الأنباط -
الحرارة.. لاعب مؤثر في كأس العالم 2026
الخشمان: سلامة اللاعبين تفرض ثورة تنظيمية في كأس العالم
الأنباط – ميناس بني ياسين
لم يعد الحديث عن كأس العالم 2026 مقتصرًا على عدد المنتخبات غير المسبوق أو اتساع رقعة الاستضافة لتشمل ثلاث دول، بل دخل عامل المناخ وارتفاع درجات الحرارة بقوة إلى صلب النقاش العالمي حول البطولة، ففي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تستعد كرة القدم العالمية لخوض اختبار معقّد في صيف يُتوقع أن يكون من بين الأشد حرارة في تاريخ أمريكا الشمالية، ما يضع الاتحاد الدولي لكرة القدم والدول المستضيفة أمام تحديات تنظيمية وصحية غير مسبوقة.
تُقام البطولة خلال شهري يونيو ويوليو وهي الفترة التي تشهد ذروة الحرارة في عدد من المدن المستضيفة، خصوصًا في الولايات المتحدة والمكسيك، مدن مثل ميامي، هيوستن، دالاس، أتلانتا ومونتيري تُعرف بصيفها الحار والرطب، حيث قد تتجاوز درجات الحرارة في بعض الأيام 30 إلى 35 درجة مئوية، مع نسب رطوبة مرتفعة تزيد من الإحساس بالإجهاد الحراري. هذا الواقع المناخي دفع خبراء إلى التحذير من أن البطولة قد تتأثر بشكل مباشر، ليس فقط من حيث الأجواء العامة، بل من حيث سلامة اللاعبين وجودة الأداء داخل الملعب.
في هذا السياق أكد أستاذ الهندسة البيئية والخبير في قضايا المناخ عمر الخشمان أن ارتفاع درجات الحرارة يشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه كأس العالم 2026، خاصة أن بعض الدول المستضيفة تشهد موجات حر شديدة قد تؤثر بشكل كبير على مجريات المباريات، موضحاً أن تأثير الحرارة لا يقتصر على الظروف المحيطة، بل يمتد إلى صحة اللاعبين وسلامتهم ومستوى أدائهم البدني والذهني، مشيرًا إلى أن الإجهاد الحراري يؤدي إلى فقدان السوائل بسرعة، وزيادة خطر الإصابات العضلية، وانخفاض القدرة على الجري والتركيز مع مرور وقت المباراة.
وتتفق هذه الرؤية مع ما تشير إليه دراسات الطب الرياضي التي تحذر من أن اللعب في درجات حرارة مرتفعة يضاعف العبء البدني على اللاعبين، حتى أولئك الذين يتمتعون بلياقة عالية، كما أن الحرارة المرتفعة تؤثر على سرعة اتخاذ القرار، ودقة التمرير، والقدرة على الحفاظ على النسق البدني طوال 90 دقيقة، ما قد ينعكس على جودة المنافسة نفسها.
أمام هذه التحديات برز توجه واضح لدى الجهات المنظمة، وفي مقدمتها الاتحاد الدولي لكرة القدم، نحو تعديل توقيت المباريات لتفادي ذروة الحرارة، وأشار الخبير عمر الخشمان إلى أن إقامة المباريات في ساعات الفجر أو الصباح الباكر، أو في المساء، أصبحت خيارًا مطروحًا بقوة بهدف ضمان بيئة أكثر أمانًا للاعبين والحكام وجميع المشاركين ويرى أن هذا التوجه يعكس بشكل مباشر تأثير التغير المناخي على تنظيم البطولات الرياضية، ويؤكد أن كأس العالم 2026 قد يكون نموذجًا جديدًا في كيفية تكييف الأحداث الرياضية الكبرى مع الظروف المناخية المتغيرة.
هذا التوجه التنظيمي يفسر التوقعات المتزايدة بأن تُنقل بعض مباريات البطولة في توقيت فجرّي بالنسبة للجماهير في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث قد تبدأ بعض المواجهات في ساعات مبكرة جدًا من الصباح ورغم الجدل الجماهيري حول هذا الأمر، حيث ترى الفيفا أن أولوية صحة اللاعبين وسلامتهم تتقدم على الاعتبارات الزمنية للمشاهدين، خاصة في ظل تصاعد المخاطر المناخية.
وعلى مستوى الجاهزية أعلنت الفيفا عن اعتماد إجراءات وقائية إلزامية، من بينها فترات ترطيب خلال المباريات، وتقييم مستمر للظروف المناخية قبل تحديد توقيت كل مواجهة، كما أكدت اللجان المنظمة المحلية أن الملاعب المستضيفة تخضع لتحديثات تقنية تشمل أنظمة تهوية متطورة وتقنيات تبريد حديثة، في محاولة للتخفيف من تأثير الحرارة داخل أرض الملعب والمدرجات.
وأضاف الخشمان أن كأس العالم 2026 يمكن أن يتحول إلى نموذج عالمي للتعامل مع تحديات التغير المناخي، إذا ما تم تكييف تنظيم البطولة بشكل مدروس مع ارتفاع درجات الحرارة، وأوضح أن ذلك يشمل تغيير مواعيد المباريات إلى أوقات أقل حرارة، واعتماد فترات تبريد فعالة، واختيار ملاعب مجهزة بتقنيات تهوية وتبريد تضمن سلامة اللاعبين وتحافظ على جودة الأداء كما شدد على أهمية الإجراءات الصحية والوقائية في الحد من تأثير الحرارة على المباريات.
إلى جانب ذلك أشار الخشمان إلى أن البعد البيئي لا يجب أن يكون غائبًا عن البطولة، مؤكدًا أن اعتماد مفاهيم الاستدامة البيئية، واستخدام الطاقة النظيفة، وتقليل الانبعاثات الكربونية، يمكن أن يحول كأس العالم من مجرد حدث رياضي عالمي إلى نموذج متقدم يوازن بين الرياضة وحماية البيئة في ظل التحديات المناخية المتسارعة.
ما يعني أن كأس العالم 2026 لن يكون مجرد بطولة موسعة تضم 48 منتخبًا، بل محطة مفصلية في تاريخ الرياضة العالمية، حيث يلتقي التنافس الكروي مع أسئلة المناخ والصحة والاستدامة وبينما ينتظر الجمهور صافرة البداية، ستبقى حرارة الصيف عاملًا حاسمًا قد يفرض إيقاعه الخاص على البطولة، ويحدد إلى أي مدى تستطيع كرة القدم العالمية التكيف مع عالم يتغير مناخيًا بوتيرة متسارعة.