الأنباط -
قراءة في أرقام الدورة التي جسدت شعار "إرث يمتد .. أجيال تلتقي"
مهرجان جرش بلغ الأربعين وما زال يزرع دهشة البدايات
الأنباط – عمر الخطيب
تقاس المهرجانات العريقة بقدرتها بتجديد في كلة دورة والمحافظة على الهوية وفتح أبوابها لأفكار ومساحات وتجارب جديدة، ومن هنا جاءت الدورة الأربعون من مهرجان جرش لثقافة والفنون لتقدم نموذجا يؤكد أن الوصول إلى أربعة عقود لم يكن محطة للاحتفاء بالماضي فحسب وإنما نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر اتساعا في الرؤية وأكثر تنوعا في المحتوى.
فالأرقام التي خرجت بها الدورة الأربعون تقرأ باعتبارها مؤشرات تعكس مسارا متناميا لمشروع ثقافي استطاع أن يوازن بين الحفاظ على إرثه التاريخي، ومواكبة تطورات المشهد الثقافي والفني ليبقى مهرجان جرش أحد أبرز الواجهات الثقافية في الأردن والمنطقة.
226 فعالية عنوانها التنوع
في المهرجانات الكبرى لا يُقاس النجاح بعدد الفعاليات وإنما بقدرتها على صناعة تجربة متجددة للجمهور، ومن هنا تبرز دلالة تنظيم 226 فعالية توزعت بين الموسيقى والمسرح والشعر والأدب والفنون الشعبية والندوات الفكرية والأنشطة التراثية وبرامج الأطفال في تنوع يعكس اتساع رؤية المهرجان ويكرس مكانته موسما ثقافيا متكاملا يتجاوز حدود العروض الفنية .
60% للثقافة ....
من بين جميع المؤشرات، تبدو نسبة 60% من البرنامج المخصصة للفعاليات الثقافية الأكثر تعبيرا عن هوية الدورة الأربعين، ففي وقت تتجه فيه كثير من المهرجانات إلى توسيع مساحة الحفلات الجماهيرية حافظ مهرجان جرش على فلسفته واضعا الثقافة في صدارة برنامجه من خلال الندوات الفكرية والأمسيات الأدبية والبرامج التراثية والأنشطة الموجهة للأطفال والعائلات في تأكيد على أن الثقافة ما تزال جوهر المهرجان ورسالةً تتجاوز حدود العروض الفنية .
الهيبودروم يكتب بدايته
شكل افتتاح مسرح الهيبودروم إحدى أبرز محطات الدورة الأربعين في خطوة عكست توجها نحو توسيع فضاءات الإبداع واستثمار المواقع التاريخية بصورة أكثر حيوية، فالمسرح الذي يتسع لأكثر من ألفي متفرج احتضن عروضا عالمية وفلكلورية مجانية ما أتاح لجمهور أوسع التفاعل مع ثقافات متنوعة ورسخ فكرة أن الفنون تزداد تأثيرا كلما اقتربت من الناس، كما أثبت نجاح تجربة الهيبودروم منذ انطلاقها أن تطوير المهرجان لا يقتصر على استقطاب الفنانين وإنم يشمل أيضا تطوير المنصات التي تحتضن الإبداع بما يعزز قدرة مهرجان جرش على التوسع والتجدد في الدورات المقبلة.
1300 فنان وثقة تتجدد
يعكس استقطاب نحو 1300 فنان أردني وعربي وعالمي استمرار الثقة التي يحظى بها مهرجان جرش وقدرته على جمع تجارب فنية متنوعة تحت مظلة واحدة، وأثر هذا الرقم يمتد إلى ما يحمله من تنوع ثقافي اذ يلتقي على مسارح جرش فنانون يمثلون مدارس موسيقية وفنية مختلفة في مشهد يعكس رسالة المهرجان القائمة على الحوار والانفتاح ويؤكد أن الفن يبقى إحدى أكثر اللغات قدرة على التقريب بين الشعوب.
الثقافة تتجاوز حدود جرش
مهرجان جرش لم يعد حدثا محصورا داخل أسوار المدينة الأثرية وهو ما تعكسه إقامة 117 فعالية في محافظة جرش و95 فعالية في محافظات المملكة، هذا الامتداد الجغرافي يؤكد أن المهرجان تجاوز مفهوم الموقع الواحد، وأصبح مشروعا ثقافيا وطنيا يحرص على إيصال برامجه إلى جمهور أوسع بما يعزز الحراك الثقافي في المحافظات.
نحو مستقبل أكثر اتساعا
امتدت آثار الدورة الأربعين إلى المجتمع المحلي من خلال مشاركة أكثر من 250 سيدة في الأسواق الإنتاجية، وتوفير فرص لتسويق المنتاجت المحلية مؤكدة أن الثقافة يمكن انت تكون رافعة اقتصادية تسهم في دعم المشاريع الصغيرة وتنشيط الحركة التجارية وربط الفعل الثقافي بالتنمية المحلية.
عند جمع هذه المؤشرات في صورة واحدة يتضح أن هذه الدورة ينت نجاحها على تكامل عناصرها برنامج متنوع، وحضور ثقافي لافت، وفضاءات جديدة، ومشاركة فنية واسعة، وانتشار جغرافي وانخراط للمجتمع المحلي في تفاصيل الحدث، وتؤكد هذه الدورة أن المهرجان ما يزال يمتلك القدرة على التطور دون أن يفقد هويته، وأن إرث أربعة عقود لم يتحول إلى عبء يحمله وإنما إلى قاعدة ينطلق منها نحو مستقبل أكثر اتساعا وحضورا وتأثيرا في المشهد الثقافي الأردني والعربي.