الأنباط -
د عبدالحميد عليمات
أمين عام الحزب الديمقراطي الأجتماعي
إن تطوير الإدارة العامة في الأردن ليس مجرد تحديث للأنظمة والهياكل الإدارية، بل هو استحقاق وطني يرتبط مباشرة بحياة المواطن اليومية، من جودة التعليم والرعاية الصحية، إلى سهولة إنجاز المعاملات، وعدالة الحصول على الخدمات، وتكافؤ الفرص أمام الجميع ، و إعاده الاعتبار لقيمة العمل العام، وترسيخ ثقافة المسؤولية والمساءلة، وإحياء ما يمكن تسميته «عودة الضمير في القطاع العام»
وفي هذا السياق، تكتسب التوجيهات الملكية أهمية خاصة، لا سيما تأكيد جلالة الملك عبدالله الثاني في خطاب العرش بأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، وهي رسالة واضحة في جوهرها ومضمونها، تضع المسؤولية العامة في إطارها الصحيح، وتؤكد أن الموقع الوظيفي ليس امتيازاً شخصياً ولا وسيلة لتحقيق المصالح، بل تكليف لخدمة الوطن والمواطن ،كما تعيد التأكيد على أن سيادة القانون والمساءلة مبدآن لا يستثنيان أحداً، وأن احترام مؤسسات الدولة يبدأ بمحاسبة كل من يستغل موقعه أو يقصر في أداء واجبه. فالدولة القوية لا تقاس بنفوذ مسؤوليها، بل بقدرتها على تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد الخطط والاستراتيجيات، بل بما يلمسه المواطن من تحسن في حياته، وبقدرته على الحصول على حقه دون واسطة، وإنجاز معاملته دون تعقيد، ومحاسبة المسؤول الذي يقصر في أداء واجبه.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى «عودة الضمير في القطاع العام» ، أي استعادة المعنى الحقيقي للوظيفة العامة بوصفها مسؤولية وأمانة، وترسيخ ثقافة مؤسسية تقدم المصلحة العامة على المصالح الشخصية، والكفاءة على المحسوبية، والمساءلة على الحماية الوظيفية غير المستحقة ،ولا يمكن إصلاح الإدارة العامة من دون مراجعة جادة لآليات اختيار القيادات الحكومية وتقييمها واستمرارها في مواقعها ،فالمسؤول الناجح ليس بالضرورة الأكثر قدرة على إدارة الاجتماعات أو إصدار التعليمات أو تجنب الانتقادات، بل هو الذي يمتلك الكفاءة والرؤية والشجاعة في اتخاذ القرار، والقدرة على بناء فرق العمل وتحمل نتائج الخيارات التي يتخذها.
إن تطوير الإدارة العامة يتطلب الانتقال من إدارة الإجراءات إلى إدارة النتائج، من خلال تحديد مدد ملزمة لإنجاز المعاملات، ونشر مؤشرات أداء كل ثلاثة أشهر، وقياس رضا المواطنين، وتبسيط الإجراءات، وربط تقييم القيادات الإدارية بمستوى الإنجاز وجودة الخدمات، ومساءلة المقصرين وفق القانون. كما يتطلب ربط الإنفاق العام بأثره الفعلي في حياة الناس، فلا يكفي أن تعلن المؤسسات حجم إنفاقها، بل يجب أن تثبت مقدار التحسن الذي حققته في الصحة والتعليم والنقل والخدمات الأساسية.
إن الحديث عن «عودة الضمير في القطاع العام» لا يعني إطلاق أحكام عامة على موظفي الدولة، الذين يقدم كثير منهم نماذج مشرفة في النزاهة والتفاني وتحمل المسؤولية، وإنما يعني استعادة المعايير الأخلاقية والمهنية التي يجب أن تحكم العمل العام، وهنا تبرز أهمية حماية الموظف النزيه، وتمكين الكفاءات، وتطوير المهارات، واختيار القيادات على أساس الاستحقاق والقدرة على الإنجاز، بعيداً عن العلاقات الشخصية والاعتبارات الضيقة.
إن تطوير الإدارة العامة ليس مشروعاً فنياً معزولاً عن السياسة والاقتصاد والمجتمع، بل هو شرط أساسي لنجاح التحديث الاقتصادي والسياسي والإداري، ولتعزيز ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها ،فلا يمكن الحديث عن الاستثمار بينما يواجه المستثمر إجراءات معقدة ومتغيرة، ولا عن تكافؤ الفرص بينما تتفاوت المعاملة بين المواطنين، ولا عن العدالة الاجتماعية بينما تتراجع جودة الخدمات العامة أو يصعب الوصول إليها، ولا عن سياده القانون إذا لم يشعر الجميع بأن القواعد ذاتها تطبق على الجميع ، ومن منظور الديمقراطية الاجتماعية، فإن الإدارة العامة ليست جهازاً تنفيذياً محايداً فحسب، بل أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والمواطنة المتساوية. فالمواطن الذي لا يستطيع الوصول إلى خدمة صحية جيدة أو تعليم نوعي أو نقل عام مناسب لا يتمتع بفرص متكافئة، مهما كانت النصوص القانونية جميلة أو الخطابات الرسمية مطمئنة.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى الجهود الواضحة التي يبذلها رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان في إيلاء القطاعات الخدمية اهتماماً مباشراً، ومتابعة الملفات التي تمس الاحتياجات اليومية للمواطنين، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والنقل والخدمات الأساسية ،وهي جهود تعكس إدراكاً لأهمية الانتقال من الخطط العامة إلى معالجة الأولويات المعيشية للمواطنين، وتستحق البناء عليها وتعزيز أثرها ،غير أن نجاح هذه الجهود يظل مرتبطاً بقدرة المؤسسات الحكومية التنفيذيه على ترجمتها إلى نتائج ملموسة ومستدامة، يشعر بها المواطن في مختلف المحافظات، من خلال تحسن جودة الخدمة وسرعة الإنجاز وعدالة توزيع الموارد ،فالمطلوب اليوم هو تكامل الاهتمام السياسي على مستوى رئاسة الحكومة مع كفاءة التنفيذ والمساءلة على مستوى المؤسسات والقيادات الإدارية.
إن الإدارات التي تسعى إلى العدالة لا تكتفي بتوزيع الفرص نظرياً، بل تضمن وصول الخدمات العامة بجودة وعدالة إلى مختلف المواطنين والمناطق، وتجعل الكفاءة والنزاهة أساساً لتولي المسؤولية، وتخضع السلطة الإدارية لرقابة القانون والمجتمع.
أما سياسياً، فلا يمكن بناء ديمقراطية حقيقية بإدارة عامة لا تخضع للمساءلة، ولا يمكن إقناع المواطن بالمشاركة السياسية إذا كان يشعر أن صوته متساوي في صندوق الاقتراع، لكنه ليس متساوياً في الحصول على حقوقه وخدماته.
إن أخطر ما يهدد الثقة بالمؤسسات ليس الاعتراف بالخلل، بل الإصرار على إنكاره، وليس النقد المسؤول، بل تحويله إلى تهمة، وليس وجود التقصير، بل غياب المحاسبة.
الإداره العامة لا تتطور بالخوف وحده، ولا بالتعليمات وحدها، وإنما بالثقة المنضبطة، والقيادة القدوة، والأنظمة العادلة، والشعور المشترك بالمسؤولية تجاه الوطن والمواطن وبالتالي فإن عودة الضمير في القطاع العام يجب أن تكون بداية مرحلة جديدة ،لا يوجد فيها حصانة لمسؤول بسبب منصبه، ولا امتياز لمواطن بسبب نفوذه، ولا تبرير للإخفاق باسم الظروف ،فالمؤسسات القوية لا تحمي المقصرين، بل تحمي حقوق المواطنين ،والإصلاح الذي لا يغير حياة الناس ليس إصلاحاً، بل إدارة للأزمة وإعادة إنتاج لها ،فالأردن لا يحتاج إلى إدارات تتقن تبرير الإخفاق بقدر حاجته إلى إدارة تعترف بالخلل وتعالجه، ولا إلى مسؤول يخشى اتخاذ القرار بقدر حاجته إلى مسؤول يمتلك الشجاعة والنزاهة لتحمل مسؤوليته، ولا إلى مؤسسات تكتفي بإعلان الإنجازات، بل إلى مؤسسات تثبتها في حياة المواطنين