أين تقف حدود احتفال اللاعب؟
الأنباط – ميناس بني ياسين
في كرة القدم قد يستغرق الهدف ثواني، لكن الاحتفال به قد يفتح مواجهة أخرى لا علاقة لها بالكرة ولا بالنتيجة، حركة باليد، إشارة إلى المدرجات، تقبيل لشعار القميص، أو احتفال يبدو عابرًا للاعب، قد يتحول في لحظة إلى رسالة ثقيلة على جمهور يرى في اللاعب أكثر من مجرد محترف يرتدي قميصًا وفي ملاعب تتقاطع فيها ذاكرة اللاعبين مع عاطفة الجماهير، يصبح انتقال لاعب من نادٍ إلى منافسه اختبارًا حقيقيًا لمفهوم الاحتراف: هل يستطيع اللاعب أن يحتفل دون أن يستفز، وهل يستطيع الجمهور أن يغضب دون أن ينسى أن كرة القدم مهنة قبل أن تكون علاقة ولاء؟
المشهد ليس جديدًا على كرة القدم الأردنية لكنه عاد إلى الواجهة مع الاحتكاكات الجماهيرية التي رافقت منافسات كأس السوبر الأخيرة، ليعيد طرح سؤال أوسع من احتفال لاعب أو ردة فعل جمهور: إذا كانت الكرة الأردنية تتحدث باستمرار عن الاحتراف وتطوير اللعبة، فهل وصلت ثقافة الاحتراف فعلًا إلى العلاقة بين اللاعب والجمهور، أم أن بعض هذه العلاقة لا تزال محكومة بمنطق الانتماء المطلق للنادي؟
الاحتفال.. فرحة مشروعة أم رسالة استفزاز؟
وفي كرة القدم الحديثة لا يُنظر إلى الاحتفال بالهدف باعتباره فعلًا محظورًا، بل هو جزء طبيعي من اللعبة والتعبير عن الفرح غير أن قوانين اللعبة نفسها تضع حدودًا واضحة لهذا الفرح؛ إذ تنص قوانين مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم"IFAB" على أن اللاعب يستطيع الاحتفال، لكن عليه ألا يتصرف بصورة استفزازية أو ساخرة أو تحريضية، وهي حالات تستوجب إشهار البطاقة الصفراء، فيما يمكن أن تصل العقوبة إلى الطرد إذا تضمنت الإشارة إساءة أو إهانة أو ألفاظًا أو أفعالًا مسيئة. قوانين IFAB – المخالفات والسلوك غير الرياضي
وبذلك لا تبدو المسألة في جوهرها مرتبطة بمنع اللاعب من الفرح، وإنما بالحد الفاصل بين الفرح والاستفزاز فالاحتفال مع زملائه، أو التعبير عن سعادته بالهدف، أو الاحتفال أمام جماهير فريقه، يختلف عن توجيه حركة أو إشارة إلى جمهور المنافس بقصد السخرية أو الاستفزاز، خصوصًا عندما يكون هذا الجمهور هو جمهور النادي الذي دافع اللاعب عن ألوانه في وقت سابق.
وتزداد حساسية المشهد عندما يكون صاحب الهدف لاعبًا انتقل حديثًا من فريق إلى منافسه. فالمشجع الذي كان يهتف للاعب بالأمس قد يجده اليوم في القميص المقابل، وفي اللحظة التي يسجل فيها هدفًا في مرمى ناديه السابق، لا يرى مجرد لاعب محترف يحتفل بهدف، بل قد يرى شخصًا كان جزءًا من ذاكرة فريقه ثم أصبح طرفًا في مواجهته.
حين يصبح اللاعب السابق جزءًا من الخصومة
وتشير دراسات في علم نفس الرياضة والاجتماع الرياضي إلى أن الاحتفال بالهدف لا يؤدي وظيفة تعبيرية فقط، وإنما يمكن أن يحمل رسائل مرتبطة بالهوية والانتماء والسياق الذي تجري فيه المباراة وتظهر أبحاث حول احتفالات لاعبي كرة القدم أن طريقة الاحتفال تتأثر بعوامل متعددة، من بينها المنافس والجمهور وطبيعة اللحظة الرياضية، وأن بعض الاحتفالات تتضمن التواصل المباشر مع المدرجات أو التعبير عن الانتماء للفريق.
وهنا تصبح ذاكرة اللاعب عنصرًا إضافيًا في المشهد؛ فاللاعب الذي قضى سنوات في نادٍ ما يعرف طبيعة جمهوره، ويعرف رموزه وهتافاته وحساسية المنافسة معه، ولذلك فإن بعض الإشارات التي قد تبدو عادية أمام جمهور آخر يمكن أن تحمل معنى مختلفًا تمامًا أمام جماهير ناديه السابق.
ولا يعني ذلك أن كل احتفال للاعب سابق أمام فريقه السابق يمثل استفزازًا متعمدًا فقد تكون فرحة عفوية أو تعبيرًا عن الارتياح بعد التسجيل، لكن طبيعة المنافسة تجعل الجمهور أكثر حساسية تجاه التفاصيل، وقد يدفع ذلك إلى تفسير الحركة في ضوء العلاقة السابقة بين اللاعب والنادي.
هوية المشجع.. لماذا يبدو الانتقال أحيانًا كأنه خيانة؟
المسألة لا تتعلق بالكرة وحدها فالنادي بالنسبة إلى كثير من المشجعين ليس مجرد فريق رياضي ويشرح عالم النفس الرياضي الأمريكي دانيال وان، أحد أبرز الباحثين في موضوع العلاقة بين المشجعين والفرق، مفهوم "التماهي مع الفريق" باعتباره درجة الارتباط النفسي التي يشعر بها المشجع تجاه ناديه، بحيث يصبح نجاح الفريق أو فشله قادرًا على التأثير في مشاعر المشجع وصورته عن نفسه.
وفي حديثه مع الجمعية الأمريكية لعلم النفس أوضح وان أن الرياضة تلبي لدى المشجعين حاجات نفسية واجتماعية، من بينها الشعور بالانتماء والارتباط بمجموعة أكبر من الفرد نفسه وهذا الارتباط يساعد في تفسير سبب تحول بعض نتائج المباريات وسلوك اللاعبين إلى مسائل شخصية وعاطفية بالنسبة إلى الجماهير. الجمعية الأمريكية لعلم النفس – علم نفس جماهير الرياضة ودانيال وان
وعندما يكون اللاعب جزءًا من ذاكرة النادي فإن انتقاله إلى المنافس قد يصطدم بهذه الهوية اللاعب يرى انتقالًا مهنيًا، بينما قد يرى المشجع انتقالًا من "نحن" إلى "هم" وكلما كان التنافس بين الناديين أكثر حدة، أصبحت الحدود النفسية بين الجماهير أكثر وضوحًا، وهو ما يجعل ظهور اللاعب السابق بقميص المنافس أكثر إثارة للمشاعر.
لكن فهم هذا الشعور لا يعني تبرير تحويله إلى كراهية أو إساءة. فالمشاعر الجماهيرية طبيعية، أما الطريقة التي يجري التعبير بها عنها فتظل مسؤولية الفرد.
الاحتراف لا يعني إلغاء المشاعر
الاحتراف يعني أن يدرك الجمهور أن اللاعب لا يمكن أن يبقى طوال مسيرته في النادي نفسه، العقود تنتهي والفرص تتغير، واللاعب قد ينتقل بحثًا عن فرصة أفضل أو عقد أفضل أو تحدٍ رياضي جديد وقد يصبح لاعب الأمس منافسًا اليوم، ثم يعود في مرحلة لاحقة إلى النادي الذي بدأ معه.
لذلك فإن انتقال اللاعب من نادٍ إلى آخر لا ينبغي أن يُعامل تلقائيًا باعتباره خيانة فاللاعب المحترف يملك حق اختيار مستقبله الرياضي ضمن الأطر القانونية والتعاقدية، تمامًا كما تملك الأندية حق التعاقد مع اللاعبين الذين تراهم مناسبين لمشاريعها.
لكن في الاتجاه الآخر، فإن لغة الاحتراف لا تعني أن اللاعب معفى من المسؤولية تجاه سلوكه فاللاعب الذي يعرف تاريخ النادي الذي مثله سابقًا ويدرك حساسية جمهوره، يستطيع أن يحتفل بهدفه دون أن يحوّل الاحتفال إلى رسالة استفزازية.
المطلوب ليس أن يتوقف اللاعب عن الاحتفال، ولا أن يتظاهر بأن الهدف لا يعني له شيئًا، وإنما أن يمتلك وعيًا باللحظة وبالجمهور وبطبيعة المنافسة، وأن يميز بين الاحتفال بالفوز وبين استهداف جمهور بعينه.
مسؤولية مشتركة بين اللاعب والمدرجات
وبينما يتحمل اللاعب مسؤولية عدم تجاوز حدود الاحتفال، يتحمل الجمهور أيضًا مسؤولية التعامل مع انتقالات اللاعبين باعتبارها جزءًا طبيعيًا من كرة القدم الاحترافية فليس من المنطقي أن تطالب الجماهير الأندية بتطبيق الاحتراف في العقود والانتقالات، ثم تتعامل مع اللاعب وكأنه مرتبط بالنادي مدى الحياة.
المفارقة أن اللاعب قد يجد نفسه مطالبًا بأن يتقبل صافرات الاستهجان من جمهور ناديه السابق بوصفها جزءًا من المنافسة، بينما يُطلب منه في الوقت ذاته ألا يرد عليها بأي احتفال أو تعبير وفي المقابل، قد يطالب الجمهور باحترام مشاعره، بينما يتحول اعتراضه على اللاعب أحيانًا إلى إساءة شخصية تتجاوز حدود التشجيع.
لهذا فإن المسؤولية لا تقع على طرف واحد اللاعب مطالب بالوعي، والجمهور مطالب بالنضج، والأندية مطالبة ببناء ثقافة احترافية تتجاوز توقيع العقود إلى السلوك داخل الملعب وخارجه.
من الاحتراف في العقود إلى الاحتراف في السلوك
كرة القدم الأردنية قطعت خطوات باتجاه ترسيخ مفهوم الاحتراف في شكل المسابقات والعقود وتنظيم المنافسات، لكن الاحتراف الحقيقي لا يكتمل بالجانب الإداري والمالي وحده فهناك احتراف في السلوك، وفي التعامل مع المنافس، وفي احترام الجمهور، وفي تقبل انتقال اللاعب، وفي فهم أن المنافسة لا تعني بالضرورة العداء.
وتؤكد قوانين اللعبة ذاتها أن الاحتفال جزء مشروع من كرة القدم، لكنها في الوقت ذاته تضع خطوطًا حمراء أمام السلوك الاستفزازي أو التحريضي أو المهين. وهذه المعادلة يمكن أن تختصر جوهر المسألة: للاعب حق أن يفرح، وللجمهور حق أن يغضب، لكن لا ينبغي أن يتحول الفرح إلى إهانة، ولا أن يتحول الغضب إلى عداء.
فإذا كانت الكرة الأردنية تريد بناء منتج رياضي أكثر احترافًا فإن تطوير اللعبة لا يتعلق فقط بمستوى اللاعبين والمنشآت والتحكيم والمسابقات، وإنما أيضًا بالثقافة التي تحيط بالمباراة.
وفي النهاية ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل يحق للاعب أن يحتفل أمام فريقه السابق؟ بل: كيف يحتفل؟ وكيف يتلقى الجمهور احتفاله؟
فالاحتراف لا يعني أن يفقد اللاعب مشاعره تجاه فريقه الجديد، ولا أن يتخلى الجمهور عن مشاعره تجاه ناديه، وإنما يعني أن يعرف كل طرف حدود هذه المشاعر.
واللاعب ليس ملكًا دائمًا للنادي والجمهور ليس مطالبًا بالتخلي عن انتمائه، لكن كليهما مطالب بأن يفهم أن كرة القدم، مهما بلغت حساسيتها، تبقى منافسة تنتهي بصافرة الحكم، وأن ما يحدث بين الخطوط يجب ألا يتحول إلى خصومة تتجاوزها.