البث المباشر
المومني: نظام تنظيم الإعلام الرقمي لم يمس حرية التعبير ولي العهد: لقاءات مثمرة في منتدى دافوس بنك الإسكان يوقع اتفاقية شراكة استراتيجية مع "نات هيلث" لإدارة خدمات التأمين الصحي لموظفيه الأرصاد الجوية: طقس بارد وتقلبات جوية خفيفة حتى نهاية الاسبوع غزّة كنموذج تجريبي لإدارة عالمية جديدة...هل وُلد نظام دولي بلا أمم متحدة؟ "الأونروا" بين مطرقة الضغط "الإسرائيلي" والأميركي وسنديان الحصار المالي جودي شاهين تفوز بلقب ذا فويس: أحلى صوت للموسم السادس ولي العهد يلتقي في دافوس رئيسة البنك الأوروبي للاستثمار ورؤساء تنفيذيين ومؤسسي شركات عالمية أوبن أيه آي العالمية تدرج الأردن ضمن مبادرة "التعليم من أجل الدول" الشاب انس ممدوح امين يوسف العوده ابو رمان في ذمة الله نجاح الشاب الأردني في الخارج شراكة استراتيجية تجمع زين كاش وجيني خبراء اقتصاديون أردنيون متفائلون بالاقتصاد الصيني مندوبا عن الملك وولي العهد.. العيسوي يعزي عشائر العمري والصرايرة والبستنجي وخريس والدلقموني الصلاحية قراءة سياسية في زمن التحولات الحاسمة. "الإدارة المحلية" توجّه البلديات لغرس 250 ألف شجرة بحملة التشجير والتخضير رئيس الوزراء يفتتح فندق كراون بلازا البترا اخوارشيدة : الأردن بوصلة السلام في عالم مضطرب… والملك مرجع العقل السياسي الرشيد في منطقة تعج بالتحديات حسان في جولة ميدانية بالبترا ويوجه بتفعيل البرامج والأنشطة النوعيَّة "المواصفات" تحصل على اعتمادية منح شهادة المنتج العضوي من الوكالة التركيّة

غزّة كنموذج تجريبي لإدارة عالمية جديدة...هل وُلد نظام دولي بلا أمم متحدة؟

غزّة كنموذج تجريبي لإدارة عالمية جديدةهل وُلد نظام دولي بلا أمم متحدة
الأنباط -

البرفسور عبد الله سرور الزعبي

مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تكن الأمم المتحدة مجرد منظمة دولية، بل التعبير المؤسسي عن حلمٍ إنساني كبير، ألّا تكون القوة وحدها هي من يكتب القانون، وألّا يُترك مصير الشعوب لميزان السلاح. على مدى عقود، شكّلت المنظمة مظلة أخلاقية وسياسية أُديرت تحتها أزمات كبرى، وعبرت من خلالها حروب باردة وساخنة، وانتقل العالم عبرها من الثنائية القطبية إلى الأحادية، ثم إلى مشهد دولي أكثر تعقيدًا وتشظيًا.

غير أن الزمن الذي صُمّم فيه هذا الكيان لم يعد هو الزمن الذي نعيشه اليوم. فالعالم الذي خرج من حرب عالمية باحثًا عن نظام، يعيش اليوم تفكك هذا النظام ذاته. وخلال العقدين الأخيرين، برزت بوضوح أزمة العجز البنيوي داخل الأمم المتحدة، قرارات تُتخذ ولا تُنفّذ، إدانات تُصدر بلا أثر، وميثاق أُنشئ لمنع العدوان وحماية المدنيين، لكنه يعجز عن وقف حرب أو فرض هدنة.

أما حق النقض (الفيتو)، الذي وُضع يومًا لضمان التوازن، فقد تحوّل إلى أداة تعطيل دائمة، تُجمَّد به القضايا الكبرى وتُدار عبره الصراعات بدل حلّها. وهكذا، تحولت المنظمة في كثير من الملفات إلى منصة خطابية أكثر منها أداة حكم دولي فعّالة. لم يعد العجز تقنيًا أو إجرائيًا، بل سياسيًا بامتياز، يعكس تفكك الإجماع الدولي وتراجع الإيمان بقدرة النظام القائم على ضبط الفوضى المتصاعدة.

لم تعد المشكلة في غياب القرارات، بل في غياب القدرة على تنفيذها. وهنا يطفو السؤال الأخطر، هل ما زالت الأمم المتحدة أداة لإدارة النظام العالمي، أم أصبحت شاهدًا على انهياره؟

جاءت حرب غزّة لتكشف هذا الخلل بأوضح صوره. لم تكن مجرد حرب في رقعة جغرافية محاصرة، بل زلزالًا سياسيًا وأخلاقيًا عالميًا. فشل مجلس الأمن في فرض وقف إطلاق النار، والانقسام الحاد داخل المجتمع الدولي، والعجز عن حماية المدنيين، والانقسام غير المسبوق بين معظم دول الغرب وبقية العالم، كلها مؤشرات على أن النظام الدولي دخل مرحلة اهتزاز عميق.

الأخطر أن تداعيات الحرب تجاوزت حدود فلسطين لتطال الاقتصاد العالمي، وسلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة، وترفع منسوب التوتر في البحر الأحمر وأوروبا وآسيا. بات واضحًا أن العالم دخل مرحلة "الترابط الانفجاري"، حيث يصبح نزاع محلي شرارة قادرة على إشعال منظومة عالمية كاملة. غزّة لم تكن حدثًا محليًا، بل اختبارًا في عالم شديد الترابط والهشاشة.

نحن اليوم أمام سيولة جيوسياسية غير مسبوقة. التحالفات لم تعد صلبة، والأعداء لم يعودوا واضحين، والقواعد لم تعد مستقرة. الولايات المتحدة ما زالت القوة الأكثر نفوذًا، لكنها لم تعد قادرة على فرض نظام شامل. الصين تتقدم اقتصاديًا وتكنولوجيًا، لكنها حذرة سياسيًا وتتجنب القيادة المباشرة. روسيا تُعطّل أكثر مما تقود. أما أوروبا، فهي عالقة بين الطموح والعجز.

في هذا المشهد، تتآكل المؤسسات القديمة، وتظهر أفكار جديدة لإدارة الأزمات خارج الأطر التقليدية. لم يعد السؤال الجوهري، هل الفكرة إنسانية؟ بل، هل نحن أمام نموذج جديد لإدارة العالم؟

من هنا تبرز فكرة إنشاء مجلس سلام لإدارة غزّة بعد وقف الحرب. ليس كهيئة إغاثية، ولا كوصاية تقليدية، بل كنموذج إدارة دولية مباشرة، يتجاوز تعقيدات الأمم المتحدة، ويعمل بآلية أسرع، وقرار أكثر مركزية، ومسؤولية تنفيذية واضحة.

السؤال هنا ليس إنسانيًا فقط، بل نظامي بامتياز، هل نحن أمام تجربة لإدارة الأزمات خارج منظومة الأمم المتحدة؟ وهل ما يجري في غزّة استثناء فرضته الكارثة، أم بداية نموذج جديد في زمن العجز المؤسسي الدولي؟

إذا نجحت تجربة مجلس السلام في غزّة، فإن انتقالها إلى الضفة الغربية لن يكون قفزة مفاجئة، بل سيعتبر امتدادًا منطقيًا لمسار تتشكل ملامحه منذ سنوات. فالضفة، في نظر صانع القرار الدولي، تمثل حالة أكثر تعقيدًا، سلطة قائمة لكنها منهكة، تنسيق أمني بلا أفق سياسي، اقتصاد هش، واحتقان شعبي. هذا الخليط يجعل فكرة الإدارة الدولية المؤقتة خيارًا مغريًا، يُسوَّق بوصفه حلًا تقنيًا لتجنب الانهيار، لا مشروعًا سياسيًا لحسم الصراع.

وإذا نجح المجلس في فرض الأمن، وإدارة إعادة الإعمار، وضبط الموارد، ومنع عودة الصراع، فإن الباب سيفتح أمام تعميم النموذج. عندها، لن تكون غزّة الحالة الأخيرة، بل الأولى. مناطق نزاع أخرى قد تُدار بالطريقة ذاتها، بقرارات فوق أممية، وبقيادة قوة أو تحالف محدد.

هنا يتحول السؤال من إنساني إلى استراتيجي خطير، هل يعني ذلك نهاية فعلية لدور الأمم المتحدة؟ أم بداية تآكلها التدريجي حتى تتحول إلى إطار شكلي؟ أم أننا سنسمع قريبًا عن إنهاء دورها بالكامل، كما توحي بعض التصريحات الأمريكية، وما قد يرافق ذلك من تقويض فعلي لفاعلية القرارات الأممية السابقة؟

بالنسبة للولايات المتحدة، ينسجم هذا النموذج مع تحول عميق في تفكيرها الاستراتيجي، الانتقال من حل النزاعات إلى إدارتها. فواشنطن لم تعد ترى إمكانية واقعية لتسوية نهائية شاملة في المدى المنظور، في ظل الاستقطاب الداخلي، والانشغال بالمواجهة مع الصين، والحرب في أوكرانيا. لذلك، يوفر نموذج مجلس السلام أداة أقل كلفة سياسيًا وعسكريًا، وأكثر قدرة على التحكم بالنتائج.

في هذا السياق، لا يكون الهدف إقامة دولة فلسطينية حسب اتفاقية اوسلو، بل منع الانفجار، وضمان أمن إسرائيل، والحفاظ على حد أدنى من الاستقرار الإقليمي، عبر إدارة مباشرة للملف الفلسطيني، بعيدًا عن مؤسسات الأمم المتحدة الثقيلة أو مسارات التفاوض طويلة الامد.

إسرائيل، المستفيد الأكبر من تعميم النموذج. فوجود مجلس سلام دولي في غزّة اليوم، وقد يكون لاحقاً في الضفة يعني عمليًا نزع عبء الإدارة المدنية عنها، وضبط الأمن بغطاء دولي، وتحييد فكرة الدولة الفلسطينيةً، ولو مؤقتًا وربما طويل الأمد. من منظورها، يُبقي هذا النموذج الأرض بلا سيادة حقيقية، ويحوّل القضية من صراع سياسي إلى ملف أمني وإداري، مع استمرار السيطرة غير المباشرة على المعابر والحدود. وهنا قد تصبح الإدارة الدولية أداة لإدامة الواقع، لا تغييره.

أما السلطة الفلسطينية، فهي الطرف الأكثر هشاشة في هذا السيناريو. تعميم النموذج يعني تآكل شرعيتها المتبقية، وسحب أدوات الحكم والتمويل من يدها، وتحويلها إلى كيان رمزي أو شريك ثانوي.

نجاح التجربة لن يُقرأ بالطريقة نفسها في بكين وموسكو وبروكسل. الصين ستتعامل معها ببراغماتية حذرة، وروسيا ستراها اختراقًا للشرعية الدولية التقليدية، لكنها قد تساوم عليها سياسيًا. أوروبا ستكون في المأزق الأكبر، بين دعم الاستقرار والخشية من تكريس قيادة أمريكية منفردة تتجاوز المؤسسات التي قامت أوروبا أصلًا على دعمها.

الا ان الصين وروسيا وأوروبا، ستنظر الى نجاح هذا النموذج، الى عودة القطب الواحد لا بالقوة العسكرية، بل عبر إدارة الأزمات. أي أن القرار العالمي لا يُفرض عبر الحرب، بل عبر من يدير السلام، ويحدد شروطه، ويملك أدوات إعادة البناء.

بعض الدول ستجد نفسها في موقع من يعارض النموذج علنًا ام بالصمت، باعتباره تكريسًا للهيمنة الأمريكية، لكنها في العمق قد تستثمر في نتائجه الجانبية. كما سيعمل البعض، على محاولة إبقاء النموذج ناقصًا، او قابلًا للاختراق، ليظل الصراع ورقة ضغط تستخدم من البعض.

في قلب هذا المشهد المعقد، يبرز الدور الأردني، بقيادة الملك، بوصفه أحد أكثر الأدوار توازنًا ووضوحًا في الإقليم. فالأردن لا ينطلق من موقع المتفرج ولا من منطق ردّ الفعل، بل من معادلة استراتيجية ثابتة، حماية المصلحة الوطنية الأردنية، والعمل على قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وحماية الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، باعتبارها من الثوابت الملكية. هذا الموقف ليس شعارًا سياسيًا، بل قراءة عميقة للجغرافيا والتاريخ والأمن الوطني.

الأردن، سيعمل بهدوء في إعادة ضبط البوصلة الدولية، والتأكيد أن إدارة الصراع لا يمكن أن تكون بديلًا عن حله، وأن أمن الإقليم لا يُبنى على حلول مؤقتة تُرحّل الأزمات بدل إنهائها.

لذلك، يقود الملك سياسة تقوم على تثبيت حل الدولتين كخيار وحيد قابل للاستدامة. الأردن، بقيادته الهاشمية، يتحرك بهدوء الدولة العارفة بتوازنات القوة.

الأردنيون، يثقون بقيادتهم الهاشمية، صاحبة الحكمة، بانها قادرة على حماية المصالح الأردنية، والمحافظة على استقرار الدولة، وتحصينها استراتيجياً.

في النهاية، ليست مسألة "مجلس السلام لغزّة" سؤالًا عن القطاع وحده، بل عن شكل النظام الدولي القادم. هل نحن أمام انتقال من عالم تحكمه المؤسسات بشرعية القانون إلى شرعية الفاعلية؟ ومن الحلول السياسية إلى إدارة الأزمات الدائمة؟

غزّة قد تكون المختبر، ما يُجرَّب فيها اليوم، قد يُعمَّم غدًا في أماكن أخرى. فالعالم لا يبحث فقط عن وقف حرب، بل عن طريقة جديدة لإدارة الفوضى.

© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير