الأنباط -
ظنّ الإرهاب أن الرصاصة قادرة على تغيير مسار وطن، وأن الدم قادر على شقّ صفّ شعب لكنه اصطدم بحقيقة أعمق من رصاصه، وأصلب من رهانه الأردن وطنٌ لا تُختبر وحدته في الرخاءبل تتجلّى في المحن، وقيادةٌ تدرك أن حماية الدولة تبدأ بحماية الإنسان، وأن الانتصار الحقيقي هو إفشال الفتنة قبل أن تتحول إلى واقع.
في أحداث الكرك، لم يكن الامتحان أمنيًا فحسب كان امتحانًا للدولة في حكمتها، وللمجتمع في وعيه وللقيادة في قدرتها على الإمساك ببوصلة الوطن وسط العاصفة. وهنا تبرز دلالة النهج الهاشمي الذي يمثله جلالة الملك عبدالله الثاني حزمٌ في مواجهة الخطر، وحكمةٌ في إدارة الأزمة وتمسّكٌ بكرامة الإنسان ووحدة المجتمع، بعيدًا عن الانجرار إلى ما يريده الإرهاب من خوف وانقسام.
فالإرهاب لا يكتفي بإطلاق الرصاص إنه يريد أن يطلق معه الشك والكراهية، وأن يجعل من الجريمة بابًا للفوضى، ومن الألم ذريعةً للفتنة. لكن الرهان على تمزيق الأردنيين يصطدم بتاريخ من التماسك، وبوعي يعرف أن الوطن أكبر من الجراح، وأن الاختلاف لا يلغي وحدة المصير، وأن الدم الأردني ليس مادةً لمشاريع الحقد والتطرف.
وهنا الدرس الذي يتجاوز حدود الأردن ليست عظمة الدولة في أن تواجه العنف بالقوة وحدها، بل في أن تمنعه من تسميم روح المجتمع. فالدولة الواثقة تحمي أمنها، وتصون حقوق مواطنيها، وتحتكم إلى القانون لا تسمح للإرهاب بأن يفرض إيقاعه، ولا تمنح الفتنة فرصةً لتسرق من المجتمع أعظم ما يملك ثقته بنفسه وبأبنائه وبمستقبله.
إلى العالم نقول الأردن ليس وطنًا ينتظر من المحن أن تعرّفه بنفسه؛ إنه وطن تكشف المحن عن معدنه. قيادةٌ تتحمل مسؤوليتها، وشعبٌ يدرك قيمة وحدته، ومؤسساتٌ واجبها حماية الأمن والاستقرار، في معادلة لا تستقيم إلا بالعدالة وسيادة القانون. أما من يراهن على الخوف، فليدرك أن المجتمعات التي تعرف معنى الانتماء لا تُختزل في لحظة ألم، ولا تُقاد إلى الفتنة برصاصة غادرة.
وإلى كل من يفكر في المساس بأمن الأردن، أو الاعتداء على مواطنيه، أو استغلال الوطن لمصالح الفساد والفوضى سيادة الأردن ليست موضع اختبار، وأمن الأردنيين ليس مجالًا للمساومة، والقانون هو الفيصل الذي لا ينبغي أن تعلو عليه قوة أو حصانة. ستبقى مواجهة الإرهاب واجبًا وطنيًا، ومحاسبة الفساد ضرورةً لحماية الدولة وثقة الناس بها، وصون الحقوق أساسًا لاكتمال قوة الوطن.
أما الكرك، فليست مجرد صفحة في سجل المواجهة مع الإرهاب إنها شاهد على أن الرصاص قد يترك جرحًا، لكنه لا يملك أن يكتب هوية شعب، وأن المحنة قد تختبر الأوطان، لكنها لا تنتزع منها إرادتها حين تتمسك بوحدتها وكرامة أبنائها.
يا أبناء الأردن، إن أعظم وفاءٍ للوطن ليس في ارتفاع الصوت باسمه، بل في حمايته بالوعي، وصون وحدته بالفعل، والدفاع عن عدالته، والوقوف صفًا واحدًا في وجه كل من يريد به سوءًا.
هذه هي رسالة الأردن إلى العالم لا نطلب وطنًا بلا تحديات، بل وطنًا يواجه تحدياته بثبات لا نريد قوةً تنفصل عن العدالة، ولا أمنًا ينفصل عن كرامة الإنسان. نريد دولةً قويةً بقانونها، منيعةً بوحدتها، عزيزةً بشعبها.
قد تملك رصاصة الغدر لحظةً من الألم، لكنها لا تملك مستقبل وطن. وقد يحاول الإرهاب إشعال الفتنة، لكنه لن يكتب للأردن هويته فالأردن يكتبها أبناؤه بوحدتهم، وتصونها دولته بمؤسساتها، وتحفظها العدالة وسيادة القانون.
ذلك هو الأردن وطنٌ لا تنحني قامته أمام الإرهاب، ولا تتنازل روحه عن إنسانيته، ولا تتبدل بوصلته حين تشتد العواصف.