الأنباط -
د. أيّوب أبو ديّة- لندن
قد لا تكون أعظم لحظات الأدب الإنساني تلك التي يمدح فيها الشاعر قومه، أو يتغنى بأمجاد أمته، وإنما تلك اللحظات التي يتجاوز فيها حدود الانتماء القومي والديني، ليكتشف الفضيلة والجمال في الآخر، حتى لو كان هذا الآخر ينتمي إلى حضارة كانت في يوم من الأيام خصماً أو عدواً لحضارته.
وهذا ما راه البروفسور شتيفن شبيرل أستاذ الأدب العربي القديم في معهد الاداب الافريقية والعربية في جامعة لندن من خلال قصيدة البحتري الشهيرة في وصف إيوان كسرى، التي لا تقتصر أهميتها على براعة الوصف الشعري، أو استحضار أمجاد الإمبراطورية الفارسية الساسانية، وإنما تحمل في نهايتها موقفاً إنسانياً وفلسفياً بالغ العمق.
كان البحتري عربياً، وكانت بلاد فارس تمثل حضارة منافسة للعرب، بل إن الصراع بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية من جهة، وبين العرب والفرس في مراحل لاحقة من جهة أخرى، إلى يومنا هذا، كان جزءاً من التاريخ السياسي والعسكري للمنطقة. ومع ذلك، يقف الشاعر أمام إيوان كسرى، ذلك الأثر العظيم الذي بقي شاهداً على حضارة غاب أهلها، فلا يراه بعين المنتصر الذي يتشفى بزوال خصمه، بل بعين الإنسان الذي يستطيع أن يعترف بعظمة حضارة أخرى، وأن يحزن لاندثارها.
إن البحتري لا يخفي إعجابه، بل يذرف الدموع أمام هذا الصرح الذي كان يوماً رمزاً للقوة والمجد والترف، ثم أصبح أثراً صامتاً يروي حكاية زوال الممالك وتقلب الزمان. ويقول:
عُمِّرَتْ للسُّرور دهراً فصارتْ
للتعزّي رِباعُهم والتأسّي
فلها أن أعينها بدموعٍ
موقفاتٍ على الصبابة حبسِ
ثم يصل إلى الاعتراف الأكثر دلالة:
ذاك عندي وليست الدار داري
باقترابٍ منها ولا الجنسُ جنسي
هنا تكمن المفارقة الإنسانية الجميلة. فهو يبكي حضارة ليست حضارته، وداراً ليست داره، وأناساً ليسوا من جنسه أو قومه. لكنه لا يشعر بأن اختلاف الأصل أو الانتماء يمنعه من التعاطف معهم، بل يرى أن ما يستحق التقدير فيهم يتجاوز هذه الاختلافات.
ولا يقف الأمر عند التعاطف مع ماضٍ فارسي مجيد، إذ يذكر البحتري ما قدمه الفرس للعرب، وما أسهموا به في دعم ملكهم وتقوية دولتهم، ثم يختم قصيدته بالبيت الذي أراه مفتاحها الفكري والأخلاقي:
وأراني من بعد أكلف بالأشراف
طراً من كل سنخ وإسِّ
إنه إعلان صريح عن تجاوز حدود العصبية القومية. فالشرف ليس حكراً على العرب، ولا على الفرس، ولا على أي أمة أو جماعة بعينها. إنه صفة إنسانية يمكن أن نجدها في كل قوم، بصرف النظر عن أصولهم وأديانهم. ولذلك فهو يكلف بالأشراف من كل أصل وجنس، لا لأنهم ينتمون إلى قومه، بل لأنهم يستحقون الاحترام بما يحملونه من مروءة وفضائل.
تستوقفني هنا مقارنة فكرية مع الفيلسوف النمساوي اليهودي مارتن بوبر (Martin Buber)، صاحب كتابه الشهير «أنا وأنت» (I and Thou)، الصادر عام 1923.
ميّز بوبر بين نمطين من العلاقة مع الآخر: علاقة «أنا وهو»، حيث نتعامل مع الآخر بوصفه موضوعاً أو شيئاً نضعه في فئة مسبقة، ونحكم عليه من خلال هويته وانتمائه، وعلاقة «أنا وأنت»، حيث نلتقي به بوصفه إنساناً كاملاً، لا تختزله صفاته القومية أو الدينية أو الاجتماعية.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة موقف البحتري باعتباره مثالاً أدبياً مبكراً على تجاوز العلاقة القائمة على التصنيف والعداء الموروث، نحو علاقة تقوم على الاعتراف بإنسانية الآخر واحترام فضائله.
فالشاعر لا ينكر اختلافه عن الفرس، ولا يتخلى عن انتمائه العربي، لكنه يرفض أن يجعل هذا الاختلاف حاجزاً أمام الاعتراف بما يستحقونه من تقدير. إنه يكتشف أن الآخر ليس نقيضاً للذات بالضرورة، وأن الفضيلة لا تتوقف عند الحدود التي رسمتها السياسة أو الحروب أو العصبيات.
وبالطبع، لا يعني ذلك أن البحتري استبق فلسفة بوبر بمعناها الاصطلاحي، أو أن بينهما علاقة تأثير تاريخي، وإنما أن التجربة الشعرية عند البحتري تلتقي مع الفكرة الإنسانية التي صاغها بوبر بعد ذلك بقرون.
وتزداد هذه القراءة عمقاً إذا وضعنا القصيدة في سياقها السياسي والنفسي. فكان البحتري من شعراء البلاط العباسي، وقد مدح الخليفة المتوكل، وكان قريباً من أجواء عهده. ثم اغتيل المتوكل سنة 861 ميلادية في مؤامرة شارك فيها ابنه المنتصر وبعض القادة الأتراك. وكان الشاعر قد رثى المتوكل، وحمل في قصيدته إشارات نقدية إلى ما جرى، الأمر الذي جعله في وضع سياسي غير مريح بعد تولي المنتصر الخلافة.
ومن الممكن قراءة رحلة البحتري إلى المدائن ووقوفه أمام إيوان كسرى بوصفهما تجربة شعرية تختلط فيها مرارة الحاضر باستحضار عظمة الماضي. فالشاعر الذي يرى انحطاط القيم السياسية في محيطه يجد في أطلال الدولة الفارسية نموذجاً لما يستحق الاحترام، حتى وإن كانت تلك الدولة قد زالت منذ زمن.
وهنا تبرز دلالة أخرى للبيت الأخير. فالشاعر الذي يرفض الخسة والخيانة في واقعه لا يكتفي بإدانة من حوله، وإنما يعلن أن معيار الحكم على الناس يجب أن يكون أخلاقياً، وأنه يستطيع أن يجد الأشراف في قوم غير قومه.
وهكذا يتحول الإعجاب بالفرس إلى احتجاج غير مباشر على الحاضر العباسي، كما يتحول الاعتراف بفضائل الآخر إلى نقد للذات حين تتخلى عن فضائلها.
ولا تبدو هذه الفكرة مقصورة على البحتري. إذ يجد البروفسور شتيفن أيضا في الأدب الروماني، لدى فرجيل (Virgil)، في ملحمته «الإنيادة» (The Aeneid)، حضوراً لافتاً لقرطاجة، المدينة التي ارتبط تاريخها بالصراع الوجودي مع روما، والتي كان تدميرها سنة 146 قبل الميلاد أحد الأحداث الكبرى في التاريخ الروماني.
ومع أن فرجيل كتب في ظل مجد روما، فإنه لم يصور قرطاجة مجرد مدينة عدوة، بل منحها في الملحمة حياة وحضوراً حضارياً وإنسانياً، وجعل الملكة ديدون شخصية تراجيدية ذات مشاعر وكرامة ومصير مؤلم. وهكذا يتجاوز العمل الأدبي منطق الانتصار العسكري، ليعترف بإنسانية الطرف الآخر.
وفي الأدب البريطاني أيضاً نجد نماذج شعرية تستحضر مصير المدن والحضارات التي كانت في موقع الخصومة مع بريطانيا أو مع غيرها، لتجعل من الأطلال والممالك الغابرة مناسبة للتأمل في هشاشة القوة السياسية، وفي وحدة المصير الإنساني.
إن هذه التجارب، وإن اختلفت في ظروفها ومقاصدها، تلتقي عند فكرة واحدة: يستطيع الإنسان أن يرى في خصمه السابق إنساناً يشبهه، وأن يعترف له بما لديه من فضائل، وأن يحزن على ضياع مجده، بدلاً من أن يجعل العداء التاريخي حكماً أبدياً على قيمته.
فهل يستطيع الفكر الصهيوني أن يرى في الفلسطيني ما راه شتيفن في البحتري وفرجيل؟
لعل أعمق ما يمكن استخلاصه من هذه المقارنات أن الاعتراف بوحدة الإنسانية لا يتعارض مع تعدد الثقافات والحضارات والأديان، بل يستمد معناه من هذا التنوع نفسه.
فإذا كان البشر، على اختلاف أصولهم وألوانهم وأديانهم، ينتمون إلى الإنسانية الواحدة، فإن قيمة الإنسان لا ينبغي أن تقاس بهويته الموروثة، بل بما يقدمه من خير، وما يتحلى به من عدل ومروءة وشرف.
وهنا يمكن أن نستحضر المعنى الديني لوحدة الخالق: فكما أن تعدد الشعوب والثقافات لا ينفي وحدة الإنسانية، فإن اختلاف البشر لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتعالي أو الكراهية أو إلغاء الآخر.
لقد وصل البحتري إلى هذه الفكرة من خلال الشعر، لا من خلال التنظير الفلسفي. وقف أمام أطلال حضارة منافسة، فبكاها، واعترف بفضل أهلها، ثم أعلن تعلقه بالأشراف من كل أصل وجنس. أليست هذه هي الانسانية؟
لذلك فإن أهمية قصيدته لا تكمن فقط في وصف إيوان كسرى، ولا في تصوير مجد الفرس الذي اندثر، ولا حتى في التلميح السياسي إلى مأساة المتوكل والمنتصر؛ بل تكمن في تلك الخاتمة التي تجعل من الشرف قيمة إنسانية عابرة للقوميات.
إن أعظم انتصار للإنسان ليس أن يهزم الآخر، بل أن يتحرر من عداوته، وأن يمتلك الشجاعة للاعتراف بفضائله. وهذا درس للصهاينة الذين عبروا عن حقدهم على الاخر بالتصويت لصالح اليمين الاسرائيلي مؤخرا، فلا أفهم كيف لم تستطع أعتى الأسلحة وأكثرها تطورا، وتكالب أغلب دول العالم تقدما، سحق المقاومة في فلسطين! ألا يستحق هذا الشعب الاحترام والتقدير؟