780 ألف طفل في الحسابات.. ومواهب تبحث عن طريقها إلى الملاعب الكبرى
الأنباط – ميناس بني ياسين
قبل أن يصبح اللاعب اسماً في تشكيلة المنتخب الوطني، أو رقماً في حسابات الأندية، تبدأ حكايته غالباً من ملعب صغير، وتدريب أول، ومباراة ينتظرها بشغف لكن بين تعلّم كرة القدم والوصول إلى المنافسة، تقف أسئلة الفرص والاحتكاك واكتشاف الموهبة، وهي المساحة التي يسعى "دوري حارتنا" إلى العمل فيها، واضعاً البراعم والأشبال في قلب تجربة رياضية تتجاوز حدود النتيجة والكأس.
وتنطلق المبادرة من رهان واضح؛ أن الاستثمار في مستقبل كرة القدم الأردنية يبدأ من توسيع قاعدة اللاعبين، وتوفير منافسات منظمة تمنحهم فرصة إظهار قدراتهم، وتضع الأكاديميات ومدربيها أمام تجربة مختلفة في إعداد اللاعبين وتطويرهم.
وقال أحد مؤسسي مبادرة "دوري حارتنا" مهند محادين إن الفكرة جاءت بعد دراسة أُجريت حول أعداد الأطفال من عمر 9 إلى 12 عاماً في مختلف أقاليم المملكة، من الذكور والإناث، أظهرت، وفق تقديرات الدراسة، وجود نحو 750 ألف طفل ضمن الفئة العمرية المستهدفة.
وأوضح محادين أن اختيار هذه الفئة جاء انطلاقاً من قناعة بوجود فجوة في البطولات المخصصة لها، وحاجة اللاعبين الصغار إلى مساحة تجمعهم، وتمنحهم فرصة الاحتكاك باللاعبين والمدربين، واستعراض مواهبهم ضمن بيئة رياضية منظمة.
ومن هذه الفكرة انطلقت المبادرة لإتاحة المجال أمام الآباء والمدربين للمشاركة بلاعبيهم وأبناء الأحياء المحيطة بهم، في محاولة لجمع أكبر عدد ممكن من اللاعبين ضمن منصة تعليمية رياضية تحاكي البطولات الكبرى في التنظيم، وتفتح أمامهم أبواب المنافسة والتعلم.
807 ألف طفل.. قاعدة تستحق الاستثمار
لا يتوقف الرقم الذي تستند إليه فكرة "دوري حارتنا" عند كونه تقديراً لحجم الفئة العمرية بل يسلط الضوء على مساحة واسعة من الإمكانات البشرية التي يمكن أن تشكل قاعدة مستقبلية لكرة القدم الأردنية، إذا توفرت لها برامج التدريب والمنافسة والرعاية.
وأكد محادين أن هدف المبادرة يتمثل في تطوير اللاعبين والأكاديميات من خلال نموذج يرفع مستوى التنظيم، ويشرك الشركات الراعية، ويدرّب المتطوعين على تنظيم المباريات، ويستعين بحكام معتمدين، بما يمنح المشاركين تجربة أقرب إلى أجواء المنافسات الرسمية.
وهنا تتجاوز قيمة البطولة عدد المباريات والفرق المشاركة، لتلامس جانباً أساسياً في تطوير كرة القدم، يتمثل في منح اللاعبين الصغار فرصة الانتقال من التدريب إلى الممارسة التنافسية، بما يساعدهم على اختبار مهاراتهم، والتعامل مع متطلبات اللعب الجماعي، واكتساب الخبرة تدريجياً.
فالموهبة وحدها لا تكفي لصناعة لاعب قادر على الاستمرار، كما أن التدريب من دون منافسات منتظمة قد يحد من فرص اختبار تطور اللاعب، وهو ما يجعل البطولات العمرية إحدى الحلقات التي يمكن أن تربط الأكاديميات ببيئة المنافسة، وتتيح للأندية مساحة أوسع لمتابعة المواهب.
وأشار محادين إلى أن الطموح يتمثل في خروج نماذج كروية واعدة، على غرار لاعبين مثل يزن النعيمات وعلي علوان، مؤكداً أن توفير الفرص أمام الأطفال يشكل خطوة باتجاه اكتشاف مواهب جديدة قادرة على الوصول إلى مستويات أعلى.
من نتيجة المباراة إلى صناعة اللاعب
ولا ينحصر الهدف الذي يطرحه "دوري حارتنا" في الجانب الفني، إذ يرى محادين أن المبادرة انطلقت أيضاً استجابة لحاجة تتعلق بالسلوك الرياضي، بعد ملاحظات بشأن اعتراض بعض اللاعبين على قرارات الحكام، والتلفظ بكلمات غير لائقة، وضعف الالتزام بالروح الرياضية.
ومن هنا عملت المبادرة على ترسيخ مجموعة من القيم والمبادئ، في مقدمتها احترام الفرق المنافسة والحكام والجمهور، والتعامل مع الفوز والخسارة، وتقبّل النتائج من خلال مبدأ التعلم بالممارسة.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في الفئات العمرية الصغيرة، حيث لا تقتصر التجربة الرياضية على بناء المهارة البدنية والفنية، بل تمتد إلى تشكيل سلوك اللاعب وطريقة تعامله مع المنافسة والآخرين.
فالمباراة التي يخسرها اللاعب قد تحمل قيمة تعليمية لا تقل عن الفوز إذا أتاحت له فهم أخطائه، والتعامل مع النتيجة، والعودة إلى التدريب برغبة أكبر في التطور.
ومن هذا المنطلق يطرح دوري حارتنا تصوراً للتطوير الرياضي لا يفصل بين اللاعب الجيد فنياً واللاعب الملتزم سلوكياً، ويمنح القيم الرياضية مكاناً داخل الملعب، لا باعتبارها شعارات مرافقة للبطولة، وإنما جزءاً من التجربة نفسها.
ثلاث نسخ.. وتجربة تتجه نحو التوسع
ووصف محادين التحدي الأكبر أمام القائمين على المبادرة بأنه يتمثل في بناء بطولة جاذبة، سواء من حيث مستوى التنظيم والرعايات أو من حيث قدرتها على استقطاب اللاعبين والمدربين والحكام والكشافين.
وقال إن الانطباعات التي لمسها المنظمون لدى الفرق واللاعبين المشاركين عكست رغبة في خوض المزيد من المباريات والمواجهات، وهو ما عزز التوجه نحو تطوير التجربة وتوسيع نطاقها.
وشهدت النسخة الأولى مشاركة 450 لاعباً ومدرباً، مع منح شهادات للمشاركين، فيما اتجهت النسخة الثانية إلى إقليم الجنوب، وأقيمت في العقبة، في خطوة نحو الوصول إلى مناطق جديدة وإتاحة الفرصة أمام فرق وأكاديميات خارج العاصمة.
كما شهدت التجربة إدخال اللاعبين الصغار إلى أجواء المؤتمرات الصحفية والإعلامية، في محاولة لتعريفهم بجوانب أخرى من التجربة الرياضية، تتجاوز المستطيل الأخضر إلى التعامل مع الإعلام وأجواء البطولات المنظمة.
وبحسب محادين أقيمت ثلاث نسخ من المبادرة، الأولى في عمّان، والثانية في العقبة، والثالثة في عمّان، فيما يجري التخطيط لإقامة النسخة الرابعة في العقبة، بهدف استقطاب أكبر عدد من الفرق والأكاديميات.
وتتطلع المبادرة كذلك إلى الوصول إلى إقليم الشمال، إلا أن البنية التحتية تمثل أحد أبرز التحديات، في ظل متطلبات ومعايير الملاعب التي تعتمدها البطولة.
وأكد محادين أن القائمين على المبادرة سيواصلون البحث عن خيارات تتيح الوصول إلى أبناء الشمال، مع المحافظة على معايير التنظيم التي يسعون إلى ترسيخها.
من الأكاديميات إلى الأندية.. هل تصبح البطولة بوابة للاكتشاف؟
تمثل الأكاديميات إحدى المحطات الأساسية في مسار إعداد اللاعبين الصغار، لكن القيمة الحقيقية لبرامجها تتعزز كلما أتيحت للاعبين فرص منتظمة للمنافسة وإظهار ما اكتسبوه من مهارات.
وفي هذا السياق لفت محادين أن دوري حارتنا منصة رياضية تعليمية تتيح للاعبين إبراز مواهبهم، والتعرف على التعليمات والقوانين والمبادئ التي تحكم الممارسة الرياضية المنظمة.
ورحب بحسب قوله بزيارة الأندية الأردنية للمنصة والاطلاع على اللاعبين والفرق المشاركة، مشيراً إلى وجود مواهب صغيرة تمكنت من إثبات نفسها خلال المنافسات، معرباً عن تفاؤله بأن نسمع مستقبلاً أسماء من هؤلاء اللاعبين في المنتخبات الأردنية.
وتفتح هذه الرؤية الباب أمام دور أوسع للبطولة يتمثل في بناء جسور بين الأكاديميات والأندية، بما يسهل متابعة اللاعبين المميزين وتقييم قدراتهم، وصولاً إلى إمكانية استقطابهم ضمن فرق الفئات العمرية، وفق الأطر الفنية والإدارية المعتمدة.
غير أن تحويل المنافسات إلى مسار فاعل لاكتشاف اللاعبين يحتاج إلى آليات واضحة للتواصل مع الأندية، وتوثيق الأداء الفني، ومتابعة تطور اللاعبين على المدى الطويل، حتى لا تبقى فرصة الظهور مرتبطة بأيام البطولة وحدها.
وهنا تتقاطع أهمية هذه المبادرات مع الحاجة الأوسع إلى بناء منظومة مستدامة لاكتشاف المواهب، تبدأ من الأكاديميات ومراكز التدريب، وتمر بالمنافسات، وصولاً إلى الأندية والمنتخبات الوطنية.
قاعدة بيانات ومنصة رقمية.. خطوة نحو متابعة المواهب
ومن بين الخطوات التي يشير إليها محادين امتلاك دوري حارتنا قاعدة بيانات للاعبين المشاركين، إلى جانب دخول منصة رقمية متخصصة في استكشاف المواهب كشريك للمبادرة، بهدف التشبيك بين اللاعبين والمدربين والجهات الخارجية الباحثة عن المواهب.
ويمثل هذا التوجه فرصة لتطوير آليات متابعة اللاعبين، خصوصاً إذا اقترن بتحديث المعلومات الفنية بصورة منتظمة، وتوثيق المشاركات ومستويات الأداء، بما يسمح بتكوين صورة أشمل عن تطور اللاعب بمرور الوقت.
كما يمكن للبيانات أن تساعد الأكاديميات والمدربين على تقييم مخرجات برامجهم التدريبية، وتمنح الجهات المهتمة بالمواهب أدوات إضافية للتعرف على اللاعبين، ضمن ضوابط واضحة لحماية بيانات الأطفال وخصوصيتهم.
وبذلك، يمكن أن تتحول البطولة من مساحة للمنافسة المؤقتة إلى جزء من مسار أطول لتطوير اللاعب، تتواصل فيه فرص التعلم والتقييم حتى بعد صافرة النهاية.
مبادرة غير ربحية.. والاستثمار في استدامة التجربة
ورغم اعتماد البطولة على عناصر تنظيمية وتشغيلية تتطلب موارد مالية وبشرية، يؤكد محادين أن دوري حارتنا مبادرة غير ربحية، وأن القائمين عليها لا يسعون إلى تحقيق الربح من المنصة، وإنما إلى رفع مستوى التنظيم وتطوير التجربة الرياضية.
ويوضح أن المبادرة تتعاون مع شركاء استراتيجيين من القطاعين العام والخاص، يوفرون الدعم المالي اللازم لتنظيم البطولة، إلى جانب شراكات إعلامية لتغطية المنافسات، ورصد آراء الجماهير والأهالي، والتعرف على انعكاسات التجربة على مختلف الأطراف.
وتكشف هذه الشراكات عن إمكانية بناء نموذج للاستثمار المجتمعي في الرياضة، يقوم على مساهمة المؤسسات والقطاع الخاص في دعم برامج تستهدف الأطفال والناشئين، وتوفر فرصاً للأكاديميات والمدربين والحكام والمتطوعين، إلى جانب تطوير قطاع تنظيم الفعاليات الرياضية.
ولا تعني الطبيعة غير الربحية غياب الحاجة إلى الاستدامة المالية، بل تجعل التخطيط طويل الأمد وتنويع مصادر الدعم وتعزيز الشراكات عوامل أساسية لاستمرار المشروع وتوسيع نطاقه.
كما أن الوصول إلى مناطق جديدة، ورفع عدد الفرق المشاركة، وتطوير البنية التنظيمية، كلها أهداف تحتاج إلى موارد مستقرة، وإلى شراكات قادرة على مواكبة نمو المبادرة.
طموح إقليمي.. والبنية التحتية أمام الاختبار
ويضع محادين سقفاً واسعاً لطموحات المبادرة خلال السنوات المقبلة، قائلاً إن تطلعاتهم "حدودها السماء"، مع السعي إلى مشاركة أكبر من داخل الأردن وخارجه، وتحويل البطولة من منافسة محلية إلى منصة إقليمية لاكتشاف مواهب البراعم والأشبال.
وأكد أن الهدف يتمثل في جعل دوري حارتنا محطة لرصد اللاعبين الموهوبين، وتوفير تجربة تنافسية تستقطب الفرق والأكاديميات، فيما تظل البنية التحتية من أبرز التحديات التي يعمل القائمون على تجاوزها.
ولفت إلى أن المبادرة تقوم عليها كوادر متخصصة في الاستراتيجيات وإدارة العمليات والتخطيط، بالتعاون مع خبراء يمتلكون تجارب في تنظيم البطولات والمباريات على مستوى المنتخبات الوطنية والعمل مع اتحاد كرة القدم، للاستفادة من خبراتهم في تطوير نموذج البطولة.
ويعكس هذا التوجه أهمية الخبرات التنظيمية في صناعة الفعاليات الرياضية، إذ لا يقتصر نجاح البطولة على جودة المباريات، بل يرتبط أيضاً بجاهزية الملاعب، وإدارة الوقت، والتحكيم، والسلامة، والتواصل الإعلامي، وتجربة اللاعبين والأهالي.