البث المباشر
حكم أردني يدير مباراتين في تصفيات مونديال كرة السلة أيلة تنظّم حملة لتنظيف قاع البحر في مرساها بمشاركة نحو 65 مشاركاً ضمن "نظفوا العالم 2026" ديوان المحاسبة: مضاعفة نسبة الاستجابة للمخرجات الرقابية خلال 5 سنوات سلطة العقبة تختتم مراجعة دراسة تقييم الأثر البيئي لمشروع ريفيرا هايتس مدير الأمن العام يبحث مع السفير الإماراتي سبل تعزيز التعاون المشترك كراون بلازا عمّان يعزز حضوره الإقليمي ضمن جوائز هوتيلير الشرق الأوسط 2026 الأمن يكشف تفاصيل آلاف عبوات زيت الزيتون الفارغة ويضبط المتورطين بالغش للعام السادس على التوالي.. زين تجدّد تعاونها مع مؤسسة الأميرة عالية لمواصلة دعم محمية المأوى وزير الأوقاف يفتتح مسجد الحنانة الكبير في الطفيلة التقنيات السردية وثيمة غياب اليقين في "ضحايا الحكايات" للقاص ماهر طميزي وفاة شخص إثر حريق شقة في محافظة العاصمة الدكتور باسم أبو بكر: الأمن الغذائي خط الدفاع الأول عن صحة الأردنيين ومستقبل الوطن رواية «شبح شفاف» للكاتب أسامة رقيعة *(رهانات البحر وأسئلة الخيمة) عمّان تستضيف المؤتمر العام للتحالف الديمقراطي الاجتماعي في العالم العربي يومي 29 و30 تشرين الأول الجاري متقاعدو البلقاء يثمنون جهود بلدية السلط الكبرى استيراد 1.1 مليون هاتف خلوي حتى نهاية الربع الثالث من 2026 غرف العمليات في مستشفى الكندي.. تكامل وأمان وثقة تنفيذ أعمال أنارة الشارع المحاذي لحديقة المفرق عمان الأهلية .. قصة نجاح أردنية استثنائية!! رصد زلزال بقوة 3 درجات على مقياس ريختر في وادي عربة

نارها التي لم تبرد

نارها التي لم تبرد
الأنباط -

 

وليد حسني

 

مرت خمس واربعون سنة على موتها، كأنها بالأمس فقط كانت تمر من امامنا تحمل صفيحة الماء على رأسها وتحدجنا بنظرة متعالية وكأنها تقول لنا.. هذا امر لا يهمكم.

سمراء بلون القهوة المحمصة، وجديلتها تداعب خصرها باطمئنان لا مواربة فيه، وعينان واسعتان، وقلب يتسع لنصف سكان المخيم، كانت (خ ) ابنة العشرين سنة اشبه بأيقونة فارعة الطول بشفتين مكتنزتين كأنهما تحملان معجم لسان العرب كاملا.

كنا مجموعة كبيرة من اطفال الحارة المكتظة بفراخ النساء اللواتي تعودن على الانجاب كل 12 شهرا في أبعد التقديرات، اكبرنا لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره واصغرنا كان يحبو الى جانب امه وهي ترضع اخيه الصغير وتدلي ثدييها امام عتبة بيتها وتتبادل الأحاديث مع جاراتها في حفلة شرب الشاي التي تنعقد بعد عصر كل يوم وفي المواسم كانت تحضر وظيفة تلقيط الملوخية.

كنا نعلق على خولة في مجيئها ورواحها، سواء حين تنقل الماء في صفيحة على رأسها، أو حين تاتي للمخبز، او حين تذهب للسوق، او وهي تجلس أمام بيتها ترعى امها شبه المقعدة، واخاها الأصغر منها والذي يقاربنا في اعمارنا، بينما اخوها الأكبر منشغل بزوجته واولاده بعد ان انتقل ليسكن في "براكية" خارج حارتنا.

لم تذهب خوله للمدرسة، ربما درست حتى الصف الرابع الابتدائي فقط، لكنها تستطيع الكتابة، والقراءة، فانا مرة واحدة نقلت منها رسالة مكتوبة على ورق مسطر منتزعة من دفاتر وكالة الغوث الخضراء التي كنا نتسلمها مطلع كل عام دراسي مجانا، نقلت الرسالة الى ( س) الذي اعرفه جيدا، لحقت به في الشارع الخلفي للحارة وقلت له "خ بتسلم عليك وهاي رسالة منها".

تبسم"س" ونهرني، اعطاني قرشا مكافأة منه لجهدي التواصلي والإتصالي" سمعته يهمهم بكلمات قليلة لم افهم منها شيئا قبل ان يطلب مني نقل سلامه لها.

بعد أيام كان الوقت ظهرا وحرارة الشمس اللافحة تجتاح الناس والبيوت التي تفتقد للكهرباء وللماء المثلج سمعت صراخا يملأ الحارة رعبا وقهرا، خرجت مسرعا لأنضم الى العشرات الذين استفزهم الصراخ، وبهت، كدت أموت من خوفي ورعبي وحزني، فقد كانت تلك القهوة السمراء تتحمص بالنار التي تشتعل فيها وتأكل جسدها وجديلتها وهي تركض في الشارع على غير هدى صارخة قبل ان يتم اطفاؤها ونقلها الى المستشفى..

اربعة ايام ظلت سيرتها تملأ المكان والزمان، قبل أن يأتي خبر وفاتها ، قيل إنها كانت مصابة بمرض نفسي لا احد يعلم عنه، وقيل أنها اختلفت مع امها، وقيل كلام آخر عن سبب انتحارها.كل ما اعلمه انها كانت بالنسبة لنا ملاكا طاهرا يرعى الحارة بكل هذه النعومة الفياضة، وبكل تلك البراءة التي لم ار مثلها قط في حياتي.

لم تجد تلك السمراء العذبة غير بقايا الكاز في بابور الكاز، دلقته على راسها في لحظة تساوى أمامها فيها الموت والحياة واشعلت عود ثقاب، وتركت جيلا بكامله يسأل.

لماذ قتلت ( خ ) نفسها.

حتى اليوم وبعد مرور اكثر من خمس واربعين سنة على نارها التي لم تبرد في ذاكرتي وكلما مررت على اثار منزلها تعاودني صورها وأسأل نفسي..

لماذا لم تقل لي إنها ستموت بالنار؟؟ لماذا؟؟//.

 

© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير