اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
7 فوائد تجعل الفجل من أكثر الخضروات المفيدة للصحة البنك العربي يواصل تنفيذ جلسات توعية مالية للشباب بالتعاون مع مؤسسة ولي العهد بأول أيام العيد.. الأمن المصري يضبط سارق أحذية المصلين ليس سلوكاً عشوائياً .. لماذا نضحك بطريقة مختلفة؟ ضربة حظ .. أمريكي يحقق ثروة ضخمة بسبب تاريخ ميلاده فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية والدة محافظ إربد السابق رضوان العتوم في ذمة الله ‏مصادر للانباط.: واشنطن تدرس إعادة افتتاح سفارتها في سوريا قبل نهاية العام رئيس الديوان الملكي يرعى حفلاً بمناسبة ذكرى الاستقلال بلدية السلط الكبرى تعقم وتنظف مواقع بيع الأضاحي بعد إنتهاء عيد الأضحى المبارك باريس سان جيرمان يتوج بلقب أبطال أوروبا نور الذكاء الاصطناعي يضيء مستقبلنا المشترك حجاج بيت الله الحرام يواصلون رمي الجمرات في آخر أيام التشريق وسط منظومة تنظيمية متكاملة مندوبا عن الملك وولي العهد.. العيسوي يعزي عشيرة الشورة وزارة السياحة: استئناف رحلات الطيران منخفض التكاليف اعتبارا من 1 تموز مديرية الامن العام تسعف شخص عشريني متعرّضا للطعن بمنطقة الكتف الأيسر فجر اليوم 411,865 مسافراً عبر مطار الملكة علياء الدولي خلال شهر نيسان "إربد أكبر من أن تُدار كبلدية نحو أمانة تليق بمدينة المستقبل" فرقة شباب معان للتراث الشعبي تقيم احتفالاً وطنياً وفنياً بمناسبة عيد الاستقلال الثمانين للمملكة الأردنية الهاشمية من إطلاق الأقمار الصناعية إلى توليد الطاقة الكهروضوئية... التعاون الصيني المصري في المجالات الناشئة يتسارع

عمّان - ضجيج خارج الكهف

عمّان - ضجيج خارج الكهف
الأنباط -

سعيد الصالحي

ربما في عمّان، تلك المدينة التي تعلو طبقاتها فوق بعضها كما لو أنها تكتب تاريخها بالحجر لا بالحبر، ستجد موقعًا لم يُشيَّد ليخلّد قيصرًا، ولا ليروي نشوة نصرٍ عسكري. هنا، عند أهل الكهف، لا أقواس ظفرٍ ولا أعمدة تُمجّد الغلبة، بل كهفٌ صامت وبضعة قبور. كأن الذاكرة، في لحظة ما، قررت أن تختصر كل شيء في سؤال لا إجابة له.

هذا الكهف ليس مجرد أثرٍ جغرافي. هو نقطة تماس بين التاريخ والإنسان، بين الحكاية والذاكرة، بين ما يُقال وما يُصدَّق بصمت. هنا، تتراجع الجغرافيا قليلًا، ويظهر الإنسان كما هو، بلا زينة. حين يفرّ بقناعته، لا بسيفه، ولا حتى بقدرته على الشرح والإقناع.

حين تدخل الكهف، لا تستقبلك رهبة الموت كما تتوقع. هناك شيء أهدأ، أبسط، أقرب إلى سكينة ما قبل الأسئلة. كأنك لا تقف أمام قبور أصلًا، بل عند عتبة تجربة إنسانية نادرة. أن تغادر زمنك ثم تعود إليه، وتكتشف أنك لست الشخص نفسه، ولا الزمن نفسه.

ليست الحكاية في النوم الطويل. هذا الجزء يبدو سهلًا في السرد. الحكاية في الاستيقاظ. في مواجهة عالمٍ تحرّك كثيرًا بينما بقي ما في الداخل ثابتًا، أو ظنّ أنه ثابت. كحجرٍ في مجرى نهر، يظن أنه في مكانه، بينما الماء يغيّر كل شيء حوله دون أن يستأذنه.

جلستُ على العتبة. الحجر كان دافئًا أكثر مما ينبغي لمكان كهذا. كأنه احتفظ بشيء من حياة قديمة لم تكتمل مغادرتها. تخيّلت المكان قبل أن يصبح "أثرًا”. عيون ماء، أشجار لا تعتذر عن ظلّها، وأشخاص لا يعرفون أنهم سيصبحون حكاية لاحقًا. فقط كانوا يعيشون. وهذا ما استطاعوا إليه سبيلًا.

لم يكونوا أبطالًا كما تحب الكتب أن تصنع أبطالها. لم يكن هناك نصر، ولا معركة واضحة، ولا عدو يمكن الإشارة إليه بإصبع ثابت. كان هناك شيء أبسط وأقسى. قالوا "لا” في وجه عالم مكتمل الضجيج، ثم مضوا. أحيانًا تكون هذه الجملة وحدها كافية لتغيير مصير كامل، دون أن تحتاج إلى أي تزيين.

في هذا المعنى، يصبح الكهف أكثر من ملجأ. يصبح موقفًا. وربما هذا ما لا يُقال كثيرًا. ليس انسحابًا من العالم، بل اعتراضًا عليه بشكل لا يحتاج خطابات. ولهذا تحديدًا، لا تتعلق الحكاية بالنوم بقدر ما تتعلق بالزمن نفسه. ماذا يفعل الزمن بالحقيقة حين يمرّ عليها؟ هل يخففها؟ يشوّهها؟ أم يكشف أنها لم تكن ثابتة كما ظن أصحابها؟

عادوا—كما تقول الحكاية—ليجدوا مدينة تشبه ما حلموا به. وهذه جملة خطيرة أكثر مما تبدو. لأن التشابه لا يعني التطابق. ولا يعني الطمأنينة. أحيانًا يكون مجرد خدعة. الحقيقة التي تُكتشف في العزلة، لا تدخل بسهولة. هناك دائمًا شيء لا يُترجم. مسافة خفية بين ما يُعاش وما يُقال عنه لاحقًا.

لذلك بدا خروجهم من الكهف أقل يقينًا من دخولهم إليه. وهذا ليس تناقضًا. بل نتيجة طبيعية. كأن الرحلة الحقيقية لم تكن في النوم أصلًا، بل في العودة.

نهضتُ عن العتبة وغادرت الكهف، لكنني لم أغادره فعليًا. بقي في الخلف، ليس كمكان، بل كفكرة. هل نحتاج كهوفنا فعلًا؟ أم أننا فقط نحب أن نعتقد ذلك حين يزدحم الخارج أكثر مما نحتمل؟

في عمّان، المدينة التي تتسع لطبقات لا تنتهي من البشر والزمن، يهمس هذا الكهف بشيء لا يقول نفسه بصراحة: لا تمكثوا طويلًا داخل كهوفكم. ولا تظنوا أن الخارج عدو دائم. فالعالم، رغم كل ضجيجه، ليس بهذا الوضوح. والمدينة، مهما ضاقت، ما زالت تتسع لمن يحمل يقينه دون أن يحوّله إلى هروب.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير