الأنباط -
عمر كلاب
حالة وجوم مخلوطة بالرعب انتابت جموع المصلين في مسجدنا ، ذات جمعة، حين اعتلى الموقف شاب جهوري ، صاح بأعلى صوته ، تدعون للملك وتنسون مالك المُلك ، ثم علت نبرته اكثر وهي يصيح ، تكبير ، ويردد المصلون الله اكبر ، لثلاث مرات ، قبل ان يهتف في النهاية ، يعيش جلالة الملك ، ويغادر المسجد ، لم يتجاوز المشهد كله حاجز الدقيقتين ، لكنه كان كافيا لتلمح الرعب على وجوه المصلين ، فالتكبير بات علامة رعب وليس دلالة ايمان ، بعد موجة التطرف الداعشي المقيتة ، وبعد ان باتت عبارة الله اكبر ، متبوعة بصوت انفجار واشلاء ودماء ، حالة همس وانفكاك نفسي اعقبت صلاة الجمعة، لكن لحظة الرعب تلك وما تلاها من همس وحديث ، تحتاج الى مراجعة فكرية ومسلكية على جميع المستويات وفي كل المجالات ، فهل يعقل ان يكون هتاف الله اكبر موسوما بالارهاب والتطرف ؟ وهل باتت الجملة الاكثر ترديدا على السنة العُبّاد والزهاد والبسطاء ، كلمة السر المعلنة للارهاب والتطرف والاشلاء ؟
نحن على ابواب شهر فضيل، تعلو فيه القيم الدينية والانسانية، وهذه فرصة للجميع كي نراجع ذاتنا الوطنية والفردية،ففي طريق العودة كان الحوار ساخنا ، مع ابن عقلي الصديق عدي ، عن لحظة الرعب التي عشناها وعاشها المصلون ، وكيف ساد الوجوم على الجميع ، لحظة هتاف الشاب الله اكبر ، تكبير ، وردد المصلون الهتاف بارتجاف واضح ، وعن ضرورة اعادة الاعتبار الى قيمة الشعار الديني ودلالته الانسانية ، خاصة وان هذا الشعار او العبارة هي الجامعة لكل الاديان ، فالتوحيد يبدأ من تعظيم الخالق ، وجرى استلاب هذا الشعار وخطفه من تيارات التطرف وقبلها جرى احتكار الهتاف والشعار من قبل تيارات الاسلام السياسي بوصفه ماركة مسجلة باسمهم وبصمة دلالية لهم وحدهم دون غيرهم ، وسط اذعان برغبة من باقي التكوينات السياسية ، الذين ظلوا على خجل يحسدون تيارات الاسلام السياسي على شعارهم الجامع والجاذب للبسطاء الذين اعتادوا على استخدام الشعار لغايات الاستنكار فقط ، فجملة الله اكبر تتردد على السنتهم لاستنكار الاسعار المرتفعة او الجريمة المروعة او كل شأن هجين ومستهجن ، فكيف تتساوى المسألة وكيف يستخدم الجلاد والضحية نفس الشعار ؟
لا نتفق حتى اللحظة على تراتبية الاصلاح ، وعلى اولوية الجزء الواجب البدء به ، فالواضح اننا بحاجة الى الاصلاح الواجب في كل المسارات ودفعة واحدة دون ابطاء ، ومن خلال كل متخصص وتخصص ، على ان نتفق على ثيمة الاصلاح اساسا ، وهو دولة مدنية تحفظ كرامة المواطن وتتعامل بعدالة معه في كل المناحي وترفع من مشاركته في صياغة واقعه ومستقبله ، فيبدأ الجميع بالعمل ، علماء الدين مع علماء الاقتصاد وعلماء السياسة ، خلية نحل يجب ان تنطلق بوعي وارادة شاملة ، بأننا وصلنا الى ارذل السلم ، فالمجتمع محتقن ، والاوضاع تزداد سوءا ، والاستسقاء الوطني لغيث العدالة والنزاهة والاصلاح باهمية الاستسقاء الديني للمطر ، الذي اكرمنا الله به هذا العام، بل ربما يكون الاستسقاء الوطني اسبق ، فانحسار المطر نتيجة وليس سببا ، وعلينا معالجة الاسباب اولا ، اسباب غياب الرحمة وغياب العدالة وغياب المكاشفة وغيابات كثيرة لا مجال لذكرها ، وبعد ذلك سيأتي المطر ، فهذا وعد ربّاني ، " قلت استغفروا ربكم انه كان غفارا ، ينزل السماء عليكم مدرارا " .
والاستغفار اعتراف بالذنب والوعد القاطع بعدم الرجوع اليه ، ونحن ذنوب تمشي على الارض ، ذنوب بحق انفسنا وبلدنا واقتصادنا وانتخاباتنا ، مما يستوجب الاستسقاء الوطني العام ، وبعدها سينزل المطر مدرارا ، مطر اقتصادي وسياسي واجتماعي وثقافي ، مطر العدالة الذي يروي العقول والقلوب معا ، فالرعب الساكن فينا من اكثر شعار تردده السنتنا ، يجب ان يجعلنا نقف طويلا امام انفسنا ، فليس معقولا ان تُحدث جملة قصيرة كل هذا الرعب في بيت الله ، اول بيوت الامان والامن .