البث المباشر
صانعة محتوى شهيرة تُثير جدلاً كبيراً… هذا ما فعلته أمام نعش إبنتها الذكرى العاشرة لرحيل الرائد الطيار معاذ بني فارس "حين تشتعل الحروب… أخبرني: هل تحمل النور… أم تعيد تدوير الظلام؟" الأرصاد الجوية : طقس غير مستقر مساء الأربعاء وفرصة أمطار رعدية… إيطاليا.. سرقة ثلاث لوحات ثمينة في 3 دقائق هاري يساوم والده الملك تشارلز .. رؤية ولديه مقابل "حزمة أمنية معززة" طبيب برشلونة يكشف كيف تحولت حماية ميسي إلى "عبء نفسي" كيف تكشف من يستخدم نظارة ذكية لتصويرك؟ “معدل المنافسة” يرى النور: تعزيز الرقابة وتوسيع تعريف التركز الاقتصادي الأردن: قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين عنصري تمييزي لاشرعي القاضي: أمن الأردن والخليج واحد ونقف خلف الملك والجيش لحماية الوطن السيادة فوق المناورة.. لماذا أغلق الملك الباب في وجه نتنياهو؟ ‏الامارات: استمرار التعلم عن بعد حتى تاريخ 17 أبريل الملك يعود إلى أرض الوطن هيئة تنشيط السياحة تعقد اجتماع الهيئة العامة العادي السنوي الأول لعام 2026 وتقرّ تقرير 2025 والقوائم المالية إعلام عبري: الملك يرفض طلباً للقاء من نتنياهو الذكرى الخمسون ليوم الأرض "القرميد يا لأبيد" الحواري: الحوار مع القطاعين المصرفي والأعمال يعزز جودة تعديلات قانون الضمان الاجتماعي لقاء حكومي نيابي مع مربي الدواجن لضمان استقرار الإنتاج والأسعار

نارها التي لم تبرد

نارها التي لم تبرد
الأنباط -

 

وليد حسني

 

مرت خمس واربعون سنة على موتها، كأنها بالأمس فقط كانت تمر من امامنا تحمل صفيحة الماء على رأسها وتحدجنا بنظرة متعالية وكأنها تقول لنا.. هذا امر لا يهمكم.

سمراء بلون القهوة المحمصة، وجديلتها تداعب خصرها باطمئنان لا مواربة فيه، وعينان واسعتان، وقلب يتسع لنصف سكان المخيم، كانت (خ ) ابنة العشرين سنة اشبه بأيقونة فارعة الطول بشفتين مكتنزتين كأنهما تحملان معجم لسان العرب كاملا.

كنا مجموعة كبيرة من اطفال الحارة المكتظة بفراخ النساء اللواتي تعودن على الانجاب كل 12 شهرا في أبعد التقديرات، اكبرنا لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره واصغرنا كان يحبو الى جانب امه وهي ترضع اخيه الصغير وتدلي ثدييها امام عتبة بيتها وتتبادل الأحاديث مع جاراتها في حفلة شرب الشاي التي تنعقد بعد عصر كل يوم وفي المواسم كانت تحضر وظيفة تلقيط الملوخية.

كنا نعلق على خولة في مجيئها ورواحها، سواء حين تنقل الماء في صفيحة على رأسها، أو حين تاتي للمخبز، او حين تذهب للسوق، او وهي تجلس أمام بيتها ترعى امها شبه المقعدة، واخاها الأصغر منها والذي يقاربنا في اعمارنا، بينما اخوها الأكبر منشغل بزوجته واولاده بعد ان انتقل ليسكن في "براكية" خارج حارتنا.

لم تذهب خوله للمدرسة، ربما درست حتى الصف الرابع الابتدائي فقط، لكنها تستطيع الكتابة، والقراءة، فانا مرة واحدة نقلت منها رسالة مكتوبة على ورق مسطر منتزعة من دفاتر وكالة الغوث الخضراء التي كنا نتسلمها مطلع كل عام دراسي مجانا، نقلت الرسالة الى ( س) الذي اعرفه جيدا، لحقت به في الشارع الخلفي للحارة وقلت له "خ بتسلم عليك وهاي رسالة منها".

تبسم"س" ونهرني، اعطاني قرشا مكافأة منه لجهدي التواصلي والإتصالي" سمعته يهمهم بكلمات قليلة لم افهم منها شيئا قبل ان يطلب مني نقل سلامه لها.

بعد أيام كان الوقت ظهرا وحرارة الشمس اللافحة تجتاح الناس والبيوت التي تفتقد للكهرباء وللماء المثلج سمعت صراخا يملأ الحارة رعبا وقهرا، خرجت مسرعا لأنضم الى العشرات الذين استفزهم الصراخ، وبهت، كدت أموت من خوفي ورعبي وحزني، فقد كانت تلك القهوة السمراء تتحمص بالنار التي تشتعل فيها وتأكل جسدها وجديلتها وهي تركض في الشارع على غير هدى صارخة قبل ان يتم اطفاؤها ونقلها الى المستشفى..

اربعة ايام ظلت سيرتها تملأ المكان والزمان، قبل أن يأتي خبر وفاتها ، قيل إنها كانت مصابة بمرض نفسي لا احد يعلم عنه، وقيل أنها اختلفت مع امها، وقيل كلام آخر عن سبب انتحارها.كل ما اعلمه انها كانت بالنسبة لنا ملاكا طاهرا يرعى الحارة بكل هذه النعومة الفياضة، وبكل تلك البراءة التي لم ار مثلها قط في حياتي.

لم تجد تلك السمراء العذبة غير بقايا الكاز في بابور الكاز، دلقته على راسها في لحظة تساوى أمامها فيها الموت والحياة واشعلت عود ثقاب، وتركت جيلا بكامله يسأل.

لماذ قتلت ( خ ) نفسها.

حتى اليوم وبعد مرور اكثر من خمس واربعين سنة على نارها التي لم تبرد في ذاكرتي وكلما مررت على اثار منزلها تعاودني صورها وأسأل نفسي..

لماذا لم تقل لي إنها ستموت بالنار؟؟ لماذا؟؟//.

 

© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير