اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
البث المباشر
إرث الشتائم.. كيف تتحوّل المطلقات وأطفالهن إلى أهداف يومية على منصات التواصل؟ الأسير المحرر عمايرة: أسرى الحرية حقول تجارب بمعتقلات الاحتلال ترندات المكياج ومنتجات البشرة...ظاهرة تخطف براءة الأطفال قبل أوانهم الرياضة النسائية تقتحم سوق المليارات.. أين تقف الكرة النسوية الأردنية؟ حين تأتي الفرصة… لا تنتظر أن يتركها لك أحد مبروك للاردنية حكيمها الإعلامية نتالي خالد تنال درجة الماجستير في الصحافة والإعلام الرقمي في جامعة البترا الأردن وقطر يبحثان التطورات في المنطقة الروسان مديرا إقليميا لمنظمة الأمم المتحدة للتدريب والإعلام (UN MTC) في المملكة الأردنية حسّان يعلن تخصيص 10 ملايين دينار إضافية لصندوق دعم الطالب الجامعي مندوبا عن الملك وولي العهد.. العيسوي يعزي آل الساطي جاهة مباركة تجمع آل العضايلة وآل الكركي المهندس مظفر العضايلة والدكتورة آية الكركي غرفة عمليات البتراء احدى غرف العمليات في مستشفى الكندي .. الدقة والتطور سفير الصين: زيارة الملك سترسم ملامح مستقبل الشراكة الاستراتيجية بين البلدين الخريسات يتفقد مديريات الآلات والمكننة الزراعية والأبنية والإرشاد الزراعي المنتدى الاقتصادي الأردني يبحث فرص تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة اقتصادية منصة "أزرق".. مبادرة رقمية من "شومان" لتعزيز المعرفة العربية في الفضاء الرقمي جامعة العقبة للعلوم الطبية وصندوق حياة… لقاء يؤسس لشراكة تصنع الفرص والأثر زين راعٍ بلاتيني لحفل الذكرى 25 لتأسيس جمعية شركات تقنية المعلومات والاتصالات "إنتاج" الملكيّة الأردنيّة: خلل فني في الطائرة سبب تأخير رحلة من إسطنبول إلى عمّان

إرث الشتائم.. كيف تتحوّل المطلقات وأطفالهن إلى أهداف يومية على منصات التواصل؟

إرث الشتائم كيف تتحوّل المطلقات وأطفالهن إلى أهداف يومية على منصات التواصل
الأنباط -
د. أڤين الكردي -الأنباط
يتصاعد على منصات التواصل الاجتماعي في الأردن خطاب مسيء تجاه المطلقات وأطفالهن، يظهر بوضوح في المنشورات والتعليقات التي تناقش الطلاق والنفقة والحضانة والعلاقات الأسرية. ولم تعد هذه الإساءة مجرد تعليق فردي أو انفعال عابر، بل أصبحت خطاب متكرر يضع المطلقة في موقع الاتهام، ويحمّلها وحدها مسؤولية انهيار الأسرة.
وتتحول بعض صفحات الاستشارات القانونية والمجموعات الاجتماعية إلى مساحات مفتوحة للشتائم والتعميم، فتُستخدم أوصاف مثل "نواشز المحاكم" و"تاجرات المحاكم"، إضافة إلى دعوات من قبيل "لا للزواج من الأردنيات". ولا يكتفي هذا الخطاب بالإساءة إلى المرأة، بل يقدّمها كمتهمة لمجرد مطالبتها بحقوق أطفالها، وعلى رأسها النفقة.
وتُصر بعض المنشورات على تصوير المطلقة باعتبارها امرأة دخلت الزواج بهدف الطلاق لاحقًا والحصول على المال، متجاهلة أن النفقة حق للطفل وليست مكافأة للأم، وأنها في حالات كثيرة لا تغطي أصلًا الاحتياجات الأساسية من طعام وتعليم وصحة.
حيث أنه من غير المنطقي اختزال تجربة الزواج والحمل والولادة والسهر والتربية، ثم مصاعب التقاضي وتحصيل الحقوق، في اتهام المرأة بأنها خاضت كل ذلك طمعاً في نفقة بالغالب لا تغطي الحد الأدنى من العيش الكريم للطفل، وربما لا تُحصّل بانتظام من الأساس.
المجتمع أصبح أكثر تقبلًا للزواج من المطلقات
وفي حديثه لـ"الأنباط"، قال أستاذ علم الاجتماع الأستاذ الدكتور حسين الخزاعي إن عدد حالات الزواج في الأردن بلغ 62,960 حالة، بينها 14,145 حالة زواج لنساء سبق لهن الطلاق، ما يعني أن نحو خُمس حالات الزواج كانت لمطلقات.
وأوضح الخزاعي لـ"الأنباط" أن هذه الأرقام تعكس ارتفاع تقبل المجتمع للزواج من المطلقة، وتشير إلى أن الوصمة التي تحمّل المرأة وحدها مسؤولية الطلاق بدأت بالتراجع.
وشدد على ضرورة التوقف عن إطلاق الأحكام العامة على النساء، مؤكدًا أن لكل قضية طلاق منظورة أمام المحاكم الشرعية قصتها وظروفها الخاصة، ولا يجوز اختزال جميع الحالات في صورة نمطية واحدة أو تحميل المرأة الوزر الأكبر من دون معرفة الوقائع.
لكن ما يظهر في بعض المساحات الرقمية يكشف مفارقة واضحة؛ فبينما يبدو المجتمع في الواقع أكثر تقبلًا، ما تزال مجموعات وصفحات على مواقع التواصل تعيد إنتاج خطاب أكثر قسوة ضد المطلقة وأطفالها.
ضرورة نفسية واجتماعية
من جانبه، صرّح المستشار الأول في الطب النفسي الأستاذ الدكتور أمجد جميعان لـ"الأنباط" بأن التنمر الرقمي الذي تتعرض له المطلقات وأطفالهن ليس ظاهرة عابرة، بل يرتبط بإرث اجتماعي وثقافة متوارثة تنظر إلى المرأة المطلقة باعتبارها المسؤولة عن انهيار الأسرة، بينما يُفترض مسبقًا أن الرجل على صواب.
وأوضح جميعان لـ"الأنباط" أن هذه النظرة تجعل المطلقة هدف سهل للتعليقات الساخرة والشائعات والتشكيك في سلوكها، كما تكرّس افتراض خاطئ بأنها امرأة "غير قابلة للسيطرة" أو أنها غادرت بيتها بلا سبب مقنع.
وأضاف لـ"الأنباط" أن هذه الصورة النمطية ترفع مستويات القلق والإحباط لدى كثير من المطلقات، ولا سيما اللواتي يعتمدن اقتصاديًا أو اجتماعيًا على أسرهن. وقد تجد بعض النساء أنفسهن تحت ضغط الدخول في زواج جديد لإثبات الذات أو الهروب من الوصمة، من دون أن يكون القرار نابعًا من رغبة حرة ومدروسة، ما قد يعرّضهن لتجربة أخرى أكثر قسوة.
آثار قد تمتد إلى الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة
وبيّن الجميعان لـ"الأنباط" أن الأثر النفسي لا يتوقف عند الأم، بل يصل إلى أطفالها بصورة قد تكون أشد وضوحًا. فعلى المدى القصير، قد يعاني الطفل من القلق والغضب وفقدان الثقة بالوالدين، خصوصًا إذا شعر بأنه لم يُحمَ من الإساءة الموجهة إلى والدته.
وأضاف أن هذه التجربة قد تظهر في صورة تراجع دراسي، أو اكتئاب، أو سلوك عدواني، أو عزلة، وقد تصل في بعض الحالات إلى إيذاء الذات. أما على المدى البعيد، فقد ترتبط بسلوكيات عالية الخطورة أو ترك التعليم، خاصة إذا كان الطفل يعاني أصلًا من صعوبات تعلم أو إعاقة ذهنية.
وأشار جميعان إلى احتمال ظهور أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، ولا سيما عندما يتعرض الطفل مباشرة للتنمر اللفظي أو الرقمي، أو يقرأ بصورة متكررة كلمات مهينة بحق والدته.
وأكد لـ"الأنباط" أن وصمة الطلاق ليست مجرد موقف اجتماعي مزعج، بل عامل قد يهدم الصحة النفسية للمطلقة وأطفالها، ويعمق عزلة المرأة، ويهز ثقة الأبناء بالمحيط العائلي والاجتماعي.
واختتم جميعان حديثه بالتأكيد على أن التغيير الحقيقي يبدأ بتطوير الوعي الثقافي والاجتماعي، واحترام الأفراد مهما كان وضعهم الأسري، وعدم التدخل في تفاصيل لا يعرفها الناس، ومواجهة الخطاب الذي يربط الطلاق تلقائيًا بالفشل الشخصي. وقال إن محاربة التنمر ليست مجرد خطوة أخلاقية، بل ضرورة نفسية واجتماعية لحماية أسر كاملة من الإقصاء والمعاناة.
ماما إنتِ ناشز؟".. حين تصل الإهانة إلى الأطفال
ماما، إنتِ ناشز؟ لأنهم كاتبين إن المطلقة ناشز"؛ بهذا السؤال واجهت ابنة روان والدتها بعد أن قرأت منشورات وتعليقات تهاجم المطلقات على مواقع التواصل الاجتماعي.
وروت روان لـ"الأنباط" أنها تشعر باستياء وحزن شديدين مما تراه منذ أشهر من إساءة وقذف وتشويه لصورة المطلقة، معتبرة أن انتشار مجموعات وصفحات تتعمد التنمر على النساء بعد الطلاق أمر مهين لكرامة الأم المطلقة خصوصًا، والمرأة الأردنية عمومًا.
وقالت لـ"الأنباط" إنها، رغم ما قدمته من تضحيات لتربية بناتها تنشئة سليمة، وما تحملته من ضعف النفقة ومسؤولية الإعالة، تجد نفسها يوميًا أمام تعليقات وصور مسيئة للمطلقات، من دون وجود ردع كافٍ لمَن ينشرونها.
وأضافت أن استياءها تضاعف عندما أدركت أن بناتها المراهقات يقرأن تلك العبارات، وروت أن إحداهن سألتها: "ماما، عن جد أولاد المطلقات سكرجية وهمل؟ بس إحنا مو هيك، إحنا بنصلي ومنحب الله لأنه خلاكي أمنا.
وتابعت روان: "وقفت عاجزة قليلًا عن الرد، ثم شرحت لهن أن الله سبحانه وتعالى أحلّ الطلاق كما أحلّ الزواج، وأنهن أعظم البنات، وأنني حاولت جاهدة الحفاظ على زواجي، لكنني لم أكن قادرة على الاستمرار في علاقة لا تحقق السكينة والمودة والرحمة.
وأضافت روان لـ"الأنباط" أنها تقدمت، برفقة عدد من زميلاتها، بشكوى لدى المدعي العام ووحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية بحق أشخاص قلن إنهم وجّهوا إليهن شتائم وإساءات عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلا أن التهمة لم تثبت بحق المشتكى عليهم. ووصفت نتيجة الشكوى بأنها "مخيبة للآمال"، موضحة أنها ولّدت لدى المشتكيات شعورًا بصعوبة الوصول إلى حماية قانونية فاعلة من هذا النوع من الإساءة، وأثارت لديهن تساؤلات حول آليات إثبات التنمر الرقمي ومحاسبة مرتكبيه
قصة روان لا تعبّر عن إساءة تقع على امرأة فقط؛ بل تكشف كيف تنتقل الكلمات من شاشة الهاتف إلى وعي الطفل، فتدفعه إلى التساؤل إن كان وضع والدته الأسري يجعله أقل قيمة من غيره.
تشويه المرأة أسهل من الاعتراف بالتقصير
وقالت آلاء الحياري، أم معيلة ، لـ"الأنباط" إن المطلقة التي تتعرض للإهانة على مواقع التواصل لم تختر الطلاق عبثًا في كثير من الحالات، بل وصلت إليه بعد محاولات طويلة للحفاظ على زواجها، ثم لجأت إلى المحكمة الشرعية للحصول على حقوقها وحقوق أطفالها.
وأوضحت الحياري أن أوصافًا مثل "ناشز" و"تاجرة محاكم" لا تعكس حقيقة المرأة الأردنية، بقدر ما يستخدمها بعض الأشخاص للهروب من مسؤولياتهم. فالرجل الذي لا يرغب في تحمل واجبه تجاه أبنائه قد يجد في تشويه الأم طريقًا أسهل من الاعتراف بالتقصير في النفقة والرعاية.
وأضافت أن وصف المطلقة بالطمع والمادية يتحول، في بعض الحالات، إلى وسيلة لتبرير التخلي عن المسؤولية، بدل مواجهة الخلل الحقيقي داخل الأسرة.
واختتمت الحياري حديثها لـ"الأنباط" بالقول: "نحن لا نطلب شفقة، بل احترامًا يليق بالمرأة الأردنية التي احتضنت أبناءها وواصلت تربيتهم وتعليمهم رغم ما تواجهه من عنف اقتصادي واجتماعي وقانوني.
الحاجة إلى تشريعات ودراسات متخصصة
من جهته، قال الخبير الإعلامي والقانوني يحيى شقير لـ"الأنباط" إن العنف الرقمي ظهر مع تطور تكنولوجيا المعلومات، وهي أدوات محايدة في أصلها، إلا أن بعض الأشخاص يستخدمونها لتفريغ ميول عدوانية أو لتصفية حساباتهم مع شريكاتهم السابقات.
وأوضح شقير أن المشكلة لها جذور اجتماعية وتاريخية، وأن المنصات الرقمية لم تنشئ النظرة الدونية إلى المطلقة، لكنها منحتها أدوات أسرع وأوسع للانتشار.
وبيّن أن بعض الأزواج السابقين يتعاملون مع المطلقة باعتبارها "هدف هش"، خصوصاً عندما يترافق التنمر مع عدم الإنفاق على الأبناء أو محاولة إبقاء نفقتهم في حدها الأدنى، بما يحول المال إلى وسيلة ضغط وعقاب ضد الأم.
وأضاف شقير لـ"الأنباط" أن استخدام الحسابات الوهمية يشجع بعض المسيئين، لاعتقادهم أنهم يستطيعون إخفاء بصمتهم الرقمية والإفلات من المساءلة. كما قد يراهن المعتدي على أن المطلقة لا تملك القدرة المادية على تحمل كلفة التقاضي أو الاستمرار فيه.
وأشار إلى أن التعامل مع الظاهرة ما يزال قائمًا في جانب كبير منه على جهود فردية، في ظل غياب جماعات ضغط متخصصة وقادرة على دعم ضحايا العنف الرقمي قانونياً ونفسياً وإعلامياً.
وأوصى شقير بإجراء دراسات علمية متخصصة، على مستوى رسائل الماجستير والدكتوراه، لفهم حجم الظاهرة وأسبابها وآثارها، إلى جانب مراجعة التشريعات لضمان وجود نصوص واضحة وعقوبات رادعة للتنمر والعنف الرقمي.
كما لفت إلى دور بعض الأعمال الفنية والشعبية في ترسيخ صورة ساخرة أو ناقصة عن المطلقة، مؤكدًا أن تكرار هذه الصورة عبر سنوات يجعلها تبدو طبيعية، رغم ما تحمله من إساءة وتمييز.
التنمر محرّم شرعًا قبل أن يكون مجرّماً قانوناً
وفي البعد الديني، صرّح الدكتور إبراهيم الجرمي لـ"الأنباط" بأن التنمر محرم، سواء وقع بصورة مباشرة أو في غياب الشخص أو عبر المنصات الرقمية، وأن الإساءة إلى المطلقة أو أهلها أو أطفالها لا يقرها الشرع.
واستشهد بقول النبي ﷺ: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، وبقوله ﷺ: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم.
وأكد الجرمي لـ"الأنباط" أن القضية مهمة ويجب إثارتها والحديث عنها ومعالجتها، بدل التعامل معها باعتبارها خلاف شخصي أو تعليق لا يستحق التوقف عنده، ولا يمكن فصل هذا النقاش عن المرجعية الدينية والأخلاقية للمجتمع الأردني، خصوصاً عندما يُساء استخدام مفاهيم دينية لتبرير الإقصاء أو التشهير. فكرامة الإنسان، امرأة كان أم رجلًا، ليست مجالًا لتصفية الحسابات.


كشف الشهادات والآراء الواردة في هذا التقرير أن التنمر الرقمي ضد المطلقات وأطفالهن يتجاوز حدود التعليقات العابرة، ليصبح امتدادًا لصور نمطية قديمة وجدت في منصات التواصل مساحة أسرع وأوسع للانتشار. ولا تتوقف آثار هذا الخطاب عند الإساءة إلى المرأة، بل قد تمتد إلى أطفالها، فتؤثر في شعورهم بالأمان والانتماء، وفي نظرتهم إلى أنفسهم وأسرهم.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذا الخطاب انعكاس حقيقي لقيم المجتمع الأردني؛ فالقذف والتشهير والإساءة إلى النساء وأطفالهن لا تنسجم مع عادات الأردنيين القائمة على النخوة والتكافل وصون الكرامة. كما أن حرية الرأي لا تبرر التعميم والتحقير على أساس الوضع الأسري، فالنقد المشروع يختلف عن الإساءة والتشهير.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى العودة إلى قيمنا المجتمعية الحميدة، ودعم المطلقات وأطفالهن بدل محاصرتهم بالوصمة والتنمر. كما تقع على المؤسسات الإعلامية والقانونية والمجتمعية مسؤولية مشتركة في تعزيز الوعي، وتصحيح الصور النمطية، وتقديم خطاب مهني يحفظ كرامة الأسرة، إلى جانب تسهيل سبل الشكوى والمساءلة والحد من انتشار المحتوى المسيء.
فالطلاق قد ينهي العلاقة الزوجية، لكنه لا يلغي مسؤولية الأبوة والأمومة، ولا ينبغي أن يتحول إلى وصمة تلاحق المرأة، أو إلى عبء نفسي واجتماعي يدفع الأطفال ثمنه.

© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير