الأنباط -
العساف : الأردن ينفق على خدمة دينه أكثر مما يستثمر في المستقبل
الأنباط – عمر الخطيب
تتزايد التحذيرات من هشاشة المالية العامة عالميا مع بلوغ الديون السيادية مستويات مرتفعة وارتفاع كلفة الاقتراض في وقت تواجه فيه اقتصادات عدة معدلات نمو أبطأ وضغوطا متصاعدة على موازناتها، ومع اتساع فاتورة الفوائد وخدمة الدين تتقلص المساحة المتاحة أمام الحكومات للإنفاق والاستثمار فيما تزداد الحاجة إلى الاقتراض لتغطية الالتزامات القائمة وتمويل العجز.
المشهد يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز أرقام الدين نفسها هل تقترب الاقتصادات العالمية من أزمة مالية جديدة؟ وهل ما نشهده اليوم يمثل أزمة بدأت بالفعل أم مرحلة من الضغوط يمكن احتواؤها؟ ومتى يمكن أن تنتقل مشكلة الديون من دولة أو مجموعة دول إلى الأسواق العالمية؟ وما حجم المخاطر التي تواجه الدول النامية في ظل صعوبة التمويل وارتفاع كلفته، وكيف يمكن أن تنعكس هذه التطورات على الأردن وعلى اقتصادات الخليج؟
أسئلة تطرح نفسها مع اتساع الحديث عن مستقبل الديون وقدرة الحكومات على تحمل كلفتها، وهو ما يوضحه الخبير والمحلل الاقتصادي الدكتور غازي العساف.
يقول العساف إن ارتفاع مستويات الدين العام عالميا لا يعني أن العالم دخل في أزمة ديون، مشيرا إلى أن الوضع أقرب إلى حالة تعثر وهشاشة متزايدة، فيما لم تتحقق حتى الآن الشروط التي يمكن أن تدفع نحو أزمة مالية واسعة أو انهيار في الأسواق.
ويضيف العساف أن الدين العالمي يتجه إلى مستويات مرتفعة جدا مع توقع وصوله إلى نحو 100% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2029، وهو مستوى لم يصله العالم منذ الحرب العالمية الثانية، موضحا أن ارتفاع الدين وحده لا يكفي لقيام أزمة التي تحتاج إلى تعثرات وانتقال للعدوى وغياب مقرض أخير قادر على التدخل.
ارتفاع كلفة الدين يضغط على النمو
ويتابع أن المشكلة الأبرز في المرحلة الحالية ترتبط بكلفة الدين مع ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد أعباء خدمته، مبينا أن تكلفة الفوائد قد تصل عالميا إلى نحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي، محذرا من ارتفاع الكلفة بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصادات على تحملها قد يحول الدين إلى عبء دائم على النمو مع انشغال الدول بتسديد التزاماتها على حساب الاستثمار والنمو الاقتصادي.
صعوبة استدامة الدين
وفي هذا السياق، يوضح العساف أن استدامة الدين ارتبطت لسنوات بالعلاقة بين سعر الفائدة ومعدل النمو، إذ كان النمو يتجاوز الفائدة في كثير من الاقتصادات ما ساعد على خفض نسبة الدين رغم استمرار العجز، مشيرا إلى أن هذه العلاقة بدأت تنقلب في عدد من الاقتصادات فأصبح معدل النمو أقل من سعر الفائدة ما يزيد صعوبة استدامة الدين مع التأكيد على أن هذا المؤشر وحده لا يكفي للتنبؤ بالتعثر.
شروط التحول إلى أزمة
وعن احتمال تحول مشكلة مالية في بعض الدول إلى أزمة أوسع، يشير إلى أن ذلك يحتاج إلى تعثرات وانهيارات تنتقل آثارها إلى اقتصادات وأسواق أخرى عبر قنوات العدوى المالية، ويضع الولايات المتحدة في موقع مصدر الخطر الأكبر واليابان كمصدر للمفاجأة فيما تمثل أوروبا مصدرا للتوترات والمحفزات، لافتا إلى أن الاقتصادات الكبرى تزيد إنفاقها على الدفاع والاستقلال الاستراتيجي وهو ما يضيق الحيز المالي ويحد من أثر الإنفاق الحكومي على الاقتصاد.
صعوبة الدول النامية تكمن في التمويل
وعلى مستوى الدول النامية، يرى العساف أن وضعها أكثر صعوبة بسبب مشكلة الوصول إلى التمويل إلى جانب تراجع مصادر التمويل والمساعدات التنموية ما يخلق فجوات تمويلية تضطر دولا مثل الأردن ولبنان إلى تغطيتها عبر الاقتراض التجاري بأسعار أعلى الأمر الذي يرفع كلفة الدين.
ارتفاع النفط لا يضمن مكاسب الخليج
وفي ما يتعلق بدول الخليج، يحذر من اعتبار ارتفاع أسعار النفط مكسبا تلقائيا، موضحا أن الصدمة الحالية ذات طبيعة كمية وعرض أكثر من كونها صدمة سعر مع تضرر القدرة التصديرية ووجود قيود على حركة التصدير والنقل ما يحد من قدرة دول الخليج على تحقيق مكاسب كاملة من ارتفاع الأسعار.
الأردن يدفع على الدين أكثر استثماره
وبالنسبة للأردن، يبين العساف أن التركيز على نسبة الدين وحدها سواء كانت 83% أو 109% من الناتج المحلي الإجمالي وفق طريقة الاحتساب (لا يمثل جوهر المشكلة)، مؤكدا أن المؤشر الأهم هو فوائد الدين وخدمته، لافتا إلى أن خدمة الدين في الأردن تقترب من نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل إنفاق رأسمالي لا يتجاوز نحو 3% ما يعني أن الأردن ينفق على خدمة دينه أكثر مما يستثمر في المستقبل.