اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
الأردنيون والحلم الذي لا يموت الذكاء الاصطناعي يفوز بقضية في محكمة إنجليزية 5 فحوصات أساسية للأشخاص فوق 35 عامًا بسبب المونديال .. وفاة طفل "منسي" داخل سيارة والده في مصر لحظات حرجة لركاب طائرة بعد ارتفاع حرارة المقصورة إلى 56 درجة مئوية وتعطل التكييف الصين تلغي تراخيص 8 شركات تعمل في صناعة السيارات عذراء شعيب تصدر قريباً رواية "حبر على حرير": قصة عشق تتمرد على تقاليد الأستانة مهرجان جرش ينطلق في 23 تموز المقبل إحباط تهريب هروين و 150 ألف حبة مخدرة .. والقبض على مرتبطين بعصابات إقليمية رئيس الديوان الملكي يرعى احتفال عشيرة الشرعة بالاعياد الوطنية القضاة: المشاريع الصناعية القائمة على الإنتاج المحلي تعزز الأمن الغذائي والنمو الاقتصادي محمد شاهين يكتب: ستاد عمّان أولى من المدرج الروماني انفراج في سوق الغاز العالمي مع اقتراب عودة الإمدادات القطرية انطلاق فعاليات مهرجان "كان ياما كان" بفرع مكتبة عبد الحميد شومان بالزرقاء غدا الخميس نتفليكس تتصدر عالميا في البث الترفيهي وسط منافسة متصاعدة من المنصات الآسيوية البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي: نحو مساءلة مناخية للشركات الرقمية هيئة الإعلام تعمم بتنظيم التصوير والبث المباشر أمام قاعات امتحانات الثانوية العامة الإحصاءات: نمو الصادرات الوطنية بنسبة 7.3% خلال الثلث الأول من عام 2026 ديوان المحاسبة يحاور الشباب في لقاء لمؤسسة ولي العهد بإربد ضمان القروض الأردنية تطلق برنامجي “الضمان من أجل التوظيف” و”ضمان التمويل الأخضر” لدعم الشركات وخلق فرص العمل وتعزيز الاستثمارات الخضراء

عمّان - ضجيج خارج الكهف

عمّان - ضجيج خارج الكهف
الأنباط -

سعيد الصالحي

ربما في عمّان، تلك المدينة التي تعلو طبقاتها فوق بعضها كما لو أنها تكتب تاريخها بالحجر لا بالحبر، ستجد موقعًا لم يُشيَّد ليخلّد قيصرًا، ولا ليروي نشوة نصرٍ عسكري. هنا، عند أهل الكهف، لا أقواس ظفرٍ ولا أعمدة تُمجّد الغلبة، بل كهفٌ صامت وبضعة قبور. كأن الذاكرة، في لحظة ما، قررت أن تختصر كل شيء في سؤال لا إجابة له.

هذا الكهف ليس مجرد أثرٍ جغرافي. هو نقطة تماس بين التاريخ والإنسان، بين الحكاية والذاكرة، بين ما يُقال وما يُصدَّق بصمت. هنا، تتراجع الجغرافيا قليلًا، ويظهر الإنسان كما هو، بلا زينة. حين يفرّ بقناعته، لا بسيفه، ولا حتى بقدرته على الشرح والإقناع.

حين تدخل الكهف، لا تستقبلك رهبة الموت كما تتوقع. هناك شيء أهدأ، أبسط، أقرب إلى سكينة ما قبل الأسئلة. كأنك لا تقف أمام قبور أصلًا، بل عند عتبة تجربة إنسانية نادرة. أن تغادر زمنك ثم تعود إليه، وتكتشف أنك لست الشخص نفسه، ولا الزمن نفسه.

ليست الحكاية في النوم الطويل. هذا الجزء يبدو سهلًا في السرد. الحكاية في الاستيقاظ. في مواجهة عالمٍ تحرّك كثيرًا بينما بقي ما في الداخل ثابتًا، أو ظنّ أنه ثابت. كحجرٍ في مجرى نهر، يظن أنه في مكانه، بينما الماء يغيّر كل شيء حوله دون أن يستأذنه.

جلستُ على العتبة. الحجر كان دافئًا أكثر مما ينبغي لمكان كهذا. كأنه احتفظ بشيء من حياة قديمة لم تكتمل مغادرتها. تخيّلت المكان قبل أن يصبح "أثرًا”. عيون ماء، أشجار لا تعتذر عن ظلّها، وأشخاص لا يعرفون أنهم سيصبحون حكاية لاحقًا. فقط كانوا يعيشون. وهذا ما استطاعوا إليه سبيلًا.

لم يكونوا أبطالًا كما تحب الكتب أن تصنع أبطالها. لم يكن هناك نصر، ولا معركة واضحة، ولا عدو يمكن الإشارة إليه بإصبع ثابت. كان هناك شيء أبسط وأقسى. قالوا "لا” في وجه عالم مكتمل الضجيج، ثم مضوا. أحيانًا تكون هذه الجملة وحدها كافية لتغيير مصير كامل، دون أن تحتاج إلى أي تزيين.

في هذا المعنى، يصبح الكهف أكثر من ملجأ. يصبح موقفًا. وربما هذا ما لا يُقال كثيرًا. ليس انسحابًا من العالم، بل اعتراضًا عليه بشكل لا يحتاج خطابات. ولهذا تحديدًا، لا تتعلق الحكاية بالنوم بقدر ما تتعلق بالزمن نفسه. ماذا يفعل الزمن بالحقيقة حين يمرّ عليها؟ هل يخففها؟ يشوّهها؟ أم يكشف أنها لم تكن ثابتة كما ظن أصحابها؟

عادوا—كما تقول الحكاية—ليجدوا مدينة تشبه ما حلموا به. وهذه جملة خطيرة أكثر مما تبدو. لأن التشابه لا يعني التطابق. ولا يعني الطمأنينة. أحيانًا يكون مجرد خدعة. الحقيقة التي تُكتشف في العزلة، لا تدخل بسهولة. هناك دائمًا شيء لا يُترجم. مسافة خفية بين ما يُعاش وما يُقال عنه لاحقًا.

لذلك بدا خروجهم من الكهف أقل يقينًا من دخولهم إليه. وهذا ليس تناقضًا. بل نتيجة طبيعية. كأن الرحلة الحقيقية لم تكن في النوم أصلًا، بل في العودة.

نهضتُ عن العتبة وغادرت الكهف، لكنني لم أغادره فعليًا. بقي في الخلف، ليس كمكان، بل كفكرة. هل نحتاج كهوفنا فعلًا؟ أم أننا فقط نحب أن نعتقد ذلك حين يزدحم الخارج أكثر مما نحتمل؟

في عمّان، المدينة التي تتسع لطبقات لا تنتهي من البشر والزمن، يهمس هذا الكهف بشيء لا يقول نفسه بصراحة: لا تمكثوا طويلًا داخل كهوفكم. ولا تظنوا أن الخارج عدو دائم. فالعالم، رغم كل ضجيجه، ليس بهذا الوضوح. والمدينة، مهما ضاقت، ما زالت تتسع لمن يحمل يقينه دون أن يحوّله إلى هروب.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير