البث المباشر
القوات المسلحة: خدمة العلم إلزامية وعقوبات التخلف عن أدائها قد تتجاوز مدة الخدمة نفسها معالي هايل داوود والأديبة سارة السهيل والقس سامر عازر يحاضرون في اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين… في ندوة بعنوان تسامح الأديان في وطن الأمن والأمان. شيحان الصحيفة والجبل التاريخي إعداد القيادات الشبابية يختتم المرحلة الخامسة من برنامج “تكنو شباب ريادي” البنوك الرقمية ... معاملات بالمليارات وتحديات أمنية تختبر ثقة العملاء الهيئة العربية للبث الفضائي والرقمي تتسلّم جائزة التميز الإعلامي من جامعة الدول العربية المجلس الوزاري العربي للمياه في القاهرة يدين العمل الاجرامي في الكرك كل اسبوع مدرب...في دوري المحترفين! هل ندخل كتاب غينيس....؟ صلاح محمد مسعود النابلسي في ذمة الله الأردن يحقق إنجازًا عربيًا بتسجيل متحف السلط التاريخي على سجل الألكسو للتراث المعماري والعمراني ملصق للمصمم الأردني فراس الخفش يمثل المملكة في مهرجان دولي للفن والتصميم بإندونيسيا من الانتماء العشائري إلى القبيلة الكروية وزير السياحة ورئيس لجنة بلدية السلط يبحثان تطوير الوسط التاريخي وحماية تراث المدينة افتتاح المبنى الجديد للمكتب العربي لشؤون المخدرات والجريمة دعماً للعمل الأمني العربي المشترك إلغاء المباراة الودية بين الأردن وإندونيسيا Kazakhstan Prepares for High-Level Diplomatic Week with International Leaders المنطقة العسكرية الشرقية تحبط محاولة تهريب كمية كبيرة من المواد المخدرة مديرية الأمن العام تدعو إلى أخذ الحيطة والحذر خلال الأحوال الجوية الملك يغادر أرض الوطن متوجها إلى كازاخستان كتلة باردة تؤثر على المملكة وامطار الجمعة والسبت

من الانتماء العشائري إلى القبيلة الكروية

من الانتماء العشائري إلى القبيلة الكروية
الأنباط -
د. أيوب أبو دية

صحيح أن تركيبة المجتمع الأردني عشائرية، حتى العرب المسيحيين ينظر إليهم كعشائر متحالفة مع عشائر مسلمة أخرى، فمثلا أنا أنتمي الى عشيرة الديّات في الفحيص، والديّات فخذ من عشيرة السميرات الأكبر التي ترتبط بتحالفات مع عشيرة العواملة في السلط وعشائر العدوان وعبّاد في البلقاء، وهكذا. فعندما حدثت الجريمة النكراء في كنيسة الشهداء بحمود كان اعتداء على عشائر الكرك جميعها. هذا ما لا يفهمه الجاهلون!

وقد لفت صديق انجليزي لي اسمه ديفيد ركس خلال زيارتي الأخيرة لمانشستر عندما ناقشنا قضية جريمة حمود وارتباط عشيرة الهلسا بعشائر الكرك عامة، وأن الهجوم لم يكن على الكنيسة بقدر ما كان على الكرك خاصة والأردن عامة، لم يستغرب ديفيد ذلك بل قال إن في مانشستر عشائر أيضا بعدد فرق كرة القدم، وأي اعتداء على أحدها هو اعتداء على مشجعي الفريق أولا، ثم مانشستر ثانيا وإنجلترا ثالثا.

دهشت من تلك الإجابة وتفاجأت من التقارب في المقارنة في العقلية الإنجليزية بين جريمة حمود وافتراض الاعتداء على فريق كرة قدم في مانشستر!

قد يبدو تشجيع كرة القدم، للوهلة الأولى، مجرد ميل رياضي إلى فريق دون آخر، أو إعجاب بلاعب يتميز بمهارته، لكن التعمق في علم الاجتماع يكشف أن المسألة أعمق من ذلك بكثير؛ إذ قد يتحول النادي الرياضي إلى هوية جماعية تشبه، في بعض جوانبها، الانتماء إلى العشيرة أو القبيلة أو الجماعة المحلية.

فالإنسان لا يعيش بوصفه فردا مستقلا فحسب، بل ينتمي إلى دوائر متعددة من الهوية: الأسرة، والعشيرة، والمنطقة، والمدينة، والإقليم، والدين، والمذهب، واللادين، والوطن، والطبقة الاجتماعية، وغيرها. وعندما يختار فريقا لكرة القدم، فإنه قد يجد فيه امتدادا لبعض هذه الهويات، حتى إن لم يكن واعيا بذلك تماما.

ومن هنا يمكننا طرح فكرة تستحق التأمل: هل أصبحت بعض أندية كرة القدم في العالم بمثابة عشائر حديثة، تجمع حولها الأفراد وتمنحهم شعورا بالانتماء والتضامن والتميز عن الآخرين؟

في المجتمعات التي ما زالت تحتفظ ببنية عشائرية واضحة، مثل المجتمع الأردني، لا يقتصر انتماء الإنسان على أسرته الصغيرة، بل يمتد إلى عشيرته وفروعها وتحالفاتها. وتتخذ العشيرة أشكالا متنوعة، فقد تكون جمعية خيرية أو روابط لعائلات وأعراق ومذاهب اتخذت طابعا عشائريا لحماية نفسها، وما يرتبط بها من تاريخ وذاكرة وعلاقات اجتماعية.

والمهم هنا أن الإنسان يستطيع أن ينتمي إلى جماعات متعددة في الوقت نفسه؛ فلا يلغي انتماؤه الديني انتماءه العشائري، ولا يلغي انتماؤه الوطني روابطه المناطقية أو القومية. ومن هذه الزاوية يمكننا الانتقال إلى كرة القدم، حيث تتشكل جماعات انتماء قد تتجاوز أحيانا الروابط العائلية التقليدية، وتمنح أفرادها شعورا بأنهم ينتمون إلى أسرة كبيرة يجمعها شعار واحد ولون واحد وتاريخ مشترك.

تقدم كرة القدم الأردنية مثالا مهما على العلاقة بين الرياضة والهوية الاجتماعية، ولا سيما في المنافسة بين ناديي الوحدات والفيصلي. فقد ارتبط الوحدات تاريخيا بالهوية الفلسطينية لدى قطاعات واسعة من مشجعيه، بينما ارتبط الفيصلي بالهوية الأردنية ذات الجذور العشائرية شرقي النهر. ولكن ليس كل مشجع للوحدات فلسطينيا، وليس كل مشجع للفيصلي من عشائر شرق الأردن. فالناديان ليسا تعبيرا عن انقسام اجتماعي، بل هما مؤسستان رياضيتان وطنيتان لهما تاريخ وجماهير متنوعة.

وعندما ننتقل إلى مدينة مانشستر الإنجليزية، حيث زرتها مؤخرا، نجد صورة أخرى للظاهرة نفسها، وإن اختلفت عن النموذج العشائري التقليدي. فالتنافس بين مانشستر يونايتد ومانشستر سيتي ليس مجرد صراع على البطولات، بل يرتبط بتاريخ المدينة، وصورتها عن نفسها، والذاكرة الرياضية التي تكونت عبر أجيال. وقد يتنقل المشجعون من فريق إلى آخر بلا حرج.

وقد درس باحثون في علم الاجتماع والجغرافيا الثقافية كيف تُستخدم كرة القدم للتعبير عن الهوية المحلية، وهنا تظهر فكرة «العشيرة الكروية» بوضوح: لكل فريق رموزه وألوانه وأناشيده وأبطاله وذكرياته، ولكل جمهور روايته الخاصة عن تاريخ النادي وأحقيته بالفوز. فقد يشعر مشجع مانشستر سيتي بأن انتماءه إلى النادي يعبر عن صلته بالمدينة وأهلها، بينما يرى مشجع مانشستر يونايتد في ناديه تاريخا عريقا يتجاوز حدود المدينة إلى العالم. لكن هذه ليست قواعد مطلقة؛ فكلا الناديين يضم مشجعين محليين ودوليين من خلفيات اجتماعية مختلفة.

ليست هذه الظاهرة محصورة في الأردن أو إنجلترا، بل يمكن رصد أشكال مختلفة منها في عدد من البلدان، مع اختلاف أسباب الانتماء وحدود التشابه مع العشائرية. ففي حال بوكا جونيورز وريفر بليت في الأرجنتين فقد ارتبطت الروايات الشعبية بالتنافس الذي يعكس التفاوت في الطبقات الاجتماعية والأحياء الفقيرة.

وفي مصر تشكل المنافسة بين الناديين الأهلي والزمالك جزءا راسخا من الذاكرة الرياضية المصرية. وتنتقل محبة الفريق من الآباء إلى الأبناء، وتتحول إلى تقليد عائلي واجتماعي، وإن لم يكن الاختيار قائما على الانتماء العشائري بالمعنى المباشر. ولكن، لماذا يحتاج الإنسان إلى قبيلة، حتى في العصر الحديث؟

ويمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال علم النفس الاجتماعي. فالإنسان يميل إلى تصنيف نفسه والآخرين ضمن جماعات، ويستمد جزءا من صورته عن ذاته من الجماعات التي ينتمي إليها. ويُعرف ذلك بمفهوم الهوية الاجتماعية. فعندما يشجع الإنسان فريقا، فإنه لا يكتفي بتفضيل أدائه، بل قد يدمج النادي في تصوره عن نفسه. وعند الفوز، يشعر بالفخر والفرح، وعند الخسارة، قد يشعر بالإحباط أو يعتبر النتيجة إهانة لجماعته.

ولا يعني ذلك أن تشجيع كرة القدم يؤدي بالضرورة إلى التعصب. فالمنافسة قد تكون وسيلة للمتعة والتواصل وتكوين الصداقات، كما يمكن أن تتحول إلى ساحة لتغذية الانقسامات إذا استُخدمت الرموز الرياضية لتكريس التمييز أو الإقصاء. ومن هنا، لا يكمن الخطر في أن يحب الإنسان فريقه، بل في أن يجعل هذه المحبة معيارا للحكم على الآخرين أو سببا لرفضهم.

ولكن، هل تستطيع القبيلة الكروية أن تحل محل العشيرة التقليدية؟

ربما تكون هذه هي الفكرة الأعمق في المقالة. ففي المجتمعات الحديثة، تتراجع بعض أشكال الروابط التقليدية لدى قطاعات من الناس، بينما تظهر روابط جديدة قائمة على العمل والمدينة والجامعة والفكر والثقافة والرياضة والفضاء الرقمي، كما في إنجلترا مثلا، إذ يمكن للنادي أن يؤدي وظيفة شبيهة بالعشيرة في مجال محدد: أن يمنح الفرد هوية مشتركة، وجماعة يشعر بالتعاون معها، وتاريخا مشتركا، ورموزا يدافع عنها.

خلاصة القول، يحتاج الإنسان إلى الشعور بأنه جزء من جماعة، وأن له مكانا فيها، وأن هناك رموزا وذكريات تجمعه بغيره. فإذا غابت العشيرة، كما في مانشستر، يظهر الولاء للفريق، فتتكون جماعة من نوع آخر، ليست عشيرة بالدم، بل عشيرة بالولاء الرياضي. فمن الأردن إلى مانشستر، ومن برشلونة ومدريد إلى بوينس آيرس فالقاهرة، نرى أشكالا مختلفة من هذه الظاهرة، رغم أن بعض الأندية يحمل دلالات محلية وطنية، إقليمية، طبقية، أو دينية، بينما يرتبط بعضها الآخر أساسا بالتاريخ الرياضي والتقاليد العائلية. لكن الدرس الأهم هو أن الانتماء، سواء كان عشائريا أم رياضيا ينبغي ألا يغلّب العشيرة أو النادي على الوطن.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير