الأنباط -
أنا وجدّي وأفيرام للروائي زياد محافظة
حين تصبح مقاومة الظلم امتحانًا للإنسانية
فاتن أبو زايد- روائية أردنية
ثمّة حروب لا تنتهي عند حدود الأرض، بل تتسلل إلى أرواح أصحابها، وتتركهم في مواجهة سؤال أشد قسوة من الهزيمة: كيف نحمي ما تبقّى من إنسانيتنا، ونحن نقاوم من ينتزعها منا؟
في رواية «أنا وجدّي وأفيرام»، لا يكتفي زياد محافظة باستحضار الوجع الفلسطيني، بل يقترب من أثره في النفس البشرية؛ حيث تتجاور الذاكرة مع الخذلان، والانتماء مع الضرورة، والحق مع امتحاناته الأخلاقية. إنها حكاية عن وطن يسكن الإنسان حتى حين يبتعد عنه، وعن إنسان يجد نفسه مضطرًا إلى مواجهة الآخر في أكثر اللحظات هشاشةً وتعقيدًا.
يحمل العنوان بذرة الرواية كلها: «أنا» التي تبحث عن ذاتها، و«جدّي» الذي يحرس امتدادها في الذاكرة، و«أفيرام» الذي يضعها أمام وجه الخصم، لا بوصفه فكرة مجردة، بل إنسانًا تتداخل هشاشته مع دلالات الصراع الذي يمثله. ومن هذا التقاطع تتولد مفارقة الرواية الأعمق: أن ترى إنسانية الآخر من دون أن تنكر ظلمَه، وأن تتمسك بحقك من دون أن تفقد نفسك.
ولعل أكثر ما يمنح وليد المرتّل عمقه أنه لا يظهر بطلًا منزّهًا عن التناقض؛ إنه إنسان يحمل قضية عادلة، لكنه يحمل معها غضبه وضعفه ورغبته في استعادة ما سُلب منه. وحين تتداخل الرغبة بالانتقام، لا يعود السؤال متعلقًا بما يفعله الألم بالإنسان فحسب، بل بما قد يدفعه إليه. فالظلم لا يسرق الأمان وحده؛ إنه قد يعيد تشكيل دواخل ضحاياه، حتى تصبح مقاومتهم له صراعًا مع آثاره فيهم أيضًا.
أما الجدّ، فيمثل الذاكرة التي تمنح الانتماء جذوره، والأرض التي لا تختصرها حسابات المنفعة. ومن خلاله تتجاوز الرواية سؤال البقاء إلى سؤال المعنى: ماذا يبقى من الوطن إذا انقطعت الصلة به في الوعي، حتى لو ظل حاضرًا في الجغرافيا؟ فالأرض ليست مكانًا فحسب؛ إنها الحكايات التي نحملها، واللغة التي تشبهنا، والكرامة التي لا نستطيع تفسير أنفسنا من دونها.
ويتسع العالم الروائي بتعدد شخصياته وأمكنته، من فلسطين إلى تل أبيب وفضاءات أخرى، ليكشف أن الصراع لا يقع بين جماعات متقابلة وحدها، بل يمتد إلى داخل الإنسان والمجتمع؛ حيث تتنازع المصلحة مع المبدأ، والخوف مع المسؤولية، والحاجة مع الوفاء. وتغدو الثقافة والذاكرة، إلى جانب أشكال المقاومة الأخرى، وسيلتين لمواجهة المحو واستعادة الحق في رواية الذات.
فنيًا، تستمد الرواية قوتها من مفارقتها المركزية، ومن احتكاك القضية الكبرى بالتجربة اليومية، فيما يظل التحدي في تحقيق التوازن بين كثافة الأفكار وحيوية المشهد؛ لأن الفكرة تبلغ أعمق أثرها حين تتجسد في مصير الشخصيات، لا حين تكتفي بشرح نفسها.
إن «أنا وجدّي وأفيرام» ليست رواية عن عدوٍّ نحتاج إلى فهمه بقدر ما هي رواية عن إنسان يخشى، وهو يواجه عدوّه، أن يفقد الجزء الذي يستحق أن ينتصر من أجله. فالحق لا يحتاج إلى أن نتخلى عن إنسانيتنا كي ندافع عنه، والرحمة لا تعني النسيان، كما أن الذاكرة لا ينبغي أن تتحول إلى سجن.
وربما يبقى السؤال الأشد حضورًا بعد إغلاق الكتاب: حين يترك الظلم ندبته في أرواحنا، هل تكون النجاة في أن نردّ الألم، أم في ألّا نسمح له بأن يصبح صورتنا الأخيرة؟
فبعض الانتصارات لا تُقاس بما ننتزعه من الآخر، بل بما ننجح في حمايته داخلنا.