عند تمام الساعة الثالثة بعد ظهر الاثنين 18 فبراير/شباط 1952، افتتح رفيق كورالتان، رئيس مجلس الأمة التركي الكبير، جلسة البرلمان في أنقرة. كان ضمن جدول الأعمال مشروع قانون من 3 مواد يجيز لتركيا الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وقد طلب وزير الخارجية فؤاد كوبريلي تقديم مناقشته على سائر البنود في تلك الجلسة.
كان قد بقي يومان فقط على اجتماع مجلس شمال الأطلسي في لشبونة، وأرادت الحكومة استكمال الموافقة البرلمانية على العضوية قبل انعقاده. وافق النواب على الاستعجال، وشرعوا في مناقشة القانون رقم 5886، المتعلق بإقرار معاهدة شمال الأطلسي وبروتوكول لندن الذي دعا تركيا واليونان إلى الانضمام للحلف. بعد انتهاء المداخلات، أعلن كورالتان طريقة الاقتراع. خُصصت الورقة البيضاء للموافقة، والحمراء للرفض، ثم نودي النواب بحسب دوائرهم فتقدموا لإلقاء أوراقهم في السلة الموضوعة قرب المنصة. شارك 410 نواب، فوافق 409 منهم وامتنع واحد، من دون تسجيل أي صوت معارض. وحفظ محضر الجلسة هتافات الاستحسان والتصفيق الذي أعقب إعلان النتيجة.
صعد رئيس الوزراء عدنان مندريس إلى المنصة، وردّ الفضل في إتمام الانضمام إلى الأمة والبرلمان، ثم وقف النواب دقيقتين حدادا على الجنود الأتراك الذين قُتلوا في الحرب الكورية. ليجمع ذلك الصمت القصير بين المقعد الذي حصلت عليه تركيا داخل الحلف، والكُلفة التي تحملتها لإثبات استعدادها للمشاركة في الدفاع عن المعسكر الغربي، بعيدا عن حدودها ومصالحها المباشرة.
في اليوم نفسه، وقَّع الرئيس جلال بايار صك انضمام الجمهورية التركية إلى معاهدة شمال الأطلسي. وبعد يومين، استقبل مجلس شمال الأطلسي في لشبونة تركيا واليونان بوصفهما أول توسع للحلف منذ تأسيسه عام 1949. رأت أنقرة في العضوية تعهدا دفاعيا جماعيا يخفف انكشافها أمام الاتحاد السوفياتي، فيما رأى الحلف في تركيا جيشا كبيرا، ومضائق تتحكم في العبور بين البحر الأسود والبحر المتوسط، وحدودا تمتد بمحاذاة المجال السوفياتي، وأرضا توسع جناحه الجنوبي نحو شرق المتوسط.
"دخلت تركيا الحلف سعيا إلى تثبيت موقعها داخل النظام الغربي، ثم اكتشفت أن الدفاع الجماعي لا يلغي اختلاف الأعضاء في تعريف الخطر"
بدت جلسة البرلمان خاتمة مسعى بدأ بعد الحرب العالمية الثانية، لكنها افتتحت علاقة أخذ معناها يتغير مع كل أزمة. دخلت تركيا الحلف بحثا عن الحماية، وسعيا إلى تثبيت موقعها داخل النظام الغربي، ثم اكتشفت أن الدفاع الجماعي لا يلغي اختلاف الأعضاء في تعريف الخطر، ولا يضمن أن يستجيبوا بالطريقة نفسها لأزمة تعدها أنقرة جزءا من أمنها المباشر.
ومع اتساع قدرات الدولة وتراكم خبرتها داخل المؤسسة الأطلسية، لم تعد العضوية ضمانة للردع فقط. فقد تحولت تدريجيا إلى أداة للتأثير والتفاوض، تستخدمها تركيا لطرح مخاوفها، وتحديد شروط تعاونها، والمشاركة في رسم حدود حضور الحلف في جوارها. بقيت أنقرة محتاجة إلى المظلة التي سعت إليها عام 1952، لكنها أمضت العقود التالية تحاول توسيع المساحة التي تتحرك فيها تحتها.
قبل ذلك بسنوات، تحديدا في 7 يونيو/حزيران 1945، جلس السفير التركي في موسكو سليم ساربر قبالة وزير الخارجية السوفياتي فياتشِسلاف مولوتوف. جاء ساربر يستطلع إمكان بناء علاقة جديدة بعد أن أبلغت موسكو أنقرة، في 19 مارس/آذار من العام نفسه، أنها لا تريد تجديد معاهدة الصداقة والحياد الموقعة بين البلدين عام 1925.
وضع مولوتوف أمام ضيفه القضايا التي ينبغي تسويتها أولا. تحدث عن مراجعة الحدود التي أرستها معاهدات عام 1921، وطرح وجودا عسكريا سوفياتيا في المضائق، وطالب بتفاهم ثنائي يسبق تعديل اتفاقية مونترو. رفض السفير مناقشة التنازل عن أراض تركية أو منح موسكو قواعد داخل تركيا، وتمسك بأن نظام المضائق تقرره الدول الأطراف في الاتفاقية، لا موسكو وأنقرة وحدهما.
لم يسم مولوتوف قارص وأردهان في ذلك اللقاء بصيغة صريحة، لكن إشارته إلى تعديل حدود عام 1921 لم تترك مجالا واسعا للتأويل في أنقرة. كانت الولايتان تقعان عند الحدود التركية السوفياتية، وقد انتقلتا إلى تركيا ضمن التسويات التي تلت الحرب العالمية الأولى وحرب الاستقلال. أما المضائق، أي البوسفور والدردنيل، فتصل البحر الأسود ببحر إيجة والمتوسط. أعادت اتفاقية مونترو عام 1936 إلى تركيا سلطة عسكرية واسعة عليها، ونظمت عبور السفن التجارية والحربية، مع قيود خاصة على أساطيل الدول غير المطلة على البحر الأسود. لذلك مسَّت المطالب السوفياتية 3 قضايا عدتها الجمهورية محسومة: الأرض والسيادة العسكرية والتحكم بالممر البحري الحيوي الواصل بين البحريْن المتوسط والأسود.
"مسَّت المطالب السوفياتية 3 قضايا عدتها الجمهورية التركية محسومة: الأرض والسيادة العسكرية والتحكم بالممر البحري الحيوي الواصل بين البحريْن المتوسط والأسود"
وصلت تركيا إلى هذا الانكشاف بعد 6 أعوام خارج ساحات الحرب، وقد ارتبطت ببريطانيا وفرنسا بمعاهدة مساعدة متبادلة عام 1939، ووقعت لاحقا معاهدة عدم اعتداء مع ألمانيا، وحافظت على "حياد مسلح" تحت ضغط المعسكرين أثناء الحرب العالمية الثانية. وعندما أعلنت أنقرة الحرب على ألمانيا واليابان في 23 فبراير/شباط 1945، كان القتال الأوروبي يقترب من نهايته، وجاء القرار لتثبيت أهلية تركيا للمشاركة في تأسيس الأمم المتحدة والنظام الدولي الناشئ لا أكثر.
أبقى الحياد القوات الأجنبية خارج الأراضي التركية، ثم تراجعت قيمته حين خرج الاتحاد السوفياتي من الحرب ممتدا من القوقاز إلى وسط أوروبا. أصبحت المعاهدة التي ضبطت العلاقة مع موسكو على وشك الانتهاء، وتراجع التوازن الذي سمح لأنقرة بالمناورة بين القوى. ردت الحكومة التركية برفض الشروط السوفياتية، وسعت في الوقت نفسه إلى نقل الخلاف من مفاوضات ثنائية غير متكافئة إلى ملف يهم لندن وواشنطن، وشرحت للدولتين أن المسألة تتجاوز تعديل نص قانوني للمضائق، لأن الدفاع المشترك الذي تقترحه موسكو يضع قوة سوفياتية داخل منطقة تتحكم في الوصول إلى إسطنبول والبحر المتوسط.
تحولت الضغوط الشفوية إلى مواجهة دبلوماسية معلنة في 7 أغسطس/آب 1946، عندما قدمت موسكو مذكرة تقترح أن تتولى تركيا ودول البحر الأسود وضع النظام الجديد للمضائق (بدون مشاركة القوى الغربية)، وأن تنظم تركيا والاتحاد السوفياتي معا وسائل مشتركة للدفاع عنها. قبلت أنقرة إمكان مناقشة تعديل مونترو في مؤتمر تشارك فيه الدول المعنية جميعا، ورفضت حصر القضية بدول البحر الأسود أو إدخال القوات السوفياتية في منظومة الدفاع، وقد دعمتها الولايات المتحدة وبريطانيا في هذه النقطة، وأكدتا أن المسؤولية الأساسية عن حماية المضائق يجب أن تبقى تركية.
كانت المساندة الغربية لتركيا تتشكل ببطء في مواجهة الضغط السوفياتي. ففي 5 أبريل/نيسان 1946، وصلت البارجة الأمريكية "ميسوري" إلى إسطنبول حاملة رفات السفير التركي في واشنطن محمد منير أرطغون. أدت الرحلة مهمة رسمية، لكن إرسال قطعة بحرية بهذا الوزن منحها دلالة سياسية في عاصمة تترقب موقف واشنطن. كانت الولايات المتحدة تقبل مبدأ مراجعة اتفاقية مونترو، ولم تكن قد قررت تحمل التزام دائم بالدفاع عن تركيا، بينما حافظت بريطانيا على الدور الغربي الأبرز في شرق المتوسط رغم تناقص مواردها.
"بدأت الأسلحة والطائرات والسفن ووسائل الاتصال الأمريكية تغير الجيش التركي، وربطت تحديثه بالتدريب والتخطيط والإمداد القادمين من واشنطن"
ثم حسم العجز البريطاني اتجاه التحول. ففي مطلع عام 1947، أبلغت لندن واشنطن أنها لن تستطيع مواصلة أعباء دعم اليونان وتركيا. وفي 12 مارس/آذار، طلب الرئيس هاري ترومان من الكونغرس 400 مليون دولار لمساندة البلدين في مواجهة الضغوط الخارجية والاضطراب الداخلي. خُصص لتركيا 100 مليون دولار، ووجهت حصتها إلى الاحتياجات العسكرية والمنشآت ذات الأهمية الدفاعية. وُقعت اتفاقية المساعدة بين أنقرة وواشنطن في 12 يوليو/ تموز، ووصلت بعثات أمريكية لتحديد الأولويات وتدريب القوات.
بدأت الأسلحة والطائرات والسفن ووسائل الاتصال الأمريكية تغير الجيش التركي، وربطت تحديثه بالتدريب والتخطيط والإمداد القادمين من واشنطن. كانت تركيا تحتفظ بجيش كبير يستهلك قسما ثقيلا من الموازنة، لكنه يعتمد على معدات متقادمة ويعاني ضعفا في قدراته الجوية والبحرية. رفعت المساعدة كلفة أي هجوم محتمل، ومنحت الولايات المتحدة شريكا يستطيع تعطيل تقدم سوفياتي على الجبهة الجنوبية. لكنها بقيت علاقة ثنائية تقدم المال والسلاح والخبرة، وتترك قرار القتال إلى لحظة الأزمة، وكانت أنقرة تبحث عن التزام يجعل الدفاع عنها واجبا تعاقديا، لا اختيارا سياسيا يتغير بتغير الظروف.
ساعدت الجغرافيا تركيا على صياغة هذا الطلب بلغة المصالح الغربية، فالمضائق تقيد حركة الأسطول السوفياتي بين البحرين الأسود والمتوسط، والحدود الشرقية تضع الجيش التركي بمحاذاة القوقاز، كما تقع البلاد على الطرق المؤدية إلى شرق المتوسط وقناة السويس ومناطق النفط في الشرق الأوسط. وقد أدرك صناع القرار الأمريكيون أن جيشا تركيا متماسكا سيُجبر موسكو على تخصيص قوات لجبهة جنوبية واسعة. واستخدمت أنقرة هذه القراءة لتقديم نفسها بوصفها قوة قادرة على حماية خط يتجاوز أراضيها.
جاء التقارب الأمني متزامنا مع الانتقال إلى التعددية الحزبية في تركيا. فقد نشأ الانفتاح السياسي من أزمات الداخل وانقسام النخبة الحاكمة وتبدل المجتمع بعد سنوات الحرب، وساعد الاصطفاف الغربي على منحه إطارا دوليا. وقدمت القيادة التركية البلاد عضوا في "العالم الحر"، وربطت بين نظامها السياسي وموقعها الأمني الجديد. وعندما اشتد التنافس بين حزب الشعب الجمهوري والحزب الديمقراطي، ظل الاندماج مع الغرب من الملفات التي اتفق عليها الطرفان، رغم خلافهما الواسع على إدارة الدولة والاقتصاد.
"أدرك صناع القرار الأمريكيون أن جيشا تركيا متماسكا سيُجبر موسكو على تخصيص قوات لجبهة جنوبية واسعة"
بيد أن المساعدات لم تثمر إدخال تركيا تلقائيا في حلف شمال الأطلسي عند تأسيسه في 4 أبريل/نيسان 1949. فقد ركزت الولايات المتحدة وحلفاؤها على ترميم دفاع أوروبا الغربية، وخشوا توسيع المادة الخامسة إلى حدود مباشرة مع الاتحاد السوفياتي قبل اكتمال خططهم العسكرية. وفضَّلت بريطانيا أن تؤدي تركيا دورا مركزيا في ترتيب منفصل للدفاع عن شرق المتوسط والشرق الأوسط، يرتبط بالمصالح والقواعد البريطانية في المنطقة، دون توسيع المجال الأطلسي. لكن قبول إيطاليا ضمن الدول المؤسسة للحلف ولد شعورا لدى أنقرة بأن الحجة الجغرافية تطبق بمرونة أو ربما بانتقائية، وأن السؤال الحقيقي يتعلق بحجم الالتزام الذي سيضيفه دخول تركيا إلى الحلف.
في 11 مايو/أيار 1950، قبل الانتخابات العامة بـ3 أيام، تقدمت حكومة حزب الشعب الجمهوري بطلب مباشر للعضوية. لم يحصل الطلب على التأييد اللازم، وانتقلت السلطة بعد الانتخابات إلى الحزب الديمقراطي بقيادة عدنان مندريس من دون أن تتغير المعضلة. كان الغرب يعترف بقيمة الجيش والمضائق، ويقدم السلاح، ويُشرك تركيا في حسابات الدفاع عن المتوسط، لكنه يتحفظ على تحويل هذه الشراكة إلى ضمانة كاملة. أما أنقرة، فقد قطعت مسافة واسعة من الحياد إلى الاصطفاف، واكتشفت أن حاجتها إلى الحماية لا تكفي وحدها لإقناع الآخرين بتحمل كلفتها.
"شكَّلت الحرب الكورية البعيدة فرصة أمام حكومة مندريس لتحويل موقع تركيا من حجة على الخرائط إلى التزام يمكن قياسه في الميدان"
بحلول 25 يونيو/حزيران، وصل خبر اجتياز القوات الكورية الشمالية خط العرض 38 (الفاصل الجغرافي الذي قُسمت عنده شبه الجزيرة الكورية إلى شطرين) إلى مسامع العالم، وأحدث صداه في عاصمة كانت ما تزال تبحث عن الطريق الأقصر بين الدعم الغربي والعضوية الأطلسية. وقد شكَّلت الحرب البعيدة فرصة جديدة أمام حكومة مندريس لتحويل موقع تركيا من حجة على الخرائط إلى التزام يمكن قياسه في الميدان.
في ليلة 25 سبتمبر/أيلول 1950، غادرت السفينة العسكرية الأمريكية "جنرال جيه إتش ماكري" ميناء الإسكندرونة، وعلى متنها الدفعة الأولى من القوة التركية المتجهة إلى الحرب الكورية. تحركت السفينة الثانية في 26 سبتمبر/أيلول، ولحقت بهما الثالثة بعد 3 أيام. عبرت القافلة البحر الأحمر والمحيط الهندي، وتوقفت في كولومبو (سريلانكا) قبل أن تواصل طريقها إلى سنغافورة ثم إلى ميناء بوسان الكوري الجنوبي.
بحلول ذلك الوقت، كان مجلس الأمن قد دعا الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى تقديم المساعدة للكوريين الجنوبيين، وتولت الولايات المتحدة قيادة القوة الدولية التي تشكلت لصد الهجوم الشمالي. وبعد شهر من اندلاع القتال، أبلغ وزير الخارجية التركي فؤاد كوبريلي الأمم المتحدة أن حكومة رئيس الوزراء عدنان مندريس قررت وضع قوة قتالية قوامها 4500 رجل تحت القيادة الدولية.
جاء القرار بعد نحو شهرين من وصول الحزب الديمقراطي إلى الحكم، في أول انتقال للسلطة عبر انتخابات تعددية في تاريخ الجمهورية. وقد حافظ رئيس الجمهورية جلال بايار ورئيس الوزراء مندريس على الاتجاه الغربي الذي رسخته حكومة عصمت إينونو، بل وأضافا إليه استعدادا لاستخدام القوة خارج الأراضي التركية في أول نزاع كبير للحرب الباردة. كانت أنقرة قد اقتربت سياسيا وعسكريا من واشنطن، لكن المساعدات الأمريكية لم تتحول إلى ضمانة دفاعية ملزمة، وظلت طلباتها للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي تواجه تحفظات داخل العواصم الغربية.
"رأت أنقرة في الحرب الكورية فرصة لإثبات أنها لا تطلب حماية الغرب من دون استعداد لتحمل جزء من أعبائه"
قدمت الحكومة التركية مشاركتها في كوريا بوصفها وفاء بميثاق الأمم المتحدة ودفاعا عن الأمن الجماعي في مواجهة عدوان مسلح. غير أن مسعى الانضمام إلى الحلف كان حاضرا في حساباتها منذ البداية، من دون وجود اتفاق يضمن قبول تركيا مقابل إرسال قواتها. ورأت أنقرة في الحرب فرصة لإثبات أنها لا تطلب حماية الغرب من دون استعداد لتحمل جزء من أعبائه. ولهذا اكتسب ترتيب الخطوات دلالته، إذ اتخذت الحكومة قرار المشاركة في يوليو/ تموز، وجددت خلال أغسطس/ آب طلبها دخول الحلف، بينما تحرك الدبلوماسيون الأتراك في عواصم الناتو لتقديم المهمة الكورية دليلا عمليا على موقع البلاد داخل المعسكر الغربي.
وصلت طلائع اللواء إلى مدينة بوسان الكورية في 18 أكتوبر/تشرين الأول، ثم انتقلت القوة إلى مدينة دايغو قبل إلحاقها بالجيش الثامن الأمريكي. كانت قوات الأمم المتحدة تتقدم شمالا، وبدا أن انهيار الجيش الكوري الشمالي قد قرَّب الحرب من نهايتها. لكن تبدلت الصورة في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني، عندما دخلت القوات الصينية القتال بأعداد كبيرة وهاجمت مواقع القوة الدولية على امتداد الجبهة.
ومن ثمَّ، انهارت وحدات كورية جنوبية على الجناح الشرقي للجيش الثامن، وتقدمت تشكيلات صينية عبر الفراغ الذي تركه انسحابها نحو طرق القوات الدولية. وقد تحرك اللواء التركي من الاحتياط إلى منطقة واوون وكونو ري، وسط أوامر متبدلة وخرائط غير مألوفة واتصالات محدودة مع القيادات الأمريكية. وخلال الفترة بين 27-29 نوفمبر/تشرين الثاني، وجدت وحداته نفسها أمام قوات تفوقها عددا، وتتحرك عبر الجبال والطرق الخلفية لقطع خطوط الانسحاب.
قاتل الجنود الأتراك في مواقع متفرقة، وحاولوا الخروج من التطويق وتأمين تراجعهم نحو الجنوب. وبلغت خسائر اللواء في سلسلة الاشتباكات 767 قتيلا وجريحا ومفقودا، قبل أن تضطر القوة إلى الانسحاب للراحة وإعادة التنظيم. ومن ثمَّ خرج اللواء من أول اختبار واسع له بقدرة قتالية منهكة، وبكلفة بشرية ستحتل موقعا دائما في الذاكرة التركية للحرب.
استعادت القوة تماسكها في يناير/كانون الثاني 1951، عندما بدأت قوات الأمم المتحدة هجوما مضادا لاستعادة المواقع التي فقدتها. وقاتل اللواء بصورة أكثر تنظيما في المعركة التالية، وحقق الأهداف التي كُلف بها إلى جانب وحدات أمريكية وكورية جنوبية، ما ساعد الحكومة التركية على تقديم جيشها باعتباره قوة يمكن دمجها في الخطط الغربية، لا مجرد كتلة بشرية كبيرة تقف على حدود الاتحاد السوفياتي.
"ظل بعض أعضاء الحلف ينظرون إلى تركيا بوصفها دولة تقع خارج النطاق الجغرافي الأطلسي"
غير أن قرار المشاركة ومعارك نوفمبر/تشرين الثاني لم يؤديا مباشرة إلى قبول تركيا. ففي سبتمبر/أيلول 1950، اختار الحلف إشراكها مع اليونان في التخطيط الدفاعي لمنطقة البحر المتوسط، من دون منحهما ضمانة المادة الخامسة التي تلزم الدول الأعضاء باعتبار الهجوم على إحداها هجوما عليها جميعا. ظل بعض أعضاء الحلف ينظرون إلى تركيا بوصفها دولة تقع خارج النطاق الجغرافي الأطلسي، أو قوة يمكن إدخالها في ترتيبات منفصلة للدفاع عن شرق المتوسط والشرق الأوسط.
تغيَّر وزن الطلب التركي خلال العام التالي تحت أثر الحرب نفسها. فقد أظهرت كوريا الفجوة بين الالتزامات العسكرية التي تحملها الغرب والقوات المتاحة لتنفيذها، ودفعت واشنطن إلى تسريع إعادة التسلح والبحث عن دول تستطيع حمل جزء من العبء إذا امتدت المواجهة إلى مناطق أخرى. وفي 13 أبريل/نيسان 1951، أوصت هيئة الأركان المشتركة الأمريكية بقبول تركيا واليونان في الحلف، وربطت التوصية بمراجعة أوسع للقدرة الغربية على خوض الحرب الكورية ومواجهة أزمات متزامنة في أوروبا والبحر المتوسط والشرق الأوسط.
تجاوزت الحجة الأمريكية أداء اللواء التركي في كوريا، إذ رأى وزير الخارجية الأمريكي دين أتشيسون أن تركيا واليونان تحميان الجناح الجنوبي للقيادة الأوروبية، وتضيفان إلى الحلف قوات ومطارات ومواقع تسمح بتشتيت جزء من القوة السوفياتية بعيدا عن وسط أوروبا. وبدا لواشنطن أن بقاء الدولتين خارج الحلف يخلق وضعا غير متوازن، إذ يتوقع الغرب أن يدافع عنهما إذا تعرضتا لهجوم، من دون التزام قانوني مماثل منهما بالدفاع عن أعضائه.
"دار الخلاف حول المكان الذي ستشغله تركيا داخل البنية الدفاعية الغربية"
دار الخلاف حول المكان الذي ستشغله تركيا داخل البنية الدفاعية الغربية. فقد أرادت بريطانيا الاستفادة من الجيش التركي في مشروعها لقيادة الشرق الأوسط، بحيث تتولى حماية خطوط الاتصال وقناة السويس والمصالح الغربية في المنطقة، وربطت تأييدها للعضوية باستعداد أنقرة للمشاركة فيه، في حين فضلت الولايات المتحدة إدخال تركيا واليونان إلى الحلف أولا، ثم التفاوض على أدوارهما الإقليمية من داخله.
قبلت الحكومة التركية مبدأ الإسهام في الدفاع عن الشرق الأوسط، لكنها رفضت أن يتحول المشروع البريطاني إلى بديل عن عضوية الناتو، أو أن توضع أراضيها خارج القيادة الأطلسية القائمة في أوروبا. وكشف الخلاف أن أهمية تركيا العسكرية أصبحت موضع اعتراف، بينما بقي توزيع هذه الأهمية بين جنوب شرقي أوروبا وشرق المتوسط والشرق الأوسط محل نقاش بين الحلفاء.
في 20 سبتمبر/أيلول 1951، اعتمد مجلس شمال الأطلسي قرارا أوصى حكومات الدول الأعضاء باتخاذ الإجراءات اللازمة لدعوة تركيا واليونان إلى الانضمام. واكتمل المسار في 18 فبراير/شباط 1952، عندما أقر مجلس الأمة التركي الكبير قانون الانضمام الذي افتتحت به هذه المقالة، وبعد يومين شارك ممثلو أنقرة وأثينا في اجتماع مجلس شمال الأطلسي في لشبونة بصفتهما دولتين عضوين. وحصلت تركيا على التعهد الدفاعي الذي سعت إليه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وعلى مقعد داخل مؤسسات التخطيط والقيادة العسكرية الغربية.
بعد سنوات قليلة على انضمامها، بدأت تركيا تستكشف عمليا حدود وقيود عضوية النادي الأطلسي. ففي مساء 5 يونيو/حزيران 1964، استقبل رئيس الوزراء التركي عصمت إينونو السفير الأمريكي في أنقرة ريموند هير، وتسلم منه رسالة بعث بها الرئيس ليندون جونسون. كانت الحكومة التركية قد أبلغت واشنطن استعدادها لإنزال قوات في قبرص، بعد أشهر من انهيار الترتيبات الدستورية التي قامت عليها الجمهورية المشتركة وتصاعد العنف بين القبارصة اليونانيين والأتراك. وصلت الرسالة بعدما بلغت التحضيرات العسكرية التركية مرحلة متقدمة، ووضعت أمام أنقرة حدودا لم تتوقع أن يرسمها حليفها الأقوى بهذه الصراحة.
طالب جونسون الحكومة التركية بالتشاور قبل أي تحرك قد يقود إلى حرب مع اليونان، وذكَّرها بأن الأسلحة التي حصلت عليها بموجب برنامج المساعدة العسكرية الأمريكية لا يجوز استخدامها في عملية لم توافق عليها واشنطن. ثم تناولت الرسالة الاحتمال الأكثر حساسية، فإذا تسبب التدخل التركي في رد سوفياتي، فإن أعضاء حلف شمال الأطلسي لم يناقشوا ما إذا كانوا سيعدون أنفسهم ملزمين بالدفاع عن تركيا في أزمة نتجت عن تحرك منفرد لم يحظَ بموافقتهم.
"كانت تركيا قد دخلت الحلف لتحتمي من الاتحاد السوفياتي، ثم وجدت نفسها أمام تحذير يقول إن طريقة نشوء الأزمة قد تحدد ما إذا كانت تلك الحماية ستعمل أم لا"
صدرت الرسالة عن الرئيس الأمريكي خارج مؤسسات الحلف، لكنها جمعت في وثيقة واحدة 3 عناصر قامت عليها علاقة أنقرة بالغرب. السلاح الأمريكي الذي أعاد تشكيل الجيش التركي، والثقل الذي تمتعت به واشنطن داخل الناتو، والغموض السياسي المحيط بتطبيق ضمانة الدفاع الجماعي عندما يختلف الأعضاء في تعريف الخطر ومصدره. كانت تركيا قد دخلت الحلف لتحتمي من الاتحاد السوفياتي، ثم وجدت نفسها أمام تحذير يقول إن طريقة نشوء الأزمة قد تحدد ما إذا كانت تلك الحماية ستعمل أم لا.
أمضت أنقرة منذ عضويتها عام 1952 أكثر من عقد في بناء تصور أوسع للعلاقة. دخل الجيش التركي تدريجيا في خطط القيادة العليا للناتو، وافتُتحت في إزمير في يونيو/حزيران 1952 قيادة القوات البرية المتحالفة في جنوب شرقي أوروبا، وتولى قيادتها جنرال أمريكي يعاونه نائبان تركي ويوناني، وأصبحت مسؤولة في زمن الحرب عن القوات البرية التي تخصصها الدولتان للحلف، ضمن منطقة تمتد من الحدود الغربية لليونان إلى الأناضول والقوقاز. ثم أُنشئت قرب إزمير قيادة جوية مشتركة للدفاع عن المجالين التركي واليوناني.
منحت العضوية الجيش التركي طائرات ودبابات ومدفعية وأجهزة اتصال وبرامج تدريب لم يكن اقتصاد البلاد قادرا على توفيرها بالوتيرة نفسها. واستفاد الحلف في المقابل من جيش كبير يستطيع تثبيت قوات سوفياتية على جبهة جنوبية، ومن مضائق تتحكم في خروج الأسطول السوفياتي من البحر الأسود إلى المتوسط. وقد جسدت قاعدة إنجرليك قرب أضنة هذا التداخل. فقد بدأ إنشاؤها عام 1951، ونظم اتفاق بين هيئة الأركان التركية والقوات الجوية الأمريكية استخدامها المشترك في ديسمبر/ كانون الأول 1954. وبقيت المنشأة قاعدة تركية تستضيف قوات أمريكية وفق ترتيبات ثنائية، واستخدمت في مهمات خدمت الإستراتيجية الغربية، من بينها رحلات استطلاع بطائرات "يو-2" خلال الخمسينيات.
ومن خلال إنجرليك ومنشآت أخرى، تشكل على الأراضي التركية حضور عسكري أمريكي جمع بين الدفاع المشترك ومهمات تتفق عليها واشنطن وأنقرة عبر قنوات منفصلة. منح الموقع تركيا مكانة متقدمة داخل الاستراتيجية الغربية، لكنه جعل حدود سيادتها على بعض أوجه الاستخدام العسكري موضوعا دائما للتفاوض، ولا سيَّما عندما تتباين حسابات البلدين.
بلغ الاندماج مستوى الردع النووي في مطلع الستينيات، حين نشرت الولايات المتحدة 15 صاروخا باليستيا متوسط المدى من طراز "جوبيتر" في غرب تركيا، وشارك عسكريون أتراك في تشغيل المنظومة، بينما بقيت الرؤوس النووية تحت الحراسة والسيطرة الأمريكيتين. وضعت الصواريخ الأراضي التركية داخل حسابات الضربة النووية المتبادلة، ومنحت أنقرة دليلا ماديا على ارتباط دفاعها بالقوة الأمريكية، لكنها جعلتها أيضا هدفا متقدما في أي مواجهة مع الاتحاد السوفياتي.
كانت صواريخ "جوبيتر" بطيئة الإعداد وضعيفة أمام ضربة استباقية، وبدأت واشنطن تفكر في سحبها قبل أن تبلغ المواجهة النووية حول كوبا ذروتها. وخلال أزمة أكتوبر/تشرين الأول 1962، جعل الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف الصواريخ الموجودة في تركيا جزءا من مساومته مع الرئيس الأمريكي جون كينيدي بشأن الصواريخ السوفياتية في كوبا، ورفضت الإدارة الأمريكية إدخالها في الاتفاق العلني، لكنها تعهدت لموسكو سرا بإخراجها خلال أشهر.
"سلطت الأزمة القبرصية الضوء على التعارض المحتمل بين المصالح المباشرة لتركيا وبين عضويتها في حلف الناتو"
قدمت واشنطن الأمر إلى أنقرة بوصفه تحديثا للردع واستبدالا لمنظومة فقدت قيمتها العسكرية، ونُقلت الصواريخ بالفعل في ربيع 1963. وبعد عام واحد، نقلت قبرص هذا التفاوت من مستوى الردع النووي العالمي إلى أزمة تقع على مسافة قصيرة من الساحل التركي. فقد أقامت اتفاقات زيورخ ولندن جمهورية قبرص عام 1960 على شراكة دستورية بين القبارصة اليونانيين والأتراك، ومنحت تركيا واليونان وبريطانيا صفة الدول الضامنة للنظام الجديد. ولكن مع تعثر تقاسم السلطة، اقترح الرئيس القبرصي مكاريوس تعديلات رأت فيها القيادة القبرصية التركية تقليصا لحقوق جماعتها، ثم اندلعت مواجهات دامية في ديسمبر/كانون الأول 1963.
وصلت قوة تابعة للأمم المتحدة إلى الجزيرة، لكن التجمعات القبرصية التركية بقيت موزعة في مناطق تعرض بعضها للحصار والتهديد. ولذا بدأت تركيا إعداد خيار عسكري، مستندة إلى ما عدَّته حقوقا منحتها معاهدة الضمان لتركيا. غير أن التدخل كان يهدد بمواجهة مع اليونان، العضو الآخر في الحلف، ويفتح احتمال تدخل سوفياتي في أزمة تقع خارج التصور الأصلي الذي بُنيت عليه خطط الناتو. وهنا أسهمت رسالة جونسون في وقف التحرك التركي. وقد ردَّ إينونو بعد أيام معترضا على لهجة الرسالة، وعلى ربط الحماية الأطلسية بموافقة الحلفاء على القرار التركي، ثم توجه إلى واشنطن في 21 يونيو/حزيران 1964 للتفاوض مع جونسون.
حاولت واشنطن والقيادات الأطلسية منع انهيار الجناح الجنوبي بسبب صدام تركي يوناني، بينما رأت أنقرة أن حماية القبارصة الأتراك ومسؤوليتها بوصفها دولة ضامنة تتصلان بأمنها المباشر. ورُغم أن الأزمة خفتت لعقد كامل، فإنها انفجرت مجددا في 15 يوليو/تموز 1974، عندما أطاح انقلاب رعته القيادة العسكرية الحاكمة في أثينا بالرئيس القبرصي مكاريوس، ونصَّب نيكوس سامبسون، المرتبط بمشروع ضم الجزيرة إلى اليونان. وحينها تشاورت أنقرة مع بريطانيا، الدولة الضامنة الثالثة، وسعت إلى تحرك مشترك لم يتحقق.
في 20 يوليو/تموز ، أنزلت تركيا قواتها في شمال قبرص، مستندة إلى تفسيرها لحق التدخل الوارد في معاهدة الضمان. وأعقبت العملية جولة عسكرية ثانية في أغسطس/آب، بعد تعثر المفاوضات في جنيف، وانتهت بسيطرة القوات التركية على نحو 37% من الجزيرة وانقسامها الفعلي إلى شمال وجنوب. كل ذلك بينما ركز الناتو على منع انتقال القتال إلى حرب بين تركيا واليونان تهدم خططه في جنوب شرقي أوروبا.
وفي أغسطس/آب 1974، سحبت حكومة رئيس الوزراء اليوناني قسطنطين كرامنليس قوات بلادها من البنية العسكرية المتكاملة للناتو، مع إبقاء اليونان عضوا سياسيا، فأحدث القرار فجوة في التخطيط والقيادة في بحر إيجة، وجعل عودة أثينا لاحقا إلى الهيكل العسكري مسألة تحتاج إلى موافقة أنقرة.
جاءت العواقب العملية لتركيا من الكونغرس الأمريكي، لا من الحلف، إذ رأى المشرعون أن القوات التركية استخدمت أسلحة أمريكية في عملية لم تحصل على الموافقة التي تشترطها اتفاقات المساعدة العسكرية. ودخل حظر المساعدات والمبيعات العسكرية على أنقرة حيز التنفيذ في 5 فبراير/شباط 1975، رغم اعتراض إدارة الرئيس جيرالد فورد التي رأت أن القرار يضعف قدرة بلد عضو في الناتو ويضر المصالح الأمريكية في المنطقة.
"فرضت أمريكا حظرا على توريد السلاح إلى تركيا عقب تدخلها في قبرص، وردت أنقرة بتعليق التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة"
من جانبها، ردَّت الحكومة التركية وعلقت في صيف عام 1975 العمل باتفاق التعاون الدفاعي الموقعة مع الولايات المتحدة عام 1969، ووضعت المنشآت الأمريكية على أراضيها تحت سيطرة تركية مباشرة، وأوقفت أنشطة ثنائية متعددة. واستثنت المهمات المرتبطة مباشرة بالناتو، فاستمرت في الوفاء بالتزاماتها داخل الحلف والاستفادة من ضمانته أمام الاتحاد السوفياتي.
عزز الحظر الأمريكي اتجاه تركيا نحو بناء قدرات عسكرية محلية. وكانت شركة الصناعات الجوية التركية قد تأسست عام 1973 قبل أزمة قبرص، ثم أُنشئت شركة "أسيلسان" عام 1975 لتطوير أجهزة الاتصال والإلكترونيات العسكرية. ويمكن القول إن تجربة انقطاع الإمدادات دفعت الحكومات والقوات المسلحة إلى توسيع التمويل المؤسسي وحملات دعم التصنيع الوطني، وجعلت تقليل الاعتماد على مورد واحد جزءا ثابتا من التفكير الأمني التركي.
رفع الكونغرس الأمريكي الحظر في سبتمبر/أيلول 1978، واستؤنفت الأنشطة العسكرية تدريجيا. وفي مارس/آذار 1980، وقعت تركيا والولايات المتحدة اتفاق الدفاع والتعاون الاقتصادي، الذي أعاد تنظيم استخدام المنشآت والمساعدات العسكرية ضمن إطار جديد، ومنح أنقرة رقابة أوضح على الأنشطة القائمة فوق أراضيها. عادت العلاقة إلى العمل بشروط أعيد التفاوض عليها، لا سيَّما في أعقاب الغزو السوفياتي لأفغانستان والثورة الإيرانية، وهما حدثان جدَّدا حاجة الغرب إلى الدور التركي، ولكن من دون أن تختفي ذاكرة رسالة جونسون والحظر في أنقرة.
"مع انتهاء الحرب الباردة، أصبح على الطرفين أن يبحثا عن وظيفة جديدة لعلاقة أثبتت أنها أعمق من أن تنهار، وأكثر تباينا من أن تعمل بالثقة وحدها"
عندما تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991، كانت 4 عقود من العضوية في الناتو قد أعادت تنظيم الجيش التركي وربطت دفاع البلاد بقيادات واتصالات وخطط مشتركة، ومنحتها قدرة ردع يصعب توفيرها منفردة. وتركت العقود نفسها اعتمادا تقنيا ثقيلا، وخبرة في إمكان تقييد السلاح، وخصومة تركية يونانية داخل مؤسسات الحلف، ووعيا بأن أزمات الجوار لا تدخل تلقائيا في تعريف واحد للأمن. كانت أنقرة قد تعلمت أن المظلة تحميها ضمن شروطها، وأن عضويتها تمنحها في المقابل أدوات للتفاوض داخل المؤسسة. ومع انتهاء الحرب الباردة، أصبح على الطرفين أن يبحثا عن وظيفة جديدة لعلاقة أثبتت الأزمات أنها أعمق من أن تنهار، وأكثر تباينا من أن تعمل بالثقة وحدها.
في مساء السبت 1 مارس/آذار 2003، عاد رئيس مجلس الأمة التركي الكبير، إلى الجلسة العلنية في أنقرة بعد مناقشات مغلقة استمرت ساعات. كان النقاش محتدما حول مقترح بتفويض لمدة 6 أشهر يسمح بوجود قوات أجنبية على الأراضي التركية إبان الغزو الأمريكي للعراق. شارك 533 نائبا في الاقتراع، فأيد المذكرة 264، ورفضها 250، وامتنع 19. تقدم المؤيدون عددا، لكنهم لم يبلغوا الأغلبية المطلقة للحاضرين، وهي 267 صوتا، فسقط التفويض.
أرادت واشنطن استخدام الموانئ والمطارات والطرق التركية لإدخال عشرات الآلاف من الجنود إلى شمال العراق. وقد اجتمع داخل قاعة البرلمان التركي رفض شعبي واسع للحرب مع مخاوف من تفكك العراق، وتدفق موجة جديدة من اللاجئين، وقيام كيان كردي مستقل بمحاذاة الحدود التركية.
فصل التصويت بين مسارين تعاملت واشنطن معهما بوصفهما متداخلين. كان غزو العراق عملية أمريكية تشارك فيها مجموعة من الدول، ولم يكن مهمة صادرة عن حلف شمال الأطلسي. ورغم ذلك، فقد استدعت أنقرة المادة الرابعة من معاهدة الحلف، التي تتيح التشاور عندما ترى دولة عضو أن أمنها مهدد، وطلبت حماية من التداعيات المحتملة للحرب. استجاب الناتو بنشر طائرات للإنذار المبكر وبطاريات للدفاع الصاروخي وتجهيزات للحماية من الأسلحة الكيميائية والبيولوجية.
رغم ذلك، رفض البرلمان أن تصبح تركيا ممرا للهجوم. لم يكن الرفض إعلانا عن ابتعاد تركيا عن الغرب، بقدر ما كان تأكيدا أن عضوية الحلف لا تمنح واشنطن حقا تلقائيا في استخدام الأرض التركية لحرب تختلف أنقرة في تقدير نتائجها.
"كان رفض تركيا المشاركة في حرب العراق تأكيدا أن عضوية الحلف لا تمنح واشنطن حقا تلقائيا في استخدام الأراضي التركية لحرب تختلف أنقرة في تقدير نتائجها"
وصلت العلاقة إلى هذه المفارقة بعد أكثر من عقد من البحث عن وظيفة جديدة للعضوية عقب انهيار الاتحاد السوفياتي. ففي أثناء حرب الخليج عام 1990، نشر الناتو طائرات إنذار مبكر ومنظومات دفاعية لحماية جنوب شرقي تركيا، بينما جرت الطلعات اللاحقة من قاعدة إنجرليك وعمليات مراقبة مناطق حظر الطيران ضمن ترتيبات قادتها الولايات المتحدة خارج القيادة الأطلسية.
لاحقا، شاركت تركيا في المهمات التي قادها الناتو في البوسنة والهرسك وكوسوفو، ثم تولت في يونيو/حزيران 2002 قيادة القوة الدولية للمساعدة الأمنية في كابل. وركز دورها في أفغانستان على تأمين العاصمة والتدريب وإدارة المطار، مع قيود على المشاركة المباشرة في القتال. وأظهرت هذه المهمات استعداد أنقرة للعمل خارج حدودها حين تستند العملية إلى تفويض دولي وقيادة متعددة الأطراف، وهو ما منح تصويت 1 مارس/آذار معنى يتجاوز العراق. فقد بدأت تركيا تميز بين ما تطلبه واشنطن ثنائيا، وما يقرره الحلف جماعيا، وما تستطيع تحمله في محيطها.
دفعت الحرب السورية هذا التمييز إلى مستوى أشد. بعد مقتل 5 مدنيين أتراك بقذائف سقطت على بلدة أقجة قلعة في أكتوبر/تشرين الأول 2012، طلبت أنقرة مشاورات بموجب المادة الرابعة لتعزيز لدفاعها الجوي. ولذا نشر الحلف 6 بطاريات من منظومة "باتريوت" قدمتها الولايات المتحدة وألمانيا وهولندا لحماية الأراضي التركية من الصواريخ الآتية من سوريا، من دون أن تتحول المهمة إلى منطقة حظر جوي أو تدخل يحقق الأهداف السياسية التركية داخل الحرب.
"بدأت تركيا تميز بين ما تطلبه واشنطن ثنائيا، وما يقرره الحلف جماعيا، وما تستطيع تحمله في محيطها"
اتسعت المسافة عندما اختارت الولايات المتحدة وحدات حماية الشعب الكردية، ثم قوات سوريا الديمقراطية التي تشكل الوحدات عمودها العسكري، شريكا بريا في قتال تنظيم الدولة الإسلامية. صدر القرار عن واشنطن والتحالف الدولي، لا عن الناتو، لكن الفصل المؤسسي لم يبدد أثره السياسي. فقد سلَّحت الدولة الأقوى في الحلف قوة تعدها أنقرة امتدادا لحزب العمال الكردستاني.
وقد ازدادت حساسية الموقف في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، حين أسقطت مقاتلة تركية طائرة روسية من طراز "سوخوي-24" قرب الحدود السورية. وقالت أنقرة إن الطائرة اخترقت مجالها الجوي، ونفت موسكو ذلك، ثم أعلن مجلس شمال الأطلسي تضامنه مع تركيا ودعا إلى التهدئة، لكن الأزمة لم تصل إلى تفعيل المادة الخامسة، وتحملت أنقرة العقوبات الروسية وحيدة قبل أن تعيد فتح قنواتها مع موسكو في صيف عام 2016. وأكدت تلك الحادثة أن الردع الأطلسي يوفر دعما عاما، لكنه لا يعفي تركيا من إدارة نتائج قراراتها الإقليمية أو التفاوض مباشرة مع القوى في الميدان.
فرض الوجود الروسي في سوريا هذا النوع من التفاوض. واحتاجت العمليات التركية عبر الحدود إلى تنسيق بشأن المجال الجوي وانتشار القوات، فانضمت أنقرة إلى روسيا وإيران في مسار أستانا، رغم استمرار الخلاف بين الطرفين بشأن النظام السوري وإدلب والقوى الكردية. وتكرر ترتيب قريب في القوقاز بعد حرب قره باغ عام 2020، حين عمل مركز تركي روسي مشترك لمراقبة وقف إطلاق النار. لم تصبح موسكو حليفا لتركيا، إذ استمر التنافس معها في سوريا وليبيا والقوقاز والبحر الأسود، لكن التنسيق معها صار أداة لإدارة جوار لا يملك الناتو حضورا عملياتيا مباشرا فيه، بل وأصبحت أولويات أنقرة وحلفائها فيه متباينة أكثر من ذي قبل.
"انتقل التوتر إلى قلب البنية العسكرية الغربية مع شراء أنقرة منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400"
انتقل التوتر إلى قلب البنية العسكرية الغربية مع شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية "إس-400". وكانت تركيا تبحث منذ سنوات عن نظام بعيد المدى، وتفاوضت مع موردين غربيين وغير غربيين بشأن السعر والتسليم ونقل التكنولوجيا، ثم وقعت اتفاقها مع موسكو عام 2017. وحين وصلت المكونات الأولى في يوليو/تموز 2019، قالت أنقرة إن الصفقة تسد حاجة تأخر حلفاؤها في تلبيتها.
في المقابل، رأت واشنطن أن النظام الروسي لا يمكن دمجه بأمان في شبكة الناتو، وأن تشغيله قرب مقاتلات "إف-35" قد يكشف معلومات عن قدراتها. أخرجت الولايات المتحدة تركيا من برنامج "إف-35″، ثم فرضت في ديسمبر/كانون الأول 2020 عقوبات على رئاسة الصناعات الدفاعية وعدد من مسؤوليها. حصلت أنقرة على منظومة خارج المعايير الأطلسية، وخسرت مقاتلة غربية متقدمة وحصة في سلسلة إنتاج دولية. لكنها رأت ذلك ثمنا مقبولا للحفاظ على استقلالية قراراتها.