الأنباط -
المحامية هبه أبو وردة
استخدمت الإدارة الأمريكية، تصنيف جماعات الإخوان المسلمين كرافعة ضغط سياسية، ووسيلة لإعادة فرز الحلفاء والخصوم في الإقليم، والأهم ضبط المجال العام للحركات الإسلامية التي تعد في العقل الاستراتيجي الأمريكي "خزان تعبئة مستقلا يصعب تطويعه"، من هنا لا يعيد القرار تعريف الإرهاب بقدر ما يعيد تعريف الشرعية السياسية وحدود المقبول والمرفوض في المجال العام، مما ينقل الصراع من مستوى أمني إلى مستوى أعمق يتعلق بمن يملك حق التمثيل والتعبئة والشرعية.
الإشكال الجوهري في هذا المسار، يتمثل في تمييع الفروق بين العمل السياسي والعنف، إذ جرى تعميم توصيف واحد على كيانات مختلفة جذريا في البنية والسلوك والمسار، حيث وضِعت فروع تعمل ضمن أطر قانونية وبرلمانية، إلى جانب تنظيمات متورطة بالعنف، في سلة واحدة، يربك مفاهيم القانون الدولي ويقوض مبدأ التناسب، كما يؤسس لسابقة خطرة تقوم على تجريم الفعل السياسي لمجرد مرجعيته الفكرية لا لطبيعته العملية أو خطورته الفعلية.
هذا التعميم يضرب أحد أعمدة العدالة الدولية، وهو مبدأ التناسب الذي يفترض تطابق الإجراء مع طبيعة الفعل وحدته؛ فحين يُسوّى بين العنف المنظم والنشاط السياسي المختلف أو المخالفة التنظيمية، يُختزل القانون إلى أداة شمولية لا تميّز بين درجات الخطر، وتفقد العقوبة معناها القانوني لتتحول إلى إجراء سياسي مموه بلغة أمنية، وعند هذه النقطة يظهر الهدف في إعادة رسم المجال السياسي وفق معايير القوة لا معايير العدالة.
لا يقف الخلل عند حدود التناسب؛ فهو يمتد ليهز مبدأ الشرعية ذاته، ذ يُستبدل التقييم القضائي الفردي بتوصيف جماعي، وتلغى المسؤولية الشخصية لصالح الوصم الجمعي، في تعارض صريح مع جوهر العدالة التي تقوم على تفريد الإدانة وربطها بالفعل لا بالهوية أو الانتماء، بذلك يتم إرباك القرار المنظومة القانونية الدولية ويُضعف قدرتها على التمييز بين الجريمة والخلاف، وبين التهديد الأمني والصراع السياسي.
عند إسقاط هذا النهج على السياقات الوطنية، تتجلى المفارقات بوضوح. في الأردن، حيث تشكل الحركة الإسلامية جزءا من النسيج السياسي التاريخي، وإدراجها تحت توصيف إرهابي خارجي يضع الدولة أمام معادلة حساسة بين سيادتها التشريعية ومتطلبات التحالفات الدولية، بما يهدد الاستقرار المؤسسي أكثر مما يعززه، بالإنتقال إلى لبنان، حيث يتداخل السياسي بالأمني والطائفي، لا يعالج التصنيف جذور الأزمة، بقدر ما يعيد ترتيب أوراق النفوذ داخل دولة مأزومة أصلا، أما مصر، فقد جاء القرار متناغما مع سردية السلطة القائمة بعد 2013، مانحا غطاء دوليا لخيار الإقصاء الكامل، لكنه في المقابل أغلق مسارات الدمج وأطال أمد الاستقطاب المجتمعي.
وعلى المستوى الاستراتيجي، تبرز نتائج معاكسة للهدف المعلن؛ فبدل تجفيف منابع التطرف، يدفع هذا النهج التيارات المنظمة إلى الهامش، حيث تضعف أدوات الضبط والمساءلة، ويُفتح المجال أمام التيارات الأكثر راديكالية، والتجارب المقارنة تظهر أن الإقصاء الشامل غالبا ما ينتج تطرفا، وأن تجفيف السياسة لا يؤدي بالضرورة إلى تجفيف العنف، من هنا يبدو التصنيف بصيغته هذه قرارا سياسيا بامتياز، يحمل مخاطر قانونية واستراتيجية على الدول المعنية، ويختزل مشهدا مركبا في عنوان واحد.
المعالجة الأجدى لا تكون بتوسيع لوائح "الإرهاب"، إنما بالتفريق الدقيق بين العنف والعمل السياسي، وبناء مسارات دمج ومساءلة وطنية تحفظ الأمن دون كسر التوازن المجتمعي أو انتهاك السيادة القانونية؛ فالقوة الحقيقية للدولة تقاس بقدرتها على تنظيم الخلاف داخل إطار القانون.
في هذا السياق، يرى خصوم جماعات الإخوان المسلمين في القرار مكسبا وطنيا وانتصارا سياسيا طال انتظاره، في حقيقة الأمر هذا الشعور مفهوم في ظل صراع طويل ومشحون، لكنه يبقى قراءة ناقصة للمشهد؛ فالفارق الجوهري ليس بين هزيمة تنظيم أو بقائه، بقدر ما هو بين كسر تنظيم وكسر القاعدة التي تحكم الجميع؛ فحين تُستساغ أدوات الاستثناء اليوم بحق من نختلف معه، تصبح غدا متاحة بحق أي صوت خارج المزاج السائد.
الأردن على خلاف هذا المنطق، لا يتجه إلى تحويل الخلاف السياسي إلى سابقة أمنية، ولا يدير الدولة بمنطق الإقصاء، وهنا تتجلى الحكمة الوطنية في حماية الإطار العام بعيدا عن التشفي الداخلي، لذلك دأب الأردن على إدارة الخلافات السياسية بطريقة تبقيها خارج القوائم والاتهامات الفضفاضة، وتحتكم إلى القانون بوصفه المرجع الأعلى، ومن هذا المنطلق، لجأ إلى توصيف جماعات الإخوان المسلمين باعتبارها غير قانونية، بوصفها مسألة تنظيمية تُعالج بأدوات التشريع والقضاء، لا بوصفها قضية أمنية عابرة للحدود.
هذا الخيار لم يكن تلطيفا للموقف، إنما تثبيت لمبدأ جوهري مفاده أن الدولة القوية هي التي تنظّم السياسة ولا تؤمنها إلى ما لا نهاية، وأن حفظ الاستقرار يبدأ من إبقاء الخلاف داخل ساحة القانون لا إخراجه إلى فضاء الاتهام المطلق، ومنذ أشهر عتبر الأردن الجماعة تنظيما غير قانوني لغايات تنظيم المجال العام وبناء مسارات مساءلة وطنية، مع التفريق الواضح بينها وبين الأطر الحزبية المرخّصة التي تمارس العمل السياسي وفق التشريعات النافذة.
هنا يكمن بيت القصيد، حيث الفارق الجوهري بين عدم المشروعية القانونية داخليا، والتصنيف الإرهابي خارجية؛ فالقرار الأردني كان حسما سياديا إداريا قضائيا، لم يحمل توصيفا جزائيا من نوع الإرهاب، ولم يجرم الفكر، ولم يساوِ بين العمل السياسي والعنف، ولم يدرج الجماعة ضمن قانون منع الإرهاب، وهذا يختلف جذريا عن منطق التصنيف الذي طُرح في عهد دونالد ترامب، والذي يقوم على وصم أمني عابر للحدود، يترتب عليه تجريم التمويل والتواصل، وإدراج الأفراد على قوائم دولية، وفتح الباب أمام عقوبات وتتبعات خارج نطاق الاختصاص الوطني.
في هذا الإطار، لا يبدو أن ترامب، يعيد ترتيب الشرق الأوسط على مقاس لحظة أمريكية جديدة، حيث أن ما يجري هو ثلاث حركات متداخلة، أولها تصفية المجال الرمادية، فترامب يريد شرق أوسط بلا مناطق وسط؛ فإما سلطة دولة منضبطة أو خصم واضح، وتيارات العابرة للحدود، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، تمثل خطرا لأنها لا تخضع بالكامل للدولة، وتملك قدرة تعبئة مستقلة تتحرك خارج الإملاء الأمريكي المباشر، ثانيها إعادة تعريف الإرهاب سياسيا لا أمنيا، بحيث يُوسّع مفهوم التهديد ليشمل من ينافس الدولة على الشرعية، أو يمتلك خطابا تعبويًا طويل النفس، أو يستطيع الصعود عبر صناديق الاقتراع ثم التفاوض من موقع قوة، وهنا يصبح "الإرهاب" قدرة تنظيمية غير منضبطة أكثر مما هو فعل عنيف، ثالثها طمأنة الحلفاء وإعادة التموضع، حيث تتخلى واشنطن عن رهان إدماج الإسلام السياسي لصالح منطق الاستقرار الصلب، بما يعزز نفوذها التفاوضي ويقلص أي قوى قد تفاوضها من خارج الدولة.
اختيار هذا التوقيت ليس عشوائيا؛ ففي نظر ترامب مرحلة "الربيع العربي" قد إنتهت، فشل رهان الإسلام السياسي المعتدل، فشل رهان الإسلام السياسي المعتدل، وبذلك بدى أن منطق هذه المرحلة واضح، ما لا يمكن السيطرة عليه يُقصى ثم يُوصم ثم يجفف سياسيا، وبما أن حكمة الأردن قد فهمت هذه اللعبة مبكرا، فاختار التنظيم القانوني كي لا يُسحب إلى معركة ليست معركته، وهذا الفارق هو ما تحاول بعض القوى الخارجية كسره أو تجاوزه.
الخطوة الأردنية، تقرأ ضمن سياق إعادة ضبط المجال الحزبي بعد تحديث المنظومة السياسية، حيث بات العمل السياسي مشروطا بالدخول من بوابة الأحزاب المرخّصة وتحت الرقابة الدستورية، وهذا المسار لا يشبه منطق الإقصاء الشامل ولا منطق الأمننة، ولم يكن يوما تمهيدا لتصنيف إرهابي، إنما خيارا مقصودا لإبقاء المسألة في إطار قانوني إداري لا أمني، حفاظا على الاستقرار المجتمعي، ومنعا للتدويل أو الاستدراج إلى تصنيفات خارجية قد تربك الداخل، هنا يظهر الفرق الجوهري بين دولة تنظّم المجال السياسي، وقوة دولية تستخدم التصنيف كأداة صراع إقليمي.