الأنباط - حصون الوعي وسيادة القانون: قراءة استراتيجية في الوقاية من الفكر المتطرف وتطوير المنظومة التأهيلية
بقلم: د. محمد كريشان
تأتي دماء شهداء الواجب الوطني لتضع المجتمع والمؤسسات أمام لحظة فارقة تتجاوز حدود الحزن والتعاطف، لتتطلب موقفاً استراتيجياً جامعاً وقراءة بعيدة المدى لأبعاد الظاهرة الإرهابية وتجلياتها. إن أي اعتداء يطال رجال أجهزتنا الأمنية البواسل ليس مجرد جريمة جنائية، بل هو استهداف مباشر للمنظومة المجتمعية والدولة برمتها. وتثبت الشواهد الحية أن المواجهة الأمنية الحاسمة —على أهميتها ووجوبها— تظل مرحلة علاجية لأعراض الفكر المنحرف، بينما تكمن الحصانة الحقيقية في تجفيف منابعه قبل ولادته، وبناء منظومة إصلاح وتأهيل صارمة ومقننة تمنع ارتداداته بعد احتجازه.
أولاً: الوقاية الاستباقية وتجفيف الجذور (قبل وصول الفكر إلى المجتمع)
يتطلب التصدي للفكر المتطرف معرفة الدوافع والأدوات التي ينفذ منها إلى عقول الشباب، واستهدافها بمعالجات جذرية:
* سد الفراغ الرقمي والمعرفي: يستغل أصحاب الفكر التكفيري المساحات الرقمية المفتوحة لاستقطاب الناشئة عبر خطابات دينية وسياسية معزولة عن سياقها المقاصدي. وتتطلب الوقاية بناء "مناعة رقمية" تشمل توفير محتوى بديل يكرس التفكير النقدي، وتفعيل التوعية الفكرية في المدارس والجامعات.
* الاحتواء المجتمعي والتمكين: يشكل الفراغ وتدني مستوى المشاركة الاجتماعية بيئة خصبة لاستنبات الشعور بالتهميش. ومن هنا تبرز أهمية توسيع قنوات العمل التطوعي، والأنشطة الشبابية والرياضية، والمبادرات التنموية التي تمنح الشباب الإحساس بالفاعلية والتمكين في مجتمعاتهم المحلية.
* التشخيص المبكر للانحراف السلوكي: بناء شبكات إنذار مبكر داخل المؤسسات التعليمية والأسرية والشبابية لرصد التغيرات السلوكية الحادة أو تبني الخطابات الإقصائية، والتعامل معها عبر جلسات إرشاد وتوجيه قبل أن تتحول إلى سلوك إجرامي أو تنظيمي.
ثانياً: المنظومة الإصلاحية داخل الأسوار (آليات التقييم والتأهيل)
عند القبض على المتورطين في القضايا الإرهابية أو حاملي الفكر التكفيري، يجب أن تخضع فترة محكوميتهم لبرامج علمية دقيقة ومتعددة الأبعاد داخل مراكز الإصلاح والتأهيل:
* التقييم النفسي والسلوكي الموحد والمقنن:
تطبيق مقاييس نفسية معتمدة عالمياً وأدوات قياس خطر العودة إلى الجريمة (مثل أدوات تقييم الخطورة واحتياجات إعادة التكيف)، لتحديد مستوى الاضطراب السلوكي أو حجم الدوافع الانتقامية الكامنة لدى النزيل، ومدى استجابته للأفكار المتطرفة.
* برامج المراجعات الفكرية والنقدية:
تخصيص جلسات حوارية ومناظرات علمية يُشرف عليها علماء شرعيون ومفكرون ومختصون في علم النفس الجنائي، تهدف إلى تفكيك العقد الفكرية الشاذة، وتفنيد الشبهات، وإعادة بناء المفاهيم الدينية على أسس السلم والمواطنة.
* آليات كشف "الاستجابة المصطنعة" والمصداقية:
للتمييز بين التغير الحقيقي والامتثال التظاهري بهدف نيل الإفراج المبكر، يجب اعتماد منهجية التقييم المتعدد (Triangulation)، والتي تدمج بين:
* الاختبارات النفسية والإسقاطية المكررة على فترات زمنية متباعدة.
* السجل السلوكي اليومي الموثق من قبل حراس وملاحظي المركز.
* تقارير الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين المتابعين للحالة بشكل دوري.
* قياس مدى تفاعل النزيل في المواقف الضاغطة أو الأنشطة الجماعية التنافسية.
* الحوكمة الشاملة ومنع الوساطة:
استناد أي قرار يتعلق بالتأهيل أو الإفراج الشرطي إلى توصيات لجنة تقييم مستقلة تضم أطباء نفسيين، وعلماء اجتماع، ومختصين قانونيين، وضباط إصلاح؛ مع إخضاع قراراتها لمعايير الشفافية التامة والمساءلة القانونية، بما يضمن عدم تدخل أي مجاملات أو وساطات في ملفات تتعلق بأمن المجتمع.
ثالثاً: الرعاية البعدية والدمج المجتمعي الآمن (ما بعد الخروج)
لا تنتهي عملية الإصلاح بإطلاق سراح النزيل، بل تبدأ مرحلة أكثر حرجاً تتطلب رقابة واعية ورعاية مستمرة:
* الرقابة والمتابعة الأمنية الفعالة: خضوع الأشخاص الذين أنهوا أحكامهم في قضايا الإرهاب لبرامج متابعة أمنية ودورية منتظمة، تتضمن تقييم أوساطهم الاجتماعية ونشاطهم الرقمي، وضمان عدم تواصلهم مع بؤر متطرفة.
* برامج الرعاية البعدية (Aftercare Programs): دمج المفرج عنهم في برامج تأهيل اقتصادي واجتماعي توفر لهم فرص عمل أو تدريباً مهنياً، لسد منافذ العودة إلى بيئات الجريمة نتيجة الفقر أو العزلة المجتمعية.
* إزالة الوصمة مع حفظ الأمن: التوازن الدقيق بين حماية المجتمع من الخطر، وتوفير مسار آمن لمن أثبت توبته وتخليه التام عن الفكر المتطرف ليكون عضواً نافعاً في مجتمعه.
إن حماية أرواح المواطنين ورجال الأمن هي مسؤولية وطنية تتطلب تكامل الدور الأمني مع العمل الفكري والمؤسسي. وستبقى راية الأردن مرفوعة برجالها الأوفياء، وعصية على كل فكر منحرف يستهدف استقرار الوطن وأمنه.