الأنباط -
في أمسية فكرية استثنائية استضافها (منتدى العصرية) مساء الأربعاء، افتتح الأستاذ الدكتور أسعد عبد الرحمن، رئيس هيئة المديرين ورئيس (المنتدى)، اللقاء بكلمة ترحيبية جمعت نخبة من الشخصيات الثقافية والأكاديمية والإعلامية والسياسية، في مشهد يعكس عمق الاهتمام بمستقبل الأجيال في زمن التحولات الكبرى.
أكد عبد الرحمن أن بناء الأجيال ليس قضية تعليمية أو اجتماعية هامشية، بل هو مسألة حضارية بامتياز، ترتبط بهوية المجتمع ومستقبله، وتتقاطع مع أسئلة الوجود والانتماء والاستمرار. وشدد على أن (المنتدى) يسعى منذ تأسيسه إلى أن يكون منصة للحوار العميق الذي يتجاوز التنظير إلى الممارسة، محوّلاً الأفكار إلى أدوات عملية قادرة على مواجهة التحديات الراهنة. ثم قدّم الدكتور عبد الرحمن ضيف الأمسية، معالي الأستاذ الدكتور صبري ربيحات، مشيراً اليه بعبارات "الباحث المتميز في علم الاجتماع، بوصفه مرجعًا أكاديميًا وميدانيًا جمع بين البحث العلمي الرصين والفهم العميق للواقع الاجتماعي، وعالج في أبحاثه قضايا الشباب والسلطة والتنمية السياسية والثقافية، ليطلِق منه رؤيته الشاملة في محاضرة حملت عنوان: "كيف تبنى الأجيال في مواجهة تحديات عصر ما بعد الحداثة؟".
استهل معالي د. ربيحات محاضرته باقتراب نظري من تاريخ الأفكار، متتبّعًا التحولات الكبرى في الفكر الإنساني: من الأسطورة إلى الدين، ثم إلى العقل، وصولًا إلى الحالة اللامعيارية التي تميز المجتمع المعاصر. وأكد أن العالم لم يعد محدودًا بالجغرافيا، بل تحوّل إلى شبكة متشابكة من التأثيرات تتدفق عبر التكنولوجيا ووسائل الاتصال، في حين أن هذا التقدم التقني المذهل لم يرافقه نضج إنساني وقيمي مماثل، ما أفرز حالة من القلق الوجودي والفوضى المعرفية التي تهدد قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقي والزائف، والجوهري والعابر.
ووقف ربيحات عند التمييز الدقيق بين «الفرد البيولوجي» و«الإنسان المتشكل اجتماعيًا»، موضحًا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإنجاب بذاته، بل في جودة إعداد الأجيال للحياة، عبر فهم عميق لطبيعة الإنسان وطبيعة العصر، وامتلاك أدوات التأثير التي تواكب التحولات من دون أن تفرغ القيم من محتواها. وخلص إلى أن تراجع الرغبة في الإنجاب ليس مجرد ظاهرة ديموغرافية قابلة للقياس الكمي، بل هو عرض مركب لأزمة أعمق تعبّر عن اهتزاز الثقة بالمستقبل، وتضع معنى الانتماء والاستمرار موضع مساءلة وجودية: لماذا ننجب إن كنا لا نستطيع أن نعد أبناءنا بمستقبل؟ لماذا ننجب إن كنا لا نملك سردية نرويها لهم تجعلهم يعتزون بأنهم من هذا المكان؟
من هنا، انتقل ربيحات إلى تحليل واقع الشباب الأردني، ولا سيما الفئة العمرية بين 21 و40 عامًا، الذين يعيشون ما وصفه بـ «حالة التعليق»: مرحلة انتظار طويلة بين شهادة التخرج وسوق العمل، بين وعد التعليم ووعود المستقبل. ورأى أن المشكلة لا تنحصر في البطالة كمؤشر اقتصادي، بل في تعطيل الطاقة الحقيقية للشباب؛ تلك الطاقة التي إذا لم تجد مسارات مشروعة للتعبير والإنتاج والبناء، قد تتحول إلى توتر مكبوت، أو انسحاب صامت، أو سلوك تخريبي يعيد إنتاج اليأس في حلقات مفرغة.
ولفت ربيحات إلى المفارقة الصارخة: الجامعات تتوسع، وأعداد الخريجين تتزايد، لكن الآثار التنموية لهذا التوسع على المجتمع تبقى محدودة، ما يشير إلى خلل بنيوي في العلاقة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، بل الأعمق من ذلك، في فلسفة التعليم ذاتها: هل نعلّم الشباب كيف يفكرون أم كيف ينجحون في الامتحانات؟ هل نعدّهم للحياة أم لوظيفة قد لا تأتي؟ هل نصنع إنسانًا قادرًا على مواجهة المجهول، أم نملأ عقوله بمعلومات سرعان ما يعفيها الزمن؟
ودعا ربيحات إلى برامج عملية تستثمر طاقات الشباب، تربط التعليم بالإنتاج، والمكان بالإنسان، والثقافة بالفعل. وأعاد التأكيد على أن غياب سردية وطنية جامعة، تشمل الشباب وتمنحهم إحساسًا حقيقيًا بالمشاركة والمصلحة المشتركة، يؤدي إلى تآكل الرابط الاجتماعي وضعف الانتماء. وهذه السردية، في تصوره، ليست خطابًا رسميًا يُلقى من فوق، بل هي حكاية جماعية تُكتب بقلم الجميع، تتسع للتنوع والاختلاف، وتعترف بتعددية الذاكرة الوطنية، وتعيد تعريف المواطنة بما يحقق التوازن بين الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية.
وشدد ربيحات على خصوصية اللحظة الراهنة: فما بعد الحداثة لا تعني فقط تحولات تقنية أو اقتصادية، بل تعني تفكك المعايير الكبرى التي كانت تمنح الحياة معناها، وصعود الفردية المفرطة على حساب الجماعة، وتراجع السلطة الأسرية كفضاء للتنشئة والتوجيه. في هذا السياق، تصبح إعادة بناء الانتماء مهمة وجودية، لا تقل خطورة عن تحديات الأمن والاقتصاد. وأكد أن الشباب بحاجة إلى أن يروا انعكاسًا لهويتهم في الخطاب العام، وأن يجدوا لأنفسهم مكانًا في السردية الوطنية، لا هامشيًا ولا تزيينيًا، بل محوريًا وفاعلًا.
امتدت المحاضرة نحو ساعة ونصف، تخلّلتها مداخلات ونقاشات حيوية من الحضور، أضفت على الأمسية أجواءً من التفاعل الفكري العميق. دارت الأسئلة حول دور الدولة في دعم الشباب، ومسؤولية الجامعات في إعادة تأهيل مناهجها، ودور الأسرة في زمن تراجع سلطتها، ومسؤولية النخب الثقافية في إنتاج خطاب وطني جامع لا يخاف من الاختلاف ولا يهرب من التعقيد. خرجت التوصيات من رحم الحوار لا من فوق منبر الخطاب الأحادي، واتفق المشاركون على أن مسؤولية «الجيل المعلق» مسؤولية مشتركة، لا يمكن إلقاؤها على كاهل مؤسسة واحدة، ولا اختزالها في ملف واحد.
وفي الختام، قدم الدكتور أسعد عبد الرحمن درع (المنتدى) التكريمي للأستاذ الدكتور صبري ربيحات، تقديرًا لإسهاماته الفكرية والعلمية، ولجهوده في إثراء الحوار المجتمعي حول قضايا الشباب والتحولات الثقافية والاجتماعية. وجدّد التأكيد على أن (منتدى العصرية) سيواصل فتح مساحات للحوار المستنير، ودعم الفكر المنتج الذي لا يكتفي بتشخيص الأزمات، بل يصنع الأجيال ويعيد بناء الإنسان في زمن التغير السريع. فـ «الجيل المعلق» ليس قدرًا.