البث المباشر
الملك يصل السعودية والأمير محمد بن سلمان في استقباله "العمل النيابية" تبحث تعديلات "الضمان" مع وزراء العمل السابقين ورؤساء لجان العمل ارتفاع سعر غرام الذهب عيار 21 محليًا بمقدار 80 قرشًا في التسعيرة الثانية إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب التلهوني يشكل ثلاث لجان متخصصة لتنظيم شؤون "الخبرة القضائية" وإعداد دليل للأجور هل يستفيد الأردن من الحرب الدائرة في الخليج؟ سينما شومان تعرض ستة أفلام قصيرة غدا اجتماع لبحث الفرص الاستراتيجية في قطاع الطاقة زمن القات.. وقت يتمدد فيغيب الانشغال بالفقر والحرب "حين يتحوّل القلب إلى ساحة حرب صامتة... فلسفة الحقد والغيرة وفرط الإحساس" المراشدة رئيسًا للجنة لشؤون المهن الدرامية في نقابة الفنانين وزير الصناعة والتجارة : خطة شاملة تضمن توفر السلع الأساسية واستقرار أسعارها الأردن يدين بأشد العبارات الاعتداءات الإيرانية على الكويت بيان صادر عن القوات المسلحة الأردنية ومديرية الأمن العام عطلة للمسيحيين بمناسبة أحد الشعانين وعيد الفصح المجيد رئيس الوزراء يصدر بلاغاً لترشيد الاستهلاك وضبط الإنفاق في جميع المؤسَّسات الحكوميَّة بمشاركة الأردن.. اجتماع وزاري خليجي روسي لبحث تداعيات الاعتداءات الإيرانية الأشغال تباشر أعمال صيانة لمدخل مدينة العقبة حماية المستهلك: تثمن قرار دولة رئيس الوزراء بوضع سقوف سعرية ليس تغيير أسماء.. بل تغيير نهج: الوطن أمانة فوق الحسابات والتيارات

زمن القات.. وقت يتمدد فيغيب الانشغال بالفقر والحرب

زمن القات وقت يتمدد فيغيب الانشغال بالفقر والحرب
الأنباط -
كان النهار قد انتصف عندما وصلتُ إلى مطار صنعاء برفقة عائلتي قبل أكثر من عقدين لإقامة حفل زفافي، وكان خطيبي اليمني هناك لاستقبالنا. انطلقنا بالسيارة في طرقات المدينة، ولاحظت ازدياد ازدحام الشوارع بالرجال تدريجياً. الدكاكين تُغلق أبوابها على عجل وسياراتٌ تسرع في اتجاهات مختلفة ورجالٌ أفواههم منتفخة يحملون أكياساً خضراء. بعضهم يعلّقها على الخنجر اليمني "الجنبية" المربوط بحزام حول الخصر، وبعضهم يحملها بيده. سألتُ خطيبي باستغراب: "ما بالُ هؤلاء الرجال أفواههم منتفخة؟" فقال: "إنه القات، عزيزتي".

في أكتوبر 1990 أُقيم حفل زفافنا، وفي أول يوم لنا في البيت، جاء زوجي بكيسٍ مليءٍ بعيدان القات، وجلس ليبدأ التخزين (مضغ الأوراق ثم تجميعها في جانب الفم لامتصاص عصارتها)، ثمّ التفت إلي قائلاً: "جرّبي". في البداية لم استسغ فكرة أن أملأ فمي بأوراق القات وأمضغها ساعات. لكن مع إلحاحه خضتُ التجربة. لم يعجبني مذاقه، غير أنّني مع مرور الوقت اعتدته حتى وجدت نفسي أشارك زوجي جلسات القات بانتظام. وبعد ثلاثة أشهر، دعتني إلى جلسة قات صديقةٌ يمنية أعرفها منذ الطفولة. 

لبَّيت دعوتها إلى الجلسة المسماة "مقيل"، المُقامة في بيتٍ يمنيٍ موغلٍ في القِدم في صنعاء القديمة. دخلت إلى مجلس القات في غرفة الديوان وهي صالة واسعة مفروشة على طراز المجلس العربي وتوجد في معظم بيوت اليمن. ومنذ ذلك الحين بدأتُ أتعرف إلى هذا العالم عن قرب، وفهمت دور القات الاجتماعي والاقتصادي المركَّب في الحياة اليومية لليمنيين. إذ يشكّل القات إطاراً ثابتاً لتنظيم الوقت وبناء العلاقات، أكثر من كونه نبتة تمنح متناوِلها شعوراً بالنشوة ساعات. إذ تتحول جلساته مساحةً غير رسمية تُدار فيها شؤون العمل وتُتداول الأخبار، وتُعاد صياغة الروابط بين الأفراد. 

في المجلس الذي دعتني إليه صديقة يمنية بعد مرور عام على وصولي إلى اليمن، بدأت أختبر هذا العالم عن قرب. كانت النساء تجلس متجاورات، يفصل بين كل امرأة وأخرى متكأٌ يُسنَد عليه، وأمام كل شخصين وعاء ماء ومطفأة سجائر. وفي وسط الغرفة وُضعت "المداعة"، وهي نرجيلة تصنع خصيصاً لتلائم مزاج اليمنيين وتلازمهم في جلساتهم.  

عبر النوافذ المزخرفة والزجاج المعشق بألوان زاهية، تسلّلت أشعة الشمس الدافئة وجلسنا نستأنس بالكلام حتى المغيب. النساء من حولي يتحدثن بنبرة ليّنة، ورائحة البخور تفوح في أنحاء البيت مختلطة برائحة الشاي بالحليب. ثم بدأت أوراق القات الخضراء توضع في الأفواه وتملؤها لتُمضغ ببطء. آنذاك شعرتُ أنّ عقارب الساعة توقفت والأحاديث تمدّدت. 

لم يكن هذا الشعور جديداً عليّ، فبعد عام من زواجي، كان التخزين قد استحال طقساً أساساً في حياتي الزوجية، يجمعني بزوجي في جلسات هادئة تتكرر كل مساء. نجلس متجاورين، ويلين الوقت بيننا، فتخرج الكلمات بخفة. في إحدى تلك الجلسات، سألني عن أسرار خبأتها منذ الصغر، عن أشياء ظننتها طُويت إلى الأبد، قائلاً إنه يريد أن يعرفني كما لم يعرفني أحد من قبل. ومع كل إجابة كنت أزيح حجراً من جدران صمتي، حتى وجدتني أروي له كل ما مررت به، وكأنني أرتب حياتي من جديد.

كانت جلسات القات تساعدنا على إذابة مشاكلنا، نأتي إليها في المساء فينساب الهدوء بيننا ببطء، ويصبح معه العتب أقلّ قسوة، وتخفّ حدّة الخلافات لتتلاشى شيئاً فشيئاً. وكأن القات يمنح الكلمات نعومةً إضافية أو يمنحنا فسحةً نرى فيها بعضنا بصفاء أكبر. لعل هذا ما يدفع النساء في اليمن إلى مشاركة أزواجهن تلك الجلسات، لا بحثاً عن النشوة بل عن لحظة صفاء تفتح نافذة صغيرة للحياة لتتسلل منها الطمأنينة.

كنت أظّنها في البداية مجرّد عادة عابرة، لكن هذا الطقس غدا حاجة ملحّة تفرض حضورها يومياً مع مرور الوقت. عندها أدركت أنّ الأمر تجاوز حدود العادة إلى الإدمان. ومع تكرار هذه الجلسات في حياتي اليومية، صار واضحاً لي أنّ القات ليس فعلاً لحظياً، بل طقساً كاملاً يتشكّل بمراحل متتالية. تبدأ طقوسه بالذهاب إلى سوقه لانتقاء أفضل نوع تسمح الميزانية بشرائه، ثمّ غسله وتجهيزه وإعداد المجلس وإطلاق البخور وتحضير القهوة والشاي بالحليب. في المرحلة الأولى، تسود أجواء المزاح والانشراح، ويكون المخزِّنُ لطيفَ المزاج. ثم تمتلئ الأفواه تدريجياً فيسود الهدوء، وتبدأ النقاشات العامة. أما المرحلة الأخيرة، حين يبلغ الامتلاء ذروته، فيخيّم الصمت ويغوص كل شخص في شرودٍ وتأملٍ وتتولَّد أحلام كثيرة. تُسمّى هذه الحالة "الخدّارة"، وتعني بلوغ نشوة القات، عندها يشعر المُخزِّن بأنّ الزمن توقّف، قبل أن يعود لاحقاً إلى عمله بنشاط حتى يحين وقت التخزين التالي. 

تعلمت في تلك الجلسات أن المقيل لليمنيين ليس مجرد سبيل للخدر، بل فضاء اجتماعي تتشكّل فيه العلاقات وتُتداول فيه الأخبار غير الرسمية وتناقش داخله فرص العمل وحتى ترتيبات الخطوبة والزواج.

واستمرت تجربتي مع هذه الجلسات طوال إقامتي الأولى في اليمن التي امتدت خمس سنوات، حضرت فيها مجالس قات متكررة. شكّلت هذه التجارب جُل ذاكرتي عن البلد الذي غادرته مع زوجي لاحقاً لأقطارٍ شتّى. ولكن كثرة المشاكل التي فاقمها غياب القات مع إدماننا إياه، أدَّت في نهاية المطاف إلى انفصالنا.

وبعد عشرين عاماً، عدت إلى اليمن للعيش مع أولادي. خرجتُ من مطار صنعاء وركبتُ السيارة مع ابني، وجلتُ في الشوارع فشعرتُ وكأنني فارقتها أمس. كلُّ شيء على حاله تقريباً. العادات والطقوس ذاتها. ورجالٌ في الشوارع ما زالت أفواههم ممتلئة بالقات. كأنَّ اليوم نفسه يتكرر في حلقة واحدة لا تنكسر. ووجدتني أتساءل، لماذا لم تتغيّر عادات القات وطقوسه، وبقيت علاقة كثير من أهل اليمن مع هذه النبتة على حالها مع مرور عشرين عاماً.

طرحت السؤال على أستاذ الأدب والنقد الحديث في جامعة الملك خالد في أبها، إبراهيم أبو طالب، الذي كتب مقالات عدة عن القات وآثاره الاجتماعية وحضوره في الإنتاج الأدبي اليمني. فرجَّح أن استمرار طقس الاجتماع اليومي لتخزين القات مع التحولات الاقتصادية والسياسية التي مر بها اليمن، يعود لأن اليمنيين يرونه من العادات والتقاليد المألوفة التي لا يستشعرون منها ضرراً. ويعتقد أن تراجع دور القات في حياة اليمنيين مرهونٌ بوجود وسائل اجتماع بديلة فاعلة. ويتحقق ذلك برأيه بدعم مجالات العلم والرياضة وإنشاء مراكز التدريب والتأهيل والأندية الثقافية والملتقيات الشبابية، و"غيرها من الفضاءات التي تملأ الفراغ بما هو نافع وجاذب ومقنع. غير أنّ ذلك يظلّ مشروطاً بوجود استقرار سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي حقيقي". 

ويشير أبو طالب إلى أنّ اليمني حين يغادر بلاده ويقيم في الغربة، تغيب عن ذهنه مسألة القات ومقايل التخزين الجماعية، لأنّ الأمر في جوهره عادةٌ مجتمعية وليس سلوكاً فردياً. لذلك يتأقلم سريعاً مع الحياة من دون تخزين القات. لكنه ما إن يعود، حتى يستعيد تلقائياً هذا السلوك مسايراً مَن حوله، لاسيما أنّ المهنئين بعودته يتوافدون حاملين أعواد القات وأغصانه.

ويوضح أبو طالب أن "المقيل" من أطول الجلسات التي يقضيها اليمني في يومه، إذ قد تمتد إلى أكثر من ست ساعات يومياً، "وفيه تُنجز أعمال كثيرة، وتُعقد صفقات تجارية ووظيفية واجتماعية". ويشير إلى أنّ ما يجري في المقيل، يغلب عليه طابع البساطة وعدم التكلّف والأريحية في الحديث، بما يذيب الكثير من الفوارق الاجتماعية والطبقية والرسميات. إذ قد يلتقي الوزير والمدير والمسؤول والمرؤوس والرئيس في مكان واحد. وتُعقد فيه مناسبات كثيرة مثل الخطبة والزواج وحلّ القضايا الاجتماعية المختلفة.

والقات، الذي يحتل هذا الحضور الكثيف في الشارع والبيت والمجلس، ليس مجرّد أوراق تُخزَّن في الفم، بل نبتة لها طقوسها وتاريخها وأنواعها وخصوصيتها المحلية.

تنمو نبتة القات في شجيرات متفاوتة الأحجام، لونها أخضر فاتح لامع. ولكل منطقة في اليمن قاتُها المميز بعلامته في البيع والشراء. النبتة المستهلكة في جلسات المقيل تُسمّى "الغصن". وبرز عن هذا الاسم غناءٌ يتغنّى به الشباب عتاباً لمن يميلون إليهم ولم يتحقق الوصال، يقول: "يا غصن قات خلقة كيف أقطفك [. . .] والناس عليك حلقة". وكلمة "خلقة" في اللهجة اليمنية تعني جميل المنظر.

ظلّ توقيت اكتشاف القات أو دخوله إلى اليمن موضع اختلاف بين الباحثين. فبعض الدراسات تعيده إلى ما قبل ظهور الإسلام، وبعضهم يرى أن انتشاره كان في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، وآخرون يحددونه في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، وفق ما يرد في دراسة لمحمد عباد وعلي حنيش، بعنوان "الآثار الاقتصادية والاجتماعية والصحية لزراعة القات"، نُشرت سنة 2025.

وفق الدراسة نفسها، استخدم القات في البداية ضمن نطاقٍ محدود، واقتصر حضوره على بعض الأوساط الصوفية لأنه يساعد على السهر والتعبّد. وكان يُزرع حينها على مساحات ضيّقة من الأراضي الزراعية. ومع مرور الزمن، اتّسعت رقعة زراعته وانتشر على نطاق واسع بين مختلف طبقات المجتمع، وبين الرجال والنساء على حدٍّ سواء.

وتقول الكاتبة مارين بوارييه، في بحثها "تشوينغ ألون؟ ذا ترانسفورماشن أوف قات كونسمبشن إن يمن" (المضغ وحيداً؟ تحولات استهلاك القات في اليمن) المنشور سنه 2023، إنّ استهلاك القات أصبح واسع الانتشار في اليمن منذ ستينيات القرن العشرين، إلى درجة أنه أصبح بمثابة "مؤسسة وطنية".

يقول الباحث عبد الله علي الزلب في دراسة بعنوان "القات في اليمن بين القبول الاجتماعي والتوظيف السياسي والهيمنة الاقتصادية"، إنّ القات اكتسب في الثقافة اليمنية المعاصرة، مشروعية دينية وسياسية واجتماعية. بينما يقارن الباحث الفرنسي والرئيس السابق للمركز الفرنسي للدراسات اليمنية، جان لامبير مجالس القات في صنعاء بالصالونات الأوروبية في القرن التاسع عشر، فهي محاولة لتحقيق توازن بين الحياة الخاصة والعامة، وفضاء تنشأ داخله ألفة اجتماعية خاصة.

لم يقتصر دور القات على الجوانب الاجتماعية والثقافية، بل امتد أيضاً إلى المجال السياسي. فقد أصبحت جلساته مساحات للنقاش السياسي والتعبير عن المواقف والأفكار المختلفة. وتشير ليزا ويدين في دراستها الميدانية "قات تشوينغ آز ببلك سرفِس إن يمن" (مضغ القات طقساً اجتماعياً في اليمن) المنشورة سنة 2019، إلى أنّ اليمنيين يمارسون شكلاً من الديمقراطية داخل مجالس القات. إذ تتخذ الكثير من هذه الجلسات طابعاً سياسياً، تُناقش فيها استراتيجيات وتُتداول معلومات عن الأحداث الجارية، وتتخذ قرارات في محاولة للتأثير في مسار السياسة. وتضم هذه المجالس مؤيدين ومعارضين، لتغدو بذلك منبراً حيّاً لتشكيل الهويّة السياسية.

في المقابل، يرى علي شعثان في حديثه للفراتس أن "من طرائف القات، أو بالأحرى نوادره اليومية، أن متعاطيه يحللون — عبر التجاذب الكلامي بين فريقين – قضايا الساعة على المستويات المحلية والإقليمية، بل والدولية أيضاً، مقدّمين تصورات وتوقّعات منها ما يصيب، لكنها في غالبها إسهاب في الحديث دون طائل". هذه التحليلات التي لا يتجاوز صداها غالباً نطاق المجلس، عايشتها وكنت جزءاً منها في بعض الأوقات. فمرةً تجادَل الحاضرون في شأن التحالفات العسكرية وكان كلٌ يقدم توقعاته بحرارة وجدية أمام واقع معقّد لم يكن أحد قادراً على تغييره.  

ويصف القاص والكاتب اليمني أحمد بن عفيف النهاري جلسة المقيل بأنها فضاء اجتماعي تقليدي تُدار فيه الأحاديث اليومية والسياسة والشعر والوساطات، حتى المصالح. ويضيف أنه تاريخياً، كانت هذه الجلسات مساحة للتواصل وتبادل الرأي في مجتمع شفهي، لكنها تحولت مع الزمن إلى عادة استهلاكية تُهدِر الوقت والطاقة والمال، بدل أن تكون مناسبةً للإنتاج الفكري أو الاجتماعي. ويتابع النهاري أنّ تعاطي القات في الماضي لم يكن عادة يومية، بل اقتصر على نهايات الأسبوع أو المناسبات، وكانت جلسات كبار المجتمع تبدأ بعد العصر وتنتهي مع الغروب. أما اليوم، فغالباً ما تمتد الجلسات حتى مطلع الفجر وتشغل حيزاً واسعاً من الوقت، ولا تحافظ على إنتاجيتها السابقة. ليصبح القات، من وجهة نظره، نباتاً مؤذياً.

اكتشفت أنا نفسي التناقضاتِ التي تحيط بتجربة القات. ففي الوقت الذي كنتُ أشعر فيه بسحرٍ خفي لتلك الجلسات، كنتُ أرى ساعاتٍ تُبتلع يومياً ومواردَ مائيةً تُستنزَف في زراعة القات بدل الغذاء، واقتصاد أُسر يترنّح تحت وطأة الإنفاق على عادة يومية.

ومن واقع تجربتي الشخصية، لمست ما يشير إليه النهاري من آثار اقتصادية لتعاطي القات، وأبرزها استنزاف دخل الأسرة. فالإنفاق عليه يستحوذ على نسبة ملحوظة من ميزانية الأسرة، ولاحظت ذلك بوضوح فترة إقامتي في اليمن مع زوجي. إذ كان شراء القات يتطلّب مخصصاً مالياً شبه يومي، وأحياناً يكون ذلك على حساب احتياجاتنا الأساس ومتطلبات المعيشة. وكانت بعض جلسات القات تمتد ساعاتٍ طويلة يومياً، ما يؤثر على ساعات العمل الفعلية ومستوى الكفاءة الإنتاجية. ومن هذه التجربة الصغيرة، صار واضحاً لي أن تأثير القات يتجاوز الحياة الفردية ليصل إلى المجتمع بأسره.

مع اتساع رقعة انتشار القات ووصوله إلى مختلف طبقات المجتمع، لم يعد تأثيره محصوراً في الفضاءات التقليدية. ومن هذا المنطلق، ترى أستاذة اللغة العربية في جامعة صنعاء ورئيسة مؤسسة شهرزاد الثقافية، منى المحاجري، أن للقات تأثيرات سلبية على الأسر وأوضاعها الاقتصادية، وأنه يسهم في هدر الوقت. ولاحظت الأستاذة الجامعية أن القات تحول إلى مَهرب لدى شريحة من الشباب خصوصاً في فترات الامتحانات، بذريعة المساعدة على التركيز والبقاء مستيقظين، وهروباً من واقع البطالة وتغييباً لمسببات الضغوط النفسية بدلاً من التعامل معها.

ويقول الكاتب المتخصص في التراث اليمني رفيق الرضي للفراتس، إنّ "الساعات الطويلة التي يقضيها اليمني في مضغ القات ليست وقتاً معلّقاً خارج الإنتاج والحياة اليومية فحسب، بل هي أيضاً زمن منفصل عن الواقع". ويضيف "هذا الوقت المهدور لو استُثمر في العمل، كان من شأنه رفع مستوى الإنتاجية والمساهمة في تغيير الوضع الاقتصادي للبلد. فالساعات التي تلي الثانية ظهراً (وقت التخزين) تُعد في الغالب مهدورة".

ويطرح القات تساؤلات جدية عن تأثيراته الصحية، لاسيما مع تحوّله إلى عادة يومية لدى فئات مختلفة من المجتمع. وفي هذا الإطار، توصّلت الباحثة نهيل الحاج، في دراستها التطبيقية عن مضغ القات بين موظفي جامعة العلوم في صنعاء، بعنوان "آ ستادي أوف أسوسييشن أمنغ بودي كومبوزيشن أند قات تشيوينغ.." (دراسة عن العلاقة بين تركيب الجسم ومضغ القات..) المنشورة سنة 2024، إلى أن أوراق القات تحتوي على مواد كيميائية ذات تأثيرات دوائية قوية. منها الكاثينون والكاثين والنورإيفدرين، وهي مواد منبّهة تُحدث تأثيرات نفسية وعصبية. وتوضح الدراسة أنّ القات يحتوي على أكثر من أربعين مركّباً كيميائياً مختلفاً، يُطلق نحو 90 في المئة منها أثناء المضغ. وبحسب الدراسة، يؤثر تعاطي القات في الجهازين الهضمي والبولي، فضلاً عن العجز الجنسي وفقدان الشهية وأمراض القلب.

وفي سياق مشابه، أظهرت دراسة ميدانية لنبيل جنيد، ومحمد سهيل، وصالح عبد الله غورسيد، بعنوان "هابتشوال قات تشوينغ إز لينكد ويذ نيورتك ديبريشن [. . .]" (تخزين القات وعلاقته بالاكتئاب العصابي[. . .]) المنشورة سنة 2025، أنَّ نسبة الاكتئاب لدى مخزِّن القات أعلى مقارنةً بغير المخزنين. ولا تخلو حالات التخزين من اضطرابات نفسية، فضلاً عن أمراض اللثة والانحلال الفموي الناتج عن المضغ المتواصل لساعات طويلة، وما يسببه من تآكل في الأسنان والتهاباتٍ خطيرة. وتشير الدراسة أيضاً إلى أن تخزين القات يرفع خطر الإصابة بالقلق، خصوصاً عند التخزين الفردي. ويسبب ارتفاع ضغط الدم وتسارع ضربات القلب، إضافة إلى التهابات في المعدة والمريء. كذلك، يقلل من الإنتاجية، ويؤدي إلى اضطرابات في النوم عند التوقف عن التخزين. وتخلص النتائج إلى أنّ هذه الأعراض تتراجع عند التوقف عن تخزين القات.

وأثناء إقامتي في اليمن لاحظت أنه نادراً ما يخلو بيتٌ يمنيٌّ من شخص يخزن القات يومياً، ما جعله حالة خاصة من الإدمان الجماعي بين الشعب. وفي العقود القليلة الماضية، كان تخزين النساءِ القاتَ أمراً مرفوضاً اجتماعياً، إذ اقتصرت مشاركتهن على المناسبات الاجتماعية، لاسيما الأسرية منها، مثل الأعراس والولادات ومجالس العزاء. غير أنّ السنوات الأخيرة شهدت تزايداً ملحوظاً في تعاطيه بين النساء والفتيات. ولمستُ أيضاً كيف يمكن للقات أن يعيد ترتيب أولويات البيت من حيث لا نشعر، فيتقدم على حاجات الأسرة ويؤجَّل بسببه كثير من الخطط والطموحات. 

لا بد بعد معرفة كل تلك المخاطر والآثار الاقتصادية السلبية أن يتساءل المرء، لماذا لم تتحرك السلطات اليمنية على تبدلها لمواجهة انتشار العادات اليومية لتخزين القات. شغلني السؤال وصرت أسعى لفهم اقتصاديات القات وعلاقتها بالمخاطر الاقتصادية التي يواجهها اليمن منذ عقود. لأجد أن القات أصبح مصدر رزقٍ للمنخرطين في زراعته والعاملين في تداوله. 

تفرض الدولة ضريبة مبيعات على القات، استناداً إلى المادة رقم 13 من قانون الضرائب رقم 70 لسنة 1991. وتنصُّ المادة على فرض ضريبة على الكميات المستهلكة، بما فيها الكميات غير المخصّصة للبيع. وبناءً على ذلك، تتّخذ الدولة اليمنية موقفاً سياسياً مزدوجاً إزاء القات، فمن جهةٍ تعترف رسمياً بأضراره الصحية والاجتماعية والاقتصادية، وتنظم برامج توعوية تستهدف توعية المواطنين بتلك الأضرار، ومن جهة أخرى تنظم تداوله ضريبياً مضفية عليه شرعية.

ومقابل اعتباره مصدر رزق للعاملين في دورة إنتاجه وتسويقه، يستهلك القات نسبةً كبيرة من دخل الأسرة، لاسيّما لدى محدودي الدخل. وبحسب ما تنقل وكالة "رويترز" في تقرير لها في يناير 2025، عن تقارير حكومية، فإن الإنفاق على القات يصل إلى نحو 35 في المئة من دخل الأسر اليمنية.

يقول الكاتب أحمد بن عفيف النهاري للفراتس، إنَّ معضلة القات في اليمن بالغة التعقيد، نظراً لتشابك أبعادها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. ويشير إلى أنّ ثمّة مواقف متباينة من القات. فالبعض يراه إيجابياً بحجّة عدم تحريمه شرعاً، وكونه – في نظرهم – حاجزاً أمام انتشار المخدّرات الأشدّ ضرراً، فضلاً عن دوره في تعزيز الروابط الاجتماعية وفتح فضاءات للنقاش والتفكير. ويتابع "غير أنَّ سلبياته لا يمكن إنكارها"، ومنها "الإفراط في قضاء ساعات طويلة في جلسات المقيل، وما يرافق ذلك من تفكّك أسري وتدهور في العلاقات العائلية نتيجة انشغال أفراد الأسرة بهذه الجلسات". هذه ليست توصيفاتٌ عامة ظاهرةً اجتماعية، بل تلامس تجربتي الشخصية، إذ ترك القات وجلساته آثاراً سلبية ثقيلة على علاقتي الزوجية. 

وتشير دراسة "الآثار الاقتصادية والاجتماعية والصحية لزراعة القات في اليمن" المُشار إليها سابقاً، إلى أنّ توسع زراعة القات أدى لتناقص المساحات الزراعية التي تحتلها المحاصيل الأخرى، وخاصة الحبوب والفواكه. بحلول سنة 2022 بات القات يحتل نحو 28 في المئة من الأراضي المروية، ويستنزف حوالي تسعمائة مليون متر مكعب من مياه الري سنوياً، وهو ما يعادل ربع كميات المياه المستخدمة للزراعة بالمقارنة مع المحاصيل الأخرى. ووفق الدراسة نفسها، تتوسع زراعة القات على حساب مزروعات مفيدة مثل البن والذرة والفواكه، نظراً لما تحققه من عائد ماديِّ سريع للمزارعين، فضلاً عن سهولة زراعتها وقدرتها على التكيّف مع قسوة المناخ، إذ تنمو على مدار العام.

على هذا النحو، تحوّل القات من عادة اجتماعية إلى عائقٍ تنموي، ومن طقسٍ للتواصل إلى ما يشبه ثقافة استنزاف. وعلى الأضرار الصحية والاقتصادية والاجتماعية المترتبة على زراعته وتخزينه، إلا أنَّ انتشاره مستمر وفق تقرير لمنظمة الصحة العالمية بعنوان "كونتري كوبريشن ستراتيجي فور دابليو أتش أو أند ذا ريبابلك أوف يمن" (استراتيجية التعاون لمنظمة الصحة العالمية والجمهورية اليمنية) عن الفترة بين سنتي 2008 و2013. ويقدّر التقرير أن 70 إلى 90 بالمئة من الذكور البالغين، و30 إلى 50 بالمئة من الإناث البالغات، و15 إلى 20 بالمئة من الأطفال دون سن الثانية عشرة يخزنون القات يومياً. 

وفي مفارقة لافتة، لم تلقِ الحروب المتتالية والأزمات الخانقة بظل يذكر على تجارة القات في اليمن، إذ استمرّت بوتيرة طبيعية، بل وازدادت مساحات زراعته في العقود الأربعة الماضية واحداً وعشرين مرة، وفق دراسة "الآثار الاقتصادية والاجتماعية والصحية لزراعة القات". وتذكر وكالة "رويترز" في تقرير لها سنة 2015 بعنوان "دسبايت كونفلكت، قات إز آوت ذا باغ إن يمن" (رغم الصراع، القات متاحاً في اليمن) أن الحرب في اليمن لم تمنع المقاتلين من الاستمرار في عادة مضغ القات في النهار، حتى في مواقع الاشتباك. إذ يضع المتحاربون من كلا الطرفين بنادقهم جانباً منذ الظهيرة حتى صلاة المغرب، ليستمتعوا بتأثير القات. ويظهر ذلك جانباً من واقع الحياة اليومية في ساحة المعركة، إذ قال أحد المقاتلين للوكالة: "في ظلّ ظروف الحرب، وما يصاحبها من ضغوط وانفجارات، يبقى القات الشيء الوحيد الذي يمنحنا قدراً من السكينة والراحة".

وفي ظل الظروف الاقتصادية الضاغطة والحروب المتتالية، وجد اليمني في القات متنفساً يومياً. ففي غرفة مغلقة يصنع المجتمع اليمني فضاءً شبه مثالي، يوفّر تواصلاً إنسانياً مؤقتاً وسط واقع قاس. يتحول الصمت في هذه الجلسات إلى مساحة حوار أعمق، وتصبح الكلمات جسوراً تربط بين الأفراد والعالم الخارجي. هذا الفضاء المتوهَّم يمنح مرتاديه شعوراً مؤقتاً بالطمأنينة والتواصل، ويخلق لحظات من الهدوء وسط الفوضى اليومية. ربما البعض يراها تغييباً عن الواقع وشعوراً بالراحة يغفل عن التحديات الحقيقية اليومية التي يواجهها الأفراد.

يتجاوز القات كونه مجرّد نبتة خضراء تُمضَغ أو عادة اجتماعية تُمارَس، إنّه مرآة تعكس علاقتنا بذواتنا وبالآخرين، وبالمكان والزمان. ففي جلسات القات يتباطأ الوقت، يتمدّد وينكمش مثل شريط مطاطي. 

وبعد أن عشتُ أبعاد هذه الظاهرة في سياقها الطبيعي في قلب المجتمع، وغادرت البيوت اليمنية تاركةً خلفي دخان المداعة ورائحة القات وضحكات النساء، حملتُ معي أكثر من مجرّد ذكريات. حملتُ فهماً أعمق لمعنى الانتماء، وقيمة الوقت حين يُقضَى مع من نُحبّ. كان ذلك درساً في فنِّ التوقّف، وتأكيداً على أنَّ الثقافة لا تُفهم من الخارج، بل تُعاش من الداخل. تعلَّمتُ أن أصغي أكثر، وأتحاور مع تناقضات هذا البلد العجيب. فاليمن بكل ما يحمله في طيّاته من حكايات، لا يبوح بأسراره إلا لمن يجلس ويمضغ، وينتظرُ حتى يتمدَّد الوقت.

تتزاحم في ذهني أسئلة كثيرة، لعلّ أبرزها، كيف يمكن التعامل مع هذه الظاهرة بطريقة تحترم الخصوصية الثقافية والتاريخية لليمن، وفي الوقت ذاته تمهِّدُ لمستقبل أكثر صحةً واستدامة. لعلَّ الإجابة عن هذا السؤال ستتشكَّل بقدر وعي الأجيال القادمة، وبمدى استعدادها لإعادة التفكير والتغيير.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير