الأنباط -
عمر كلاب
لا يمكن سحب الحالة الاردنية او مقارنتها مع حالات عربية واجنبية, في ملف الاسلام السياسي, فالاردن تعامل مع الجماعات والاحزاب ذات التوجه الديني, بمنطق عقلاني رشيد طوال عقود سابقة, وكانت العلاقة مع هذه التيارات اقرب الى المثالية, من حيث تبادل المنافع والغايات, ومع تبدل المواقع والمواقف, بعد انهيارات كونية لمنظومة الفكر الاشتراكي, وسقوط انظمة الفكر القومي, لم تعد الغاية السابقة قائمة, وبات واجبا اعادة منهجية العلاقة, بما استجد من امور.
لم تجرِ المراجعة وفقا لمنهج سياسي, يضع مصلحة الدولة في المقدمة, فثمة عقل في السلطة, كان ينتظر لحظة انقلاب على التيار الديني, وثمة عقل في التيار الديني, وسّع دائرة مخياله الحزبي, حد المطالبة بالسلطة التنفيذية, بعد ان رأى منامات الاقليم تتجه نحو التفسير السلطوي, في مصر والمغرب وتونس, فقد سقط كل الربيع العربي, في حضن السلطة القائمة وفي حضن الجماعات الدينية, بحكم فشل باقي التيارات السياسية, في تشكيل وحدتها او تنظيم صفوفها, فكانت النتيجة التي رأيناها, احزاب دينية تتقدم وافكار مدنية تتراجع, وسلطة تتقدم, بعد مشاهد الخراب والدمار واتساع دائرة الدول الفاشلة.
الطرفان, كانا يشتمّان رائحة النجاح, لذلك رفضت التيارات الدينية حوارا وطنيا شاملا, في لجنة كانت ستحقق الكثير من التقدم في الحياة السياسية لو شاركت, وقد سمعت من دولة الاستاذ طاهر المصري شخصيا, رئيس تلك اللجنة, واظن غيري سمع من الرجل, ان الفرصة ضاعت بفعل رغبة التيارات الدينية بالحوار الشارعي, ثم سمعنا من الراحل الدكتور فايز الطراونة, ردا مماثلا, حين قال لنا على مائدة غذاء في الديوان العامر, لما طلبناهم للحوار رفضوا ونحن نرفض الان, دعوتهم للحوار.
بهذه العقلية والروحية, لن تخرج الحالة السياسية من مرحلة الشد والاحتقان, بعد ان حمل كل طرف اوزارا واخطاءا, فقد قامت السلطة بخطأ منهجي, حين كافأت من يهاجمون التيار السياسي الديني, لانها بما فعلت, أوحت بأن الهجوم مدفوع الثمن, ففقدت المهمة استقلالها النظري والسياسي, وبالمقابل قامت التيارات بتقديم كل موتور في داخلها الى المقدمة, بل وحملت معهم كل موتور من خارجها, وتبنت خطابا مزدوجا, على الارض تشدد واضح, وفي الجلسات كلام ناعم ورطب, مما سمح لكل راغب بالتسلل الى الدخول والعبث.
الان ومع مرحلة التوازن المطلوبة وطنيا, يجب ان تُسد المنطقة الرخوة, فثمة عقل في السلطة, يجب ان يتخلى عن موقفه الرافض والمتشدد للخطوات التي يجريها التيار الديني السياسي, ليس لغاية الترطيب فقط او ايجاد التوازن المطلوب في العلاقة, بل لان غياب هذا الحزب وهذا التيار, ستكون كلفته عالية, ليس من بوابة غياب المبرر لكل الافعال السياسية المشكوك فيها في الانتخابات والتعيينات, ولا بحكم ان كثيرين سيتحولون الى عاطلين عن العمل, ان غاب التيار, بل لأن كثير من الكُلف العالية المجتمعية والسياسية, سيتم دفعها, فهذا لون مطلوب مجتمعيا, في حين ان الالوان الاخرى لم يتم تأصيل وجودها السياسي او تظهير دورها الوطني, الا من خلال مواجهة هذا التيار, مما افقدها قبولها وقبل ذلك افقدها مبرر الوجود اصلا, ان غاب التيار الديني.
اليوم تبدو الفرصة مواتية جدا, لاقامة علاقة سياسية, بين الجميع, ليس فيها استثمارات سياسية فرضتها اللحظات التاريخية السابقة, مما يعني ان اطلاق الحياة السياسية بكامل لياقتها وقيافتها ممكنة جدا, فثمة قانون للاحزاب توافقت عليه جميع التكوبنات السياسية, ومن يخرج من مظلته يخرج من حمايته, ويجب تطبيق القانون بعدالة ونزاهة على الجميع, واقفال ملف التشنج القائم حاليا.
omarkallab@yahoo.com