الأنباط -
بقلم: الدكتورة ايمان الشمايلة
سيدي ومولاي، صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم، حفظكم الله،
لقد حملتم الأردن كما يحمل المؤمن أمانته؛ بعينٍ لا تغفل عن أمنه، وقلبٍ لا يساوم على كرامة أبنائه، وإيمانٍ راسخ بأن الأوطان لا تُصان بكثرة الجدران، بل بسمو المبادئ وعدالة الميزان. ولذلك بقي الأردن، بقيادتكم، وطنًا يعرف كيف يعبر العواصف دون أن يتخلى عن حكمته، وكيف يحفظ هيبته دون أن يفقد إنسانيته.
وتتغير الأمم يوم تفقد قدرتها على مراجعة ذاتها، لا يوم يتقدم بها العمر. فالعمر حسابٌ للسنين، أما التقدم فهو حسابٌ للقيم حين تبهت، وللمبادئ حين تتنازل عن مكانها أمام المصالح، وللعدالة حين يثقل عليها الوصول إلى من ينتظرها.
ونرى فيكم سيدي الدولة حين تمتلك قلبًا، والقانون حين يقترن بالعدل، والحزم حين تظلله الرحمة.
ومن رحمة الله بالأوطان أن يقيّض لها في كل مرحلة رجالًا يعيدون ترتيب البوصلة كلما حاولت الرياح أن تغيّر اتجاهها، لأن الدولة ليست بناءً من حجر، وإنما فكرةٌ أخلاقية كبرى؛ فإذا بقيت الفكرة مستقيمة، بقي كل ما حولها مستقيمًا.
وحين نتأمل سرَّ الدول التي ترتقي، نجد أنها تحسن إدارة الضمير قبل أن تُحسن إدارة المال، وتُتقن صناعة هيبة الانسان قبل أن تُتقن صناعة القرار. فالإنسان هو أول استثمار، وأول حصن، وآخر ما يبقى ذخر لهذا الوطن.
ولهذا فإن الطفولة ليست ملفًا اجتماعيًا، بل هي ميثاق الدولة مع المستقبل. فالطفل يولد وليس معه إلا براءته، يسلّمها للمجتمع أمانةً، فإن حفظها ارتفع، وإن فرّط بها انكسر شيءٌ في روح الأمة لا يجبره الزمن. وما من اعتداء على طفل إلا وهو امتحان لضمير الأمه قبل أن يكون قضيةً في أروقة العدالة؛ لأن الدولة التي تجعل الطفل آمنًا، تصنع مستقبلًا آمنًا.
وللدولة هيبة لا تقل عن هيبة الوطن نفسه. فالمؤسسات الأمنية والمدنية لم تنشأ الا لتتكامل تحت مظلة القانون. وحين يحاول أي شخص، لا يعمل بها التدخل بالاضرار او ايقاف ما هو لغيره، فإن القضية لا تتعلق بشخص، بل بمبدأ؛ لأن هيبة الدولة تبدأ عندما يعرف كل إنسان أين يقف، وتنتهي عندما يظن أحد أن القانون يقف حيث يريد هو.
ولعل أصعب ما يواجه المسؤول ليس كثرة الملفات، بل قلة الحقيقة التي تصله. فبين المواطن وصاحب القرار قد يقف بابٌ مغلق، وقد يقف حاجبٌ يحجب الصوت، أو تقريرٌ يختصر الواقع، أو دائرةٌ ضيقة لا ترى إلا ما تريد أن يُرى. وهنا تبدأ خسارة المؤسسة للمعرفة. فالحقيقة لا تُولد في المكاتب وحدها، وإنما تنمو في الميدان، وتتكلم بلسان الناس، وتسكن في تفاصيل حياتهم اليومية. وكل بابٍ يُفتح لصاحب حاجة هو نافذةٌ تُفتح للحقيقة، وكل مسؤولٍ يجعل الوصول إليه ممكنًا، يقترب من نبض وطنه أكثر مما تقرّبه إليه التقارير.
ثم إن معركة هذا العصر لم تعد على الحدود وحدها، بل انتقلت إلى العقول والهواتف والشاشات. ولم تعد الكلمة منشورًا عابرًا، بل قد تصبح سلوكًا، وقد تتحول إلى ثقافة، وقد تهدم في دقائق ما بنته الأسرة والمدرسة في سنوات. إن المنظومة الأخلاقية في الفضاء الرقمي ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية، لأن أمن الأبناء لا يهدده السلاح وحده، وإنما يهدده أيضًا خطاب الكراهية، والتشهير، والابتزاز، وتطبيع الإساءة، وتزيين الانحراف، وكل ما يضعف قيمة الاحترام والمسؤولية. وحماية هذا الفضاء مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتعززها المدرسة، وتصونها مؤسسات الدولة، ويشارك فيها كل صاحب كلمة.
وإذا كانت المخدرات تحاول أن تختطف الجسد، فإن انهيار المنظومة الأخلاقية يحاول أن يختطف الروح، ولا أمة تحفظ مستقبلها إذا خسرت أبناءها مرةً بالإدمان، ومرةً بانهيار المعايير، ومرةً بالصمت عن الخطأ حتى يصبح مألوفًا.
إن البيت ليس جدرانًا تُحرس، بل حياةٌ تُصان، ولذلك فإن أمن الأحياء لا يقل شأنًا عن أمن الحدود. وحماية بيوت الأردنيين جديرةٌ بأن يتولاها أبناء الوطن من كوادر مدرَّبة تأهيلًا عاليًا، قادرةٌ على التعامل مع السطو، والحرائق، والالتماسات الكهربائية، وسائر الطوارئ بكفاءةٍ ومسؤولية. فحين يكون الحارس مؤهلًا، يصبح وجوده طمأنينةً لا مجرد حضور، وتغدو حماية المنزل امتدادًا طبيعيًا لحماية الوطن.
إن قوة الدولة ليست في أن تخلو من التحديات، بل في أن يبقى القانون فيها المرجع الأعلى، وأن تبقى مؤسساتها تعمل بثقة، وأن يبقى المسؤول قريبًا من الناس، وأن يبقى الطفل في مأمن، وأن تبقى الأخلاق شريكًا للتنمية، لأن الحضارة لا تُقاس بما تبنيه الأيدي وحدها، بل بما تبنيه القيم في النفوس.
وهكذا يبقى الأردن يا سيدي قويًا ما دام العدل فيه طريقًا، والقانون فيه ميزانًا، والإنسان فيه غايةً لا وسيلة، وما دامت الدولة، بقيادتها، تنظر إلى كل قضية على أنها جزء من مشروع أكبر؛ مشروع وطنٍ يريد أن يورّث أبناءه أمنًا لا خوفًا، وثقةً لا قلقًا، وكرامةً لا تُساوَم، ومستقبلًا يليق بتاريخ هذه الأرض ورسالتها.