البث المباشر
خطاب الملك من فقه الدولة الى مفهوم الأسرة محادين: تطلعات "دوري حارتنا" حدودها السماء وطموحنا منصة إقليمية لاكتشاف المواهب الكروية استثمارات بمئات الملايين لتعزيز الأمن المائي.. وتشديد الرقابة على الاعتداءات على مصادر المياه بعد جريمة كنيسة حمود… كيف نربّي أبناءنا كي لا يجد الإرهاب بيننا مكانًا؟ وفرة إنتاج زيت الزيتون لا تنعكس على الأسعار.. والتنكة تلامس 120 دينارا أرامكو تربح أكثر ... والنفط يبحث عن طريق للنجاة من هرمز يوم مصيري لترامب: الانتخابات التي قد تغير أمريكا والدة المهندس شادي العمري في ذمة الله ماذا بعد خطاب العرش السامي؟ بيان صادر عن ديوان عشيرة الجغبير ترامب: إذا سئم مني الأميركيون سأنتقل إلى إسرائيل وأصبح رئيسا للوزراء آيزنكوت يطالب برحيل نتنياهو بعد إعلان ترامب مهرجان الزيتون الوطني : أسماء المشاركين مطلع الأسبوع المقبل ومنظومة رقابية متطورة لتعزيز جودة المنتج الأردني الرئيس الأمريكي: سنتوقف عن دفع أموال لإسرائيل بعد نهاية العام ولي العهد يبدأ زيارة عمل إلى أستونيا غدا ولي العهد في زيارته للسعودية .. رسالة تضامن وثبات موقف ومصير مشترك بوجه التهديدات الشرطة العراقي يتغلب على الحسين اربد ويبتعد بصدارة المجموعة دائرة المكتبة الوطنية والجامعة الأردنية توقّعان مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في حفظ الوثائق والمخطوطات وأرشفتها القطامين يؤكد أهمية التكامل العربي في النقل واللوجستيات ويبحث مع نظيره المصري تسهيل التجارة والترانزيت القضاة: ضمان الأمن الغذائي واستدامة سلاسل التوريد أولوية حكومية

بعد جريمة كنيسة حمود… كيف نربّي أبناءنا كي لا يجد الإرهاب بيننا مكانًا؟

بعد جريمة كنيسة حمود… كيف نربّي أبناءنا كي لا يجد الإرهاب بيننا مكانًا
الأنباط -
مختصون لـ الأنباط : نحتاج إلى حوار يطمئن الأطفال، وتربية تعلّمهم احترام الاختلاف وكشف التحريض

بقلم: د. أڤين الكردي

ذهبوا إلى كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في بلدة حمود بالكرك ليودّعوا راحلة، فتحوّل الوداع إلى فاجعة أوجعت الأردنيين جميعاً. وفي البيوت، وصل الخبر إلى أبناء سمعوا أحاديث الكبار، وشاهد بعضهم ما تداولته الهواتف، وبقيت في أذهانهم أسئلة: لماذا قتلوهم؟ وهل يمكن أن يحدث ذلك معنا؟
الإجابة عن هذه الأسئلة مسؤولية لا تنتهي بطمأنة عابرة. فما نقوله لأبنائنا عن الجريمة، وعن الضحايا واختلاف الدين، يعلّمهم كيف ينظرون إلى الآخرين، ومتى يرفضون الظلم، وكيف يتعاملون مع من يحاول تبريره.
فكيف نتحدث معهم دون تخويفهم؟ وكيف تساعد الأسرة والمدرسة والمنابر والإعلام في بناء وعي يرفض الكراهية ويحمي أمان الجميع؟ أسئلة طرحتها (الأنباط) على مختصين قدّموا خطوات تبدأ بالاستماع إلى الأبناء، وتمتد إلى مراجعة سلوك الكبار وما يصل عبر الشاشات.
اسمعوا أسئلتهم… ولا تتركوا المشاهد تجيب عنها
قال العضو المؤسس للمجلس العربي لتحليل السلوك التطبيقي، الدكتور حسين أبو رياش لــالأنباط، إن البداية تكون بسؤال الطفل عمّا سمعه وفهمه، ثم تصحيح المعلومات المغلوطة بهدوء، وتقديم شرح يناسب عمره، دون تفاصيل عنيفة لا يحتاج إليها.
وأوضح أن الصغار يحتاجون إلى كلام مباشر وموجز عن الحادثة ودور البالغين في حماية الناس، بينما يمكن توسيع الحوار مع الأكبر سناً. وشدّد على أهمية الصدق، والاعتراف بعدم معرفة بعض الإجابات، بدل تقديم تفسيرات غير مؤكدة.
وحذّر من تكرار عرض مقاطع الاعتداء أمام الأطفال، لافتاً إلى أن بعضهم قد يظن أن إعادة المشهد تعني وقوع اعتداء جديد. ودعا إلى إيقاف التغطيات المستمرة في الخلفية، وتنظيم استخدام الأجهزة، وسؤال الطفل الذي شاهد محتوى مزعج "ماذا رأيت؟ وكيف شعرت؟"
وأضاف أن شعور الطفل بالأمان يحتاج أيضاً إلى استمرار روتينه اليومي، وإتاحة التعبير بالحديث والرسم واللعب. أما إذا استمر اضطراب النوم أو الانسحاب أو التراجع الدراسي، أو أبدى رغبة في تقليد المعتدي، فمن المهم طلب مساعدة متخصصة.
وعن تبرير الطفل للاعتداء، دعا أبو رياش إلى فهم أسباب موقفه قبل توبيخه، ومناقشة تصوّره للقوة والعدالة، وتعليمه أن القوة تكمن في ضبط النفس وحماية الآخرين، وأن الغضب لا يمنح حق إيذائهم.
ماذا يتعلّم الأبناء من كلامنا اليومي؟
من جانبه، قال الدكتور إبراهيم العدرة، من قسم العمل الاجتماعي في كلية الآداب بالجامعة الأردنية لــالأنباط ، إن الأبناء يلاحظون التناقض حين نطالبهم باحترام الآخرين، ثم يسمعوننا نسخر منهم أو نحكم عليهم بسبب دينهم أو انتمائهم.
وأوضح أن السلوك الذي يرونه في البيت قد يكون أقوى أثراً من دروس التسامح، مما يجعل مراجعة أحاديثنا اليومية جزءاً من مواجهة الكراهية.
وأشار إلى أن التهميش والنبذ والحاجة إلى القبول قد تستغلّها جماعات متطرّفة تمنح الفرد شعور بالأهمية والانتماء. كما حذّر من البقاء داخل مجموعات اجتماعية أو رقمية تكرّر رأيًا واحدًا، وتصوّر المختلف خصمًا أو تهديدًا.
وأكد العدرة أن الانتماء الوطني يقوى حين يشعر الجميع بأن حقوقهم وكرامتهم وأمنهم مصانة، وأن المسيحي الأردني جزء أصيل من الوطن وتاريخه. ودعا إلى أن يظهر ذلك في المناهج والعلاقات اليومية، وفي مشاريع تطوعية تجمع الطلبة وتتيح لهم معرفة بعضهم بعيداً عن الصور المسبقة.
وأضاف العدرة أن التضامن ينبغي أن يستمر بعد انحسار الخبر، عبر مساحات حوار وأنشطة مشتركة، ورفض واضح للتمييز في المدرسة والشارع وعلى المنصات.
إدانة الجريمة لا تعني الخجل من الدين
وفي الجانب الديني، قال أستاذ العقيدة في جامعة البلقاء التطبيقية، الأستاذ الدكتور علي عايد المقدادي الأشعري لــالأنباط ، إن تعليم الأبناء حرمة الدماء يجب أن يشمل احترام حياة الآخرين وأمنهم ودور عبادتهم، مؤكداً أن حماية الدماء في الإسلام لا تقتصر على المسلمين.
وأوضح أن إدانة الإرهاب حين يتذرّع مرتكبوه بالإسلام لا تُسيء إلى الدين، وأن الجماعات المتطرّفة لا تمثّله، ولا يتحمّل المسلمون مسؤولية جرائمها.
ودعا إلى فتح باب الأسئلة داخل الأسرة، والاستعانة بعلماء مؤهلين حين يصعب على الأهل الإجابة، بدل ترك الأبناء يتلقّون تفسيراتهم من مقاطع مجتزأة وفتاوى مجهولة المصدر.
وحمّل المقدادي المنابر الدينية مسؤولية شرح النصوص في سياقها، وتفنيد التأويلات التي تبرّر التكفير والعنف، ومواجهة الخطاب الذي ينتقص من الآخرين أو يحرّض عليهم.
وأضاف أن التعاون بين المؤسسات الدينية والمدارس يمكن أن يتحوّل إلى لقاءات منتظمة تسمح للطلبة بالسؤال والنقاش، ومواد توعوية تناسب أعمارهم. واختتم بالتأكيد على أن التربية الدينية ينبغي أن تعزّز كرامة الإنسان والاعتدال، وتحمي حق الجميع في الحياة والأمان.
المدرسة: ناقشوا الفكرة ولا تحاصروا الطالب
وقال المدير العام لشركة وأكاديمية المستوى العالي، الدكتور مجدي لبيب الدراس لــالأنباط ، إن مسؤولية المدرسة تتجاوز بيان الإدانة أو كلمة الإذاعة الصباحية، إلى تعليم الطلبة كيف يفكّرون ويفحصون ما يسمعونه، ويرفضون الظلم مهما كانت هوية مرتكبه أو ضحيته.
وأوضح أن تناول الجريمة داخل الصف يجب أن يناسب أعمار الطلبة، ويتيح لهم طرح أسئلتهم، ويربط الانتماء الوطني بمسؤولية مشتركة: أن يرى الطالب المسلم في حماية الكنيسة واجب، كما يرى الطالب المسيحي في حماية المسجد واجباَ أيضاً.
وفي التعامل مع طالب يبرّر الاعتداء أو يردّد خطابًا تكفيرياً، دعا الدراس إلى سؤاله عن مصدر الفكرة ودليلها، ومناقشتها معه، والاستعانة بالإرشاد التربوي والأسرة عند الحاجة. وقال: "إن رسالتنا أن نهزم الفكرة المتطرفة، لا أن نهزم الطالب الذي يحملها"
وشدّد على أن احترام الاختلاف يُتعلّم بالممارسة؛ من خلال مواجهة التنمّر والإساءة، والعمل التطوعي والأنشطة المشتركة، وتعليم الأبناء أن التمسّك بقناعاتهم لا يمنحهم حق الانتقاص من كرامة غيرهم.

على المنصات… الحماية تحتاج إلى معرفة وثقة
بدوره، قال الخبير الإعلامي والقانوني الدكتور أشرف الراعي لــالأنباط إن الجماعات المتطرّفة تستغل المنصات للوصول إلى الأبناء برسائل توظّف المشاعر الدينية والوطنية، وتستخدم التضليل والتأثير العاطفي لاستدراجهم.
وأوضح أن بعض المضامين المحرّضة قد تتخفّى في صورة نقد أو سخرية، مشدّداً على ضرورة التمييز قانونياً بين الرأي والتحريض، وفق مضمون الخطاب وسياقه والقصد منه، ومساءلة الأفعال التي تتوافر فيها أركان التجريم.
ودعا إلى تعليم الطلبة التحقّق من المعلومات، والانتباه إلى المقاطع المجتزأة وأساليب التلاعب، ومعرفة طرق الإبلاغ الآمن عن المحتوى الذي يمجّد الإرهاب دون إعادة نشره. وأشار إلى مسؤولية المنصات عن الحد من انتشاره، ضمن أطر قانونية واضحة.
وأضاف أن الثقة بين الأهل والأبناء ضرورية؛ فالمراقبة المفرطة قد تدفعهم إلى إخفاء ما يتعرّضون له بدل طلب المساعدة. كما أكد أن المسؤولية الجنائية شخصية، ولا يجوز تحميل جماعة دينية تبعات جريمة يرتكبها أفراد.
وحمّل الراعي الإعلام مسؤولية تقديم معلومات دقيقة، وحماية كرامة الضحايا وخصوصية أسرهم، وتجنّب منح المعتدين مساحة لترويج دعايتهم. واختتم بأن نجاح التوعية يظهر في قدرة الأبناء على التفكير ورفض الكراهية والتعامل المسؤول مع المحتوى، وليس في خوفهم من العقوبة وحده.
ما الذي يبقى بعد انحسار الخبر؟
في الأردن، للاعتدال والتآخي شواهد من حياة الناس؛ ففي جاهاتنا يتقدّم مسيحي لطلب عروس مسلمة لعريس مسلم، ويتصدّر مسلم جاهة لأهلٍ مسيحيين، وفي الكرك رجل دين مسيحي يحمل اسم (محمد). تفاصيل تعبّر عن قربٍ صنعته الجيرة والعِشرة، وعن وطن يتشارك أبناؤه الفرح والحزن، ويعرفون أن اختلاف المعتقد لا يقطع صلة ولا ينقص حقاً.
من هنا، كان وجع كنيسة حمود وجعاً أردنياً، وكان رفض الإرهاب موقفاً يحمي معنى أن نعيش معاً. نحن بلد يقوم على الوسطية والاعتدال، وعلينا أن نصون هذا النهج في تربيتنا وخطابنا وممارساتنا؛ أن نرفض تبرير الجريمة مهما كانت هوية مرتكبها، وأن نقف مع الضحية لأن حياتها مصونة، لا لأن دينها يشبه ديننا.
والوفاء لهذا الإرث يحتاج إلى عمل يبقى بعد انحسار الخبر أسرة تستمع إلى أبنائها وتراجع كلماتها أمامهم، ومدرسة تواجه التنمّر والتمييز وتعلّم التفكير، ومنابر تفنّد التكفير، وإعلام يحمي الحقيقة وكرامة الناس. فالأبناء يحتاجون إلى أن يروا احترام الآخر في سلوكنا، وأن يعرفوا أن الاعتزاز بالدين والوطن يحمّلهم مسؤولية الدفاع عن المظلوم، لا البحث عن عذر لمن ظلمه.
ستبقى جريمة كنيسة حمود جرحاً في ذاكرة الأردنيين، لكن مسؤوليتنا ألّا نترك للمجرمين أن يحدّدوا كيف ننظر إلى بعضنا أو كيف نربّي أبناءنا. في البلد الذي يتقدّم فيه مسيحي جاهةً لمسلمين، ويحمل فيه قسّ اسم محمد، لن نسلّم أبناءنا لمن يعلّمهم كراهية جيرانهم. أمان الكنيسة من أمان المسجد، ودم الأردني لا يتغيّر لونه باختلاف دينه، والوطن الذي نتقاسم فيه الحياة نحميه معًا، بلا تردّد ولا استثناء.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير