف... إجتماع عمان... ماذا بعد ... رفض وإدانة مؤامرة تهويد القدس ....؟

الباشا عبدالوهاب النوايسة… حين تبقى سيرة الرجال أكبر من الغياب

الباشا عبدالوهاب النوايسة… حين تبقى سيرة الرجال أكبر من الغياب
الأنباط -

ثمة رجالٌ يعبرون في مواقع المسؤولية، ثم تطوي الأيام أسماءهم كما تطوي صفحاتٍ أُنجزت وانتهت، وثمة رجالٌ آخرون يغادرون مواقعهم، ثم يغادرون الدنيا، لكنهم يظلون مقيمين في ذاكرة الوطن ووجدان الرجال؛ لأنهم لم يتركوا وراءهم أسماءً ومناصب فحسب، بل تركوا مواقف وقيمًا وسيرةً عصيّةً على النسيان.

ومن هؤلاء الرجال الذين ما زالت ذاكرتي تحتفظ لهم بصورةٍ ناصعة، المرحوم بإذن الله الباشا عبدالوهاب سليم مشوح النوايسة، أحد رجالات الأمن العام الأردني الذين حملوا مسؤولية الأمن في مراحل دقيقة من تاريخ وطننا، فكانوا على قدر الأمانة، وعلى قدر الأردن الذي أحبوه.

وقد كان لي شرف الخدمة في معيته عندما كان مديرًا لشرطة إربد، ولذلك فإنني حين أكتب عنه اليوم لا أكتب من بعيد، ولا أستعيد سيرةً قرأتها في كتاب، ولا حكايةً سمعتها من الآخرين؛ وإنما أكتب شهادة رجلٍ عرف قائدًا عن قرب، ورأى فيه كيف يمكن للقيادة أن تصبح خُلُقًا، وللرتبة أن تزداد هيبةً بمن يحملها، وللوطن أن يتحول في قلب صاحبه من اسمٍ على الخريطة إلى عقيدةٍ في الضمير.

كان الباشا عبدالوهاب النوايسة مدرسةً حقيقية في العمل الشرطي؛ مدرسةً في القيادة والانضباط والنزاهة والرجولة والشجاعة. وكان من أولئك القادة الذين لا يحتاجون إلى كثير كلام كي يثبتوا حضورهم؛ فالموقف عنده كان أبلغ من الخطاب، والفعل أصدق من الادعاء، وهيبة القائد لا يصنعها ارتفاع الصوت، بل تصنعها قوة الشخصية وعدالة القرار ونظافة اليد وثبات القلب.

أما الشجاعة، فقد كانت واحدةً من أبرز خصاله. ولم تكن شجاعته اندفاعًا عابرًا أو رغبةً في إظهار القوة، بل كانت شجاعة الرجل الذي يعرف متى يتقدم، ويعرف أن المسؤولية في اللحظات الصعبة لا تحتمل التردد. كان صلبًا أمام الخارجين على القانون، لا تساومه رهبة الموقف، ولا تثنيه صعوبة الظروف عن أداء واجبه، لأن أمن الناس وهيبة الدولة وسيادة القانون كانت عنده خطوطًا لا يجوز التهاون فيها.

والشجاعة في الرجال ليست دائمًا صوتًا مرتفعًا أو موقفًا صاخبًا؛ فقد تكون أحيانًا قرارًا عادلًا في ساعةٍ صعبة، أو ثباتًا حين يتردد الآخرون، أو قدرةً على قول «لا» حين تكون «لا» هي واجب الضمير. وهكذا عرفنا الباشا: ثابتًا في المواقف، واضحًا في القرار، لا يخشى في أداء واجبه إلا الله، ولا يجعل بينه وبين ما يراه حقًا حسابًا لمصلحة شخصية أو منفعة عابرة.

لكن الصفة التي كانت تجمع كثيرًا من خصاله في معنى واحد هي حب الوطن.

كان الأردن عنده أكبر من الوظيفة، وأبقى من المنصب، وأسمى من الرتبة. لم يكن حب الوطن في قاموسه عبارةً تُقال في المناسبات، وإنما كان سلوكًا يوميًا، وانضباطًا، وتضحيةً، وغيرةً صادقة على أمن البلاد وكرامة أهلها. وكان يُشعر من يعمل معه أن رجل الأمن لا يؤدي وظيفةً تنتهي بانتهاء ساعات الدوام، بل يحمل أمانة وطن، وأن البزة العسكرية ليست امتيازًا، وإنما عهدٌ بين صاحبها وبين الأردن.

ومن عاش تلك المرحلة يدرك أن خدمة الوطن في العمل الأمني لم تكن دائمًا طريقًا مفروشًا بالهدوء. فقد شهد الأردن ظروفًا ومحطات دقيقة، وكان الباشا واحدًا من الرجال الذين وقفوا في قلب المسؤولية، يحملون أمن الوطن في زمنٍ كان الثبات فيه امتحانًا حقيقيًا للرجال. وهناك، في الأزمنة الصعبة، تظهر معادن البشر؛ فلا يبقى من الشعارات شيء، ويبقى الرجل وموقفه.

وقد عرفناه نزيهًا، عفيف اليد، شديد الحساسية تجاه المال العام ومصلحة الناس، مؤمنًا بأن السلطة أمانة وليست غنيمة، وأن الرتبة تكليف قبل أن تكون تشريفًا. وهذه النزاهة، في تقديري، هي الوجه الآخر للشجاعة؛ لأن الرجل قد يحتاج إلى شجاعةٍ كي يواجه خصمًا، لكنه يحتاج إلى شجاعةٍ من نوع آخر كي ينتصر على إغراء السلطة والمصلحة، ويغادر موقعه كما دخله: مرفوع الرأس، نظيف اليد، مطمئن الضمير.

وكان رحمه الله قائدًا يعرف رجاله، ويعرف أن المؤسسة لا تُبنى بالأوامر وحدها، وإنما تُبنى بالقدوة. ومن خدم في معيته يدرك أن بعض الدروس لم يكن الباشا بحاجة إلى أن ينطق بها؛ فقد كنا نقرأها في انضباطه، وفي حزمه، وفي غيرته على العمل، وفي احترامه للمسؤولية.

علّمنا بسلوكه أن رجل الأمن لا تحميه رتبته بقدر ما تحميه نزاهته، ولا ترفع قدره سلطته بقدر ما يرفعه إخلاصه، وأن النجوم التي تلمع على الكتفين تفقد معناها إن لم يكن تحتها ضميرٌ حي وقلبٌ ينبض بحب الوطن.

ومع مرور السنوات، تتغير نظرتنا إلى الرجال الذين مروا في حياتنا. قد نبهر في شبابنا بقوة القائد وحزمه، لكننا حين نتقدم في العمر نفهم أن أعظم ما كان فيه لم يكن سلطته، بل قيمه؛ ولم تكن هيبته، بل استحقاقه لها؛ ولم تكن رتبته، بل الرجل الذي حمل تلك الرتبة.

وهنا تكمن فلسفة الأثر الإنساني: فالإنسان لا يخلد بما امتلك، وإنما بما ترك. والمناصب، مهما علت، مؤقتة؛ والرتب، مهما ازدانت بها الأكتاف، يأتي يومٌ تُخلع فيه؛ أما المواقف النبيلة فلا تتقاعد، والسيرة البيضاء لا تشيخ، والذكر الطيب يظل يمشي بين الناس طويلًا بعد أن يتوقف صاحبه عن السير بينهم.

رحمك الله يا أبا فخري…

كم يبدو الزمن عاجزًا أمام بعض الذكريات. تمضي الأعوام، وتتبدل الوجوه والأماكن، ثم يكفي أن يُذكر اسم رجلٍ عرفناه حتى تعود إلينا أيام كاملة بتفاصيلها؛ نسمع الأصوات، ونستعيد المواقف، ونرى الوجوه التي فرقتها دروب الحياة.

وحين أستعيد اليوم الباشا عبدالوهاب النوايسة، فإنني لا أستعيد مديرًا لشرطة إربد خدمت في معيته فحسب، وإنما أستعيد مدرسةً من مدارس الرجال؛ قائدًا شجاعًا، نزيهًا، غيورًا على وطنه، آمن بالأردن وعاش له، ورأى في أمنه وكرامة أهله أمانةً لا تقبل المساومة.

وشهادتي فيه ليست ثناءً يُقال في رجلٍ رحل؛ فالراحل بين يدي ربه لا يحتاج إلى مجاملة الأحياء. إنها بعض الوفاء لرجلٍ تشرفت بالخدمة في معيته، وتعلمت من مدرسته، ورأيت فيه نموذجًا للقائد الذي إذا أحب وطنه لم يحتج أن يحدث الناس كثيرًا عن ذلك الحب؛ لأنهم كانوا يرونه في مواقفه.

لقد رحل الباشا عن دنيانا، كما يرحل الجميع، لكن بعض الرجال لا يأخذهم الموت كلهم.

يبقى منهم شيءٌ في المكان الذي خدموه، وشيءٌ في المؤسسة التي أعطوها أجمل سنوات العمر، وشيءٌ في نفوس الرجال الذين عملوا معهم، وشيءٌ أكبر في ذاكرة الوطن.

سلامٌ عليك في دارك الأخرى…

سلامٌ على شجاعتك يوم كانت الشجاعة موقفًا، وعلى نزاهتك يوم كانت الأمانة امتحانًا، وعلى غيرتك على أمن الوطن، وعلى ذلك الحب الكبير للأردن الذي حملته في قلبك حتى آخر الطريق.

لقد خلعتَ رتبة الدنيا، لكنك أبقيت في ذاكرة من عرفوك رتبةً لا يصدر بها قرار، ولا تُعلَّق على كتف، ولا ينزعها تقاعدٌ ولا غياب؛ رتبةَ الرجل الذي أدى الأمانة، وأخلص للوطن، وترك خلفه سيرةً بيضاء.

رحم الله عبدالوهاب باشا النوايسة رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّمه للأردن وأمنه وأبنائه في ميزان حسناته.

فالرجال جميعًا يرحلون، ولكن الذين أحبوا أوطانهم بصدق، وكتبوا سيرتهم بالشجاعة والنزاهة والمواقف، لا يغادرون تمامًا…

إنهم يغيبون عن العيون، ويظلون أحياءً في ذاكرة الوطن.

اللواء المتقاعد محمد بني فارست
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير