الأنباط -
بقلم: د. منى أبو حمدية
أكاديمية وباحثة
تُظهر النتائج الأولية لانتخابات الكنيست الإسرائيلي في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026 تحولاً مهماً في وزن التصويت العربي؛ إذ حصدت القائمتان العربيتان 19 مقعداً وفق النتائج التي أُعلنت مع استمرار فرز الأصوات. ووفق التقديرات المنشورة، بلغ الإقبال بين المواطنين الفلسطينيين في الداخل المحتل مستوى قياسياً قارب 80%. 
لكن قراءة هذا التحول تقتضي تجاوز عدد المقاعد إلى الظروف السياسية والاجتماعية التي أنتجته، وإلى ما يمكن أن يترتب عليه داخل البرلمان الإسرائيلي. فالمشاركة الواسعة جاءت في أعقاب سنوات من تصاعد الخطاب المعادي للفلسطينيين، وتفاقم الجريمة والعنف في البلدات العربية، واتساع الفجوة بين المواطنين العرب ومؤسسات الدولة، بالتزامن مع حرب غزة وما رافقها من تداعيات على الفلسطينيين في الداخل والضفة الغربية والقدس. وقد أشارت تقارير صحفية إلى أن الغضب من سياسات حكومة بنيامين نتنياهو وخطاب اليمين المتطرف كان من العوامل التي دفعت أعداداً أكبر من الناخبين العرب إلى المشاركة. 
أول دلالات هذه المشاركة تتمثل في استعادة التصويت العربي وزنه في المعادلة السياسية. فالمقاطعة، مهما كانت دوافعها، تقلّص فرص التمثيل وتترك المجال مفتوحاً أمام القوى الأكثر قدرة على حشد ناخبيها. أما الإقبال الواسع، فيمنح الأحزاب العربية تفويضاً انتخابياً أوسع، ويزيد قدرتها على طرح قضايا المواطنين العرب في صلب النقاش البرلماني. وفي مجتمع يعيش فيه الفلسطينيون داخل حدود الدولة التي قامت عام 1948، تكتسب المشاركة السياسية أهمية خاصة، لأنها تتصل بالمواطنة والحقوق والتمثيل، وبالسؤال الدائم عن موقعهم في نظام سياسي يعرّف الدولة بهوية قومية يهودية.
وتكتسب المشاهد التي أظهرت النساء وكبار السن والشباب أمام صناديق الاقتراع دلالة اجتماعية تستحق التوقف عندها. فالمشاركة الواسعة تكشف أن قطاعات من المجتمع العربي رأت في التصويت وسيلة للتعبير عن موقفها من المرحلة، وعن مطالبها اليومية ومخاوفها من المستقبل. كما تعكس قدرة المجتمع على تحويل الشعور بالقلق والإحباط إلى فعل سياسي منظم، مع ضرورة التمييز بين دوافع الناخبين المختلفة؛ فبعضهم صوّت بدافع مواجهة اليمين، وآخرون انطلاقاً من قضايا الجريمة والأمن الشخصي والمساواة والميزانيات والخدمات العامة.
أما الدلالة الثانية، فتتصل بموقع الأحزاب العربية في حسابات تشكيل الحكومة. فمع حصول القائمتين على 19 مقعدا، وتراجع كتلة نتنياهو وفق النتائج الأولية إلى 53 مقعدا مقابل 48 للكتلة التي يقودها غادي أيزنكوت، باتت الأصوات العربية عاملا لا يمكن تجاهله في حسابات الأغلبية البرلمانية المطلوبة، وهي 61 مقعدا. 
وهنا تظهر المفارقة السياسية الأبرز: قد تحتاج قوى المعارضة الإسرائيلية إلى الدعم العربي لتشكيل حكومة، بينما تتحفظ قيادات فيها على التعاون مع الأحزاب العربية أو إشراكها في الائتلاف. وقد ظهر هذا التناقض في مواقف الحملة الانتخابية؛ إذ أعلن أيزنكوت رفض تشكيل حكومة مع الأحزاب العربية، في حين طرحت قيادات عربية إمكان دعم حكومة أقلية من خارجها وفق شروط سياسية محددة. 
هذه المفارقة تضع مفهوم الديمقراطية أمام اختبار عملي. فهل يُعترف بوزن الناخب العربي عندما تكون أصواته ضرورية لتشكيل الحكومة، أم يجري التعامل معه بوصفه شريكاً انتخابياً مؤقتاً ، ثم يُستبعد عند توزيع النفوذ وصياغة السياسات؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستكشف حدود استعداد النظام السياسي الإسرائيلي للتعامل مع المواطنين الفلسطينيين باعتبارهم أصحاب حقوق متساوية، لا مجرد كتلة انتخابية يُستعان بها عند الحاجة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي عدم المبالغة في تقدير أثر المقاعد التسعة عشر. فالتمثيل البرلماني، مهما اتسع، يعمل داخل منظومة سياسية وقانونية قائمة، ولا يملك بمفرده وقف الاستيطان أو إنهاء الاحتلال أو حماية الفلسطينيين في الضفة الغربية من اعتداءات المستوطنين، كما لا يستطيع وحده تغيير السياسات العسكرية الإسرائيلية في غزة. إنما تكمن أهميته في توسيع مساحة العمل السياسي، وتعزيز القدرة على مساءلة الحكومة، ورفع قضايا التمييز والعنف والجريمة والحقوق القومية إلى مستوى أعلى من النقاش العام.
كذلك، لا ينبغي افتراض أن أصوات المواطنين الفلسطينيين في الداخل اتجهت جميعها إلى هدف سياسي واحد. فالنتيجة المشتركة للقائمتين تخفي اختلافات في البرامج والمرجعيات، وفي تصورات العلاقة مع الأحزاب الصهيونية وحدود المشاركة في الحكم. ومن هنا، يصبح الحفاظ على الإنجاز مرتبطا بقدرة التمثيل العربي على إدارة هذه الاختلافات، وصياغة أولويات واضحة، وتحويل التفويض الانتخابي إلى عمل مؤسسي يخدم المواطنين ويصون حقوقهم.
أما على المستوى الفلسطيني الأوسع، فإن المشاركة تحمل رسالة تتجاوز حدود البرلمان: الفلسطينيون في الداخل جزء أصيل من الشعب الفلسطيني، ولهم خصوصيتهم السياسية والاجتماعية، وتجربتهم الممتدة في الدفاع عن الأرض والهوية والحقوق. وقد أظهرت الانتخابات أن الحضور الفلسطيني في الداخل قادر على التأثير في موازين القوى، وأن التعامل مع قضاياه باعتبارها شأناً هامشياً لم يعد ينسجم مع حجمه الانتخابي والاجتماعي.
إن الإشادة بهذا الإقبال لا تعني التعامل مع النتائج بوصفها نهاية الطريق. فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد إعلان النتائج النهائية: في قدرة الأحزاب العربية على توحيد جهودها في الملفات المشتركة، وفي مدى التزامها بمطالب الناخبين، وفي استعداد القوى الإسرائيلية الأخرى للاعتراف بوزنها السياسي، وفي ما إذا كانت هذه المشاركة ستنعكس تحسناً ملموساً في حياة المواطنين العرب وحقوقهم.
تستحق جماهيرنا الفلسطينية في الداخل التقدير على مشاركتها الواسعة، وعلى ما أظهرته من تمسك بحقها في التعبير والتأثير. وتستحق النساء وكبار السن والشباب الذين توجهوا إلى صناديق الاقتراع التحية، لما تعكسه مشاركتهم من حيوية المجتمع وإصراره على حماية مكانه في المشهد العام.
تسعة عشر مقعداً تفتح باباً سياسياً واسعاً، لكنها تضع أمام أصحابها مسؤولية بحجم الثقة التي منحتها لهم صناديق الاقتراع. وبين الثقل الانتخابي والقدرة الفعلية على التغيير، ستتحدد قيمة هذا الإنجاز وحدود أثره في المرحلة المقبلة.