الأنباط -
لينا جرادات
على الشريط الأزرق الممتد بطول شاطئ الحيرة، في مدينة الشارقة وعند طلائع فجر بحري جديد بينما لا تزال المدينة تُقلّب ساعات نومها الأخيرة، يسابق الأب الخمسيني سالم بعزم ابنه الصغير راشد على الدراجة، دون أن يلتفت خلفه، ليترك طفله بمواجهة تحدي الفوز بنفسه.
تابعتهما وأنا أُسابق نفسي نحو إتمام عشرة آلاف خطوة على الشريط المطاطي الأحمر الموازي، ليبدو المشهد للوهلة الأولى سباقًا عابرًا، يتقدم فيه كل فترة أحدهما على الآخر بجدّ وعزم.
راشد يدفع الدواسات بحماس وثقة طفل يرسم بها هدفه نحو نيل السباق، وسالم يسابق الزمن لتدريب ابنه على مواجهة التحدي دون محاباة.
لم تُسعفني المسافة الفارقة بيننا لالتقاط لحظة نهاية القصة، لكن النتيجة كانت عميقة.
في صباحات الشواطئ تولد القصص قبل أن تصحو المدن، وتنساب أولى خيوط الضوء لترسم خريطة يوم جديد وأمل متجدد.
وهنا على شاطئ الحيرة، الذي صار جزءًا من روتيني الصباحي، أطالع مع إيقاع البحر عشرات القصص اليومية التي تشكلها مشاهد ربما بدت متكررة …عدّاؤون يختبرون طاقتهم ونساء يفتحن يومهن بخطوات واثقة…إلى أطفال ينسجون علاقتهم الأولى مع البحر والرياضة..وسياح يجمدون المشاهد في صور تصبح جزءًا من ذاكرة المكان.
وبينما أشدّ الخطى في رحلتي الصباحية اليومية، أراقب العابرين، يتشكل أمام ناظري شيئًا فشيئًا مجتمع صغير من كل الجنسيات لا يعرفون بعضهم، لكنهم يشتركون في اتفاق غير معلن بأن يبدأوا يومهم بخفة الماء وصفاء الأفق، وأن يتركوا أثقالهم خلفهم عند أول موجة.
وعلى الجهة المقابلة، يكتمل المشهد بهدوء مدروس، فهناك المقهى الأدبي المطل بنوافذه على البحر، يحتضن من يقرأ، ومن يكتب، ومن يشحن طاقته الإيجابية بإمتاع ناظره بالمشاهد الشاطئية.
ويتناغم المشهد مع مطاعم ذات هندسة أنيقة، صُممت لتكون امتدادًا بصريًا للمكان، لتجمع الشارقة على هذا الشريط الساحلي بين الرياضة والثقافة والطبيعة في لوحة واحدة.
شاطئ الحيرة الذي رسم لوحته الأولى المغفور له بإذن الله الشيخ خالد بن سلطان القاسمي رحمه الله، أعاد للمدينة حوارها المفتوح مع البحر بعد ان احتضنت هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير «شروق» تلك الرؤية، لتحولها إلى مشروع متكامل صاغ المكان بروح جديدة، وجعل من الشاطئ مساحة نابضة بالحياة، ليتحول إلى واحد من أجمل الشواطئ.
المشروع الممتد على مسافة 3.5 كيلومترات حوّل المنطقة إلى وجهة جذب سياحية عائلية لما أتاحه من مساحة مكتملة للحياة، تضم ساحات عامة ومسارات للجري، وبقربها ممرات للدراجات الهوائية، مع مناطق للتنزه والجلوس، دون إغفال مساحات للفنون والرياضات المائية، إلى جانب مرافق خدمية متكاملة ومرسى للقوارب ومواقف للدراجات والمركبات.
وإلى جانب حزمة مزايا شاطئ الحيرة المتعددة وسحر المكان الخلاب، فقد تُوّج بالعلم الأزرق ليصبح رمزًا عالميًا للجودة البيئية والنظافة والسلامة، ودليلًا على أن الجمال هنا مسؤولية مستدامة.
وأنا أُكمل خطواتي الأخيرة على الشريط الأحمر، أستعيد مشهدي الأول ….سباق سالم وراشد الذي بدأ مع الفجر دون أن أعرف نهايته، لكن معناه ظل حاضرًا…. كونه يختصر دروس الحياة في أبٍ يعلّم ابنه كيف يواجه الطريق وحده، وكيف يثق بخطواته لبلوغ الهدف، وكيف يصنع مستقبله وهو يتقدم بثبات.
فكم من الحكايا والدروس يحتضنها شاطئ الحيرة، لتبدأ منها الحياة.