الأنباط -
لا نامت أعين الجبناء... الأردن أكبر من حقد العابثين بأمنه
هيفاء غيث
شهد وطننا الحبيب الأردن في الأيام الأخيرة جرائم نكراء لا تمتّ إلى أخلاق مجتمعنا وقيمه الأصيلة بصلة، جرائم امتزج فيها الغدر بالقتل والاعتداء، واستُبيحت فيها حرمة الأرواح، في مشاهد مؤلمة هزّت الضمير الإنساني وأثارت الغضب والاستنكار، حتى باتت كل عبارات الإدانة عاجزة عن وصف بشاعتها وحجم الألم الذي خلّفته في نفوس الأردنيين.
فما زالت جريمة الاعتداء الإرهابي على كنيسة القديس جورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، التي استهدفت أبرياء خلال مراسم تشييع، حاضرة في وجدان الأردنيين، بما خلّفته من ضحايا وجرحى وألم عميق، حتى فُجع الوطن بجريمة إرهابية جبانة أخرى أودت بحياة العريف جواد علي خلف السلايطة، أحد نشامى الأمن العام، الذي استُشهد أثناء أداء واجبه في العاصمة عمّان، إثر اعتداء غادر بأداة حادة. جريمتان بشعتان تؤكدان أن الفكر المتطرف لا يفرّق بين مواطن آمن ورجل أمن يؤدي واجبه، ولا يقيم وزنًا لحرمة النفس البشرية أو أمن المجتمع.
لا نامت أعين الجبناء... وشُلّت الأيدي التي تمتد غدرًا إلى الأبرياء، أو تعتدي على رجال أجهزتنا الأمنية ومؤسسات دولتنا، الذين نذروا أنفسهم لحماية الوطن وصون استقراره. فأي فكر منحرف هذا الذي يستبيح الدماء؟ وأي عقيدة مشوهة تبيح الاعتداء على دور العبادة ورجال الأمن والمواطنين الآمنين؟ ومن يخدم أصحاب الفكر التكفيري الآثم بأفعالهم الإجرامية؟ ولمصلحة من تُرتكب هذه الجرائم التي لا تحصد سوى الأرواح، وتزرع الحزن في البيوت، وتحاول النيل من أمن وطن طالما كان عنوانًا للاستقرار والأمان؟
إن استهداف دور العبادة أو رجال الأمن أو أي فرد من أبناء الشعب الأردني ليس مجرد جريمة بحق الضحية وحدها، بل اعتداء صارخ على المجتمع بأسره، وعلى أمنه وسلمه الأهلي. فالأمن حق أصيل لكل من يعيش على تراب هذا الوطن، على اختلاف أصولهم وأديانهم وانتماءاتهم، ولا يملك أحد الحق في تهديده أو العبث به.
وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إلى متى سنظل نفقد الأبرياء وخيرة أبناء هذا الوطن ونخبته من أطباء ومهندسين وأساتذة ورجال أمن، ممن يسهمون بعلمهم وعملهم وتضحياتهم في بناء الأردن وحماية مقدراته؟ وإلى متى ستظل أسر أردنية تدفع ثمن أفكار إجرامية متطرفة تسعى إلى ضرب أسس المجتمع ونخر بنيانه من الداخل؟
إن هذه الجرائم تستوجب وقفة وطنية حازمة تتجاوز الإدانة والاستنكار إلى تطبيق القانون بأقصى درجات الحزم والعدالة، ومحاسبة كل من تثبت إدانته بأقصى العقوبات الرادعة. ومن هنا، نطالب بشدة بتفعيل عقوبة الإعدام بحق مرتكبي جرائم القتل والإرهاب الأشد خطورة، وفق أحكام القضاء وضمانات المحاكمة العادلة، تحقيقًا للقصاص والردع، وحمايةً لأرواح الأبرياء وهيبة الدولة.
فالمقولة المعروفة "من أمِن العقوبة أساء الأدب" تكتسب اليوم دلالة بالغة؛ إذ لا يجوز أن يشعر من يخطط لسفك الدماء أو ترويع الآمنين بأنه بمنأى عن المحاسبة، أو أن تتحول حياة الأبرياء إلى ثمن تدفعه أسرهم نتيجة التهاون في مواجهة الجريمة والتطرف.
وفي المقابل، فإن حماية الوطن تستدعي مواجهة الفكر التكفيري من جذوره، وتجفيف منابع التحريض والكراهية، وتعزيز دور الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية في ترسيخ قيم المحبة واحترام الحياة الإنسانية وسيادة القانون.
وفي خضم هذه التحديات، تبقى ثقتنا راسخة بقيادتنا الهاشمية الحكيمة، وعلى رأسها جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه، الذي نعتز بحكمته وشجاعته وحرصه الدائم على صون أمن الأردن وكرامة أبنائه. ونؤكد اعتزازنا بقيادته وثقتنا بقدرته، بعون الله، على قيادة الوطن في مواجهة التحديات والحفاظ على وحدته واستقراره، مستندًا إلى وعي شعبه وإخلاص مؤسساته الأمنية وجيشه الباسل.
إن الأردن أكبر من أن تنال من وحدته فئة ضالة، وأقوى من أن تهز استقراره أيادٍ اعتادت الغدر والاعتداء. فهذا الوطن الذي قام على التلاحم والتكافل والمحبة لن يكون ساحة للفكر الظلامي، ولن يسمح أبناؤه بأن تصبح قيم الأمن والوحدة الوطنية ضحية للتطرف والإرهاب.
وإذ ننحني إجلالًا لأرواح الضحايا الأبرياء، ونقف احترامًا لتضحيات رجال أجهزتنا الأمنية، وفي مقدمتهم شهيد الواجب العريف جواد السلايطة، فإننا نؤكد أن دماءهم ليست أرقامًا في نشرات الأخبار، ولا أحداثًا عابرة تُنسى بانتهاء الحديث عنها، بل أمانة وطنية تستوجب العدالة والمساءلة والعمل الجاد لمنع تكرار هذه المآسي.
لا نامت أعين الجبناء... ولا رحمة بفكر يستبيح دماء الأبرياء، ولا تهاون مع من يعبث بأمن الأردن وسلامة أبنائه.
سيبقى الأردن وطنًا عصيًّا على الفتنة، شامخًا بقيادته الهاشمية ووحدة شعبه ويقظة مؤسساته، وستظل أرواح أبنائه وكرامتهم خطًا أحمر لا يجوز المساس به.
حفظ الله جلالة الملك عبد الله الثاني، وسدّد خطاه، وحمى الأردن وشعبه، ورحم شهداء الوطن وأرواح الأبرياء، وادام على وطننا نعمة الأمن والأمان.