البث المباشر
رضيع بشارب كثيف يشعل مواقع التواصل .. ما القصة؟ الثعلب الذي هزمني لماذا تناضلون في حمود؟ لماذا الكرك؟؟؟ حمود .. تحول نوعي ام رسالة خاصة عندما حضر الملك : رسالة الطمأنينة والثأر فرج أحمد خلف خليفة العطيات (ابو محمد) في ذمة الله الملك سلمان وولي العهد السعودي يعزيان الملك بشهداء الكرك تشييع جثامين 8 من ضحايا جريمة كنيسة حمود في جنازة جماعية غداً خطاب الفكر النقدي العربي المعاصر بين البنية والتفكيك كتاب جديد للباحث نبيل محمد صغير عن دار فضاءات مدير مستشفى الكرك الحكومي: 3 من مصابي حادثة الكرك يغادرون المستشفى الأردن أرض الوئام… لا خوف على وطن يتقدم ملكه الصفوف هاني البدري: جريمة الكرك غريبة عن الأردن.. والتضامن لا يكفي بين الرداء الأبيض وصوت الثورة قراءة نقدية في رواية «الملاك الثائر» للكاتبة ريتاج إسحق المنسي بتوجيهات ملكية.. العيسوي يتابع الأوضاع الصحية لمصابي الاعتداء الإرهابي بالكرك الديوان الأردني الأمريكي لجنوب كاليفورنيا يدين الجريمة الإرهابية في الكرك ويؤكد: وحدة الأردنيين أقوى من الإرهاب الكرك عصية على اللبننة الأمن العام ينظّم حملة للتبرع بالدم في مدينة الحسين الطبية ومستشفى الأمير علي العسكري دعماً لمصابي جريمة الكرك الارهابية نحن أبناء هذه الأرض، والعدالة في مواجهة التطرف دبلوماسية شي: قراءة في رؤية شي للحوكمة العالمية من خلال الاستعارات

لماذا تناضلون في حمود؟

لماذا تناضلون في حمود
الأنباط -
د. أيوب أبودية
السؤال الذي يفرض نفسه أمام هذه الجريمة هو: من هم هؤلاء الجبناء الذين يرفعون شعارات دينية، ثم يوجهون أسلحتهم إلى أناس أبرياء عزل داخل كنيسة؟

إن الذين يرتكبون هذه الجرائم باسم الإسلام لا يقدمون صورة عن الإسلام بقدر ما يكشفون عن فهم متطرف للدين، يقوم على الإقصاء والكراهية، ويتناقض مع قيم الرحمة والعدل وصيانة النفس الإنسانية. فالإيمان ليس رخصة للقتل، والتدين ليس مبررا للاعتداء، ولا يحق لأحد أن ينصّب نفسه حاكما على ضمائر الناس وسلوكهم، فيستبيح دماءهم وأماكن عبادتهم.

لنتذكر أبا بكر الصديق، الخليفة الأول بعد الرسول الكريم، وما اشتهر في الروايات التاريخية من وصاياه للجيوش التي خرجت إلى بلاد الشام. فقد نُسب إليه أنه أوصى بألا تُقطع الأشجار المثمرة، وألا يُقتل الأطفال أو الشيوخ، وألا يُقتل الرهبان المنقطعون للعبادة في صوامعهم، والا يقتل من لا يرفع السيف في وجهكم.

وليس المقصود من استحضار هذه الوصايا مجرد التذكير بموقف تاريخي، بل إبراز المبدأ الأخلاقي الذي تعبر عنه: حتى في أوقات الحرب، حين تبلغ المواجهة أشدها، لا تسقط القيود الأخلاقية كلها، ولا يستباح دم الإنسان لمجرد اختلافه في الدين أو انتمائه إلى مذهب آخر.

فإذا كان هذا هو المبدأ الذي تنقله لنا كتب التاريخ عن الخليفة الأول، فكيف يمكن تبرير الاعتداء على كنيسة، أو قتل أناس تجمعوا لتشييع فقيدتهم؟ وأي صلة تجمع بين هذه الجرائم وبين أخلاق أبي بكر أو تعاليم الرسول الكريم؟

إن السنة النبوية، كما فهمها المسلمون عبر تاريخهم، لا تختزل في المظاهر والشعارات، بل تقوم على الاقتداء بأخلاق الرسول الكريم وسيرته، وسيرة صحابته، وعلى احترام النفس الإنسانية التي ينبغي ألا تزهق بغير حق، والوفاء بالعهود، وصيانة الحقوق. ومن ثم، فإن من يدعي الانتساب إلى السنة والجماعة، ثم يستحل دماء الأبرياء ويعتدي على دور العبادة، يضع نفسه في تناقض صارخ مع المبادئ الأخلاقية التي يزعم الدفاع عنها.

ولعل من أبلغ الشواهد التاريخية على احترام المقدسات الدينية ما يُروى عن الخليفة عمر بن الخطاب عند دخوله القدس. فبحسب الرواية التاريخية المشهورة، حين حان وقت الصلاة وهو في كنيسة القيامة، عرض عليه البطريرك أن يصلي داخلها، لكنه امتنع وصلى خارجها، موضحا خشيته من أن يأتي المسلمون من بعده فيتخذوا صلاته داخل الكنيسة ذريعة للاستيلاء عليها وتحويلها إلى مسجد.

وسواء تأملنا هذه الرواية من زاويتها التاريخية أم الأخلاقية، فإن المغزى الذي استقر في الذاكرة الإسلامية واضح: لا ينبغي أن تتحول مكانة الحاكم أو القائد الديني إلى ذريعة لانتزاع حقوق الآخرين أو المساس بمقدساتهم.

إن عمر بن الخطاب، وهو الفاروق العادل، الذي كان يستطيع أن يصلي حيث يشاء في المدينة التي دخلها فاتحا، اختار أن يتجنب فعلا قد يُساء تفسيره في المستقبل. وهذا درس عميق في المسؤولية، وفي إدراك أن العدل لا يقتصر على ما ينويه الإنسان في نفسه، بل يشمل أيضا ما قد تترتب على أفعاله من نتائج تمس حقوق الآخرين.

فأين هؤلاء الذين يهاجمون الكنائس من هذا الفهم؟ وأين هم من سيرة خليفة راشد حرص، وفق الرواية المشهورة، على ألا تتحول صلاته إلى ذريعة للمساس بحقوق المسيحيين في مقدساتهم؟

إن احترام الكنيسة لا ينتقص من المسجد، كما أن احترام المسجد لا ينتقص من أهمية الكنيسة. فالمقدسات ليست ميدانا للمنافسة على السيطرة، بل أماكن يتوجه فيها المؤمنون إلى الله نفسه وفقا لعقائدهم وطقوسهم.

إن اختيار حمود في الكرك، بما تمثله من تاريخ وطني وعروبي، لاستهداف كنيسة فيها، يجعل الجريمة أشد إيلاما في وجدان الأردنيين. فالكرك ليست مجرد مدينة أو محافظة في جنوب الأردن؛ إنها جزء من الذاكرة الوطنية وسرديتها، ومن تاريخ المشاركة في بناء الدولة والدفاع عنها. وقد عرف مجتمعها علاقات متجذرة بين المسلمين والمسيحيين منذ واقعة مؤتة عندما ازرت القبائل العربية المسيحية جيش الفتوح الذي انهزم مع الروم في معركة مؤتة، فأعزهم الرسول. فمنذ ذلك الزمن لم تقم العلاقة على مجرد التعايش الاضطراري، بل على الجيرة والصداقة والمشاركة في الأفراح والأتراح، وعلى الشعور بأن الأرض واحدة والمصير واحد.

ومن الصور التي تعبر عن عمق هذه العلاقة ما يُتداول محليا عن مشاركة أبناء عشيرة المعايطة رغبتهم في ان يكون أحدهم خوري الكنيسة، كرمزية عن الاخوة، فإن دلالتها الاجتماعية تستحق التأمل: حين يصبح أبناء عشيرة مسلمة جزءا من الحياة الاجتماعية المحيطة بكنيسة، فإننا لا نكون أمام علاقة جوار عادية فحسب، بل أمام إحساس بالانتماء إلى مجتمع واحد، تتجاوز روابطه حدود الاختلاف الديني.

هذه هي الكرك التي نعرفها، وهذه هي الروح التي ينبغي أن تبقى. فكيف يمكن لعقل متطرف أن يتصور أن إطلاق الرصاص على المصلين أو المشيعين العزّل سيجعل أبناء المجتمع الواحد أعداء بعضهم لبعض؟

إن من يرتكب مثل هذه الجريمة لا يفهم طبيعة المجتمع الأردني، ولا يدرك أن الدم الذي يسيل في كنيسة أردنية هو دم يمس ضمير الوطن كله.

وقد تزامن الاعتداء على كنيسة حمود مع أنباء عن عملية في الخليل، الأمر الذي يفرض علينا التذكير بأن حياة المدنيين وحرمة دور العبادة لا ينبغي أن تخضعا لمنطق الانتقام أو الصراع الديني. ولكن لا نستبعد أن الذي حرك داعش لحرق ابن الكرك الشهيد البطل معاذ الكساسبة عام ٢٠١٥ هو نفسه الذي حرك المجرمين لمهاجمة الكنيسة.

إن المبدأ الذي ندافع عنه هنا لا يتغير بتغير المكان أو هوية الضحية: فلا يجوز قتل الأبرياء، ولا تبرير استهدافهم بسبب دينهم أو هويتهم، ولا تحويل أماكن العبادة إلى ساحات للعنف.

ومن يرفض الاعتداء على المدنيين في الخليل، عليه أن يرفض الاعتداء على المصلين والمشيعين في حمود، مثلما ينبغي أن يرفض كل اعتداء على الأبرياء في أي مكان. فالعدالة لا تتجزأ، وحرمة الإنسان ليست امتيازا تمنحه الهوية أو تسحبه.

ولعل أجمل ما تختزنه ذاكرة بلاد الشام من صور الأخوة بين المسلمين والمسيحيين ما يُنسب إلى فارس الخوري، السياسي السوري المعروف ورئيس الوزراء خلال عهد الانتداب الفرنسي.

تروي الحكاية الشهيرة أنه خاطب المسلمين في المسجد الأموي بدمشق، قائلا، بمعنى العبارة المتداولة: إذا منعكم الفرنسيون من الصلاة في مساجدكم، فإن كنائسنا مفتوحة لكم، فأقيموا الصلاة فيها.

إننا لا نستحضر هذه العبارة هنا بوصفها مجرد واقعة تاريخية، بل بوصفها رمزا لمعنى أعمق من حدود الرواية نفسها: أن دور العبادة يمكن أن تكون جسورا بين الناس، لا حواجز بينهم؛ وأن الدفاع عن حق الآخر في ممارسة شعائره هو دفاع عن حريتنا جميعا.

تخيلوا المشهد: رجل مسيحي يقف في قلب المسجد الأموي، لا ليدعو إلى الفرقة، بل ليؤكد أن الكنيسة يمكن أن تكون ملاذا للمسلم إذا حُرم من مسجده. أي مسافة أخلاقية تفصل بين هذه الروح وبين عقلية من يقتحم كنيسة ويطلق النار على أبنائها العزل؟

إن هذه الحكاية، بما تحمله من دلالة وطنية وإنسانية، تذكرنا بأن بلاد الشام عرفت تقاليد من التضامن بين المسلمين والمسيحيين، وأن مواجهة الاستعمار والظلم كانت تجمع أبناءها حول حقوق مشتركة، لا تفرقهم على أساس العقيدة. ومن منا لا يا يتذكر المناضلة تيريز هلسا من أهل حمود التي أصابت نتنياهو في كتفه خلال احدى العمليات الفدائية، فهل هي مصادفة أن تقع جريمة حمود بعد سويعات من عملية الخليل؟

لذلك، فإن استحضار فارس الخوري اليوم ليس حنينا إلى الماضي فحسب، بل دعوة إلى استعادة قيمه: أن يقف الإنسان مع أخيه الإنسان حين يتعرض للظلم، وأن تصبح كرامة الآخر جزءا من كرامته.

إن الأردن، في محنته هذه، أمام فرصة لتأكيد ما عرفه أبناؤه عبر عقود طويلة: أن الوحدة الوطنية ليست شعارا يُرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية تتجسد في التضامن بين الناس، وفي احترام القانون، وفي حماية حرية العبادة، وفي رفض التحريض والكراهية.

فالأردن وطن يلتقي فيه المسلم والمسيحي، والعربي والكردي، والارمني والشركسي والشيشاني، وسائر أبناء مكوناته الاجتماعية، في رابطة المواطنة والانتماء إلى الأرض. ولا يسمح الأردنيون لأي فكر تكفيري أو متطرف بأن يزرع بينهم الشك أو يبدد الثقة المتبادلة التي تراكمت عبر الأجيال وتعززت بوجود الهاشميين.

إن الجريمة التي شهدتها كنيسة حمود تضعنا أمام سؤال أخلاقي كبير: أي مجتمع نريد أن نورثه لأبنائنا؟ أهو مجتمع يقتدي بأبي بكر في وصاياه، وبعمر الفاروق في حرصه على حقوق الآخرين، ويستلهم من فارس الخوري روح الأخوة الوطنية؟ أم مجتمع يسمح لأصحاب الفكر المتطرف بأن يختطفوا الدين ويحولوا الاختلاف إلى عداوة؟

إننا نرفض أن يُختزل الإسلام في جرائم يرتكبها متطرفون باسمه، كما نرفض أن تتحول هذه الجريمة إلى سبب للشك في نوايا المسلمين أو تحميلهم مسؤولية أفعال لم يرتكبوها. فالمسؤولية تقع على مرتكبي الاعتداء الاجرامي وحدهم، وعلى من يثبت تورطه في التحريض أو التخطيط أو التنفيذ.

وفي المقابل، فإن الدفاع عن الإسلام لا يكون بإنكار الجريمة أو التقليل من شأنها، بل بإدانتها الصريحة، وبالوقوف إلى جانب الشهداء، وبمقاومة كل فكر يبيح قتل الأبرياء أو الاعتداء على المقدسات.

لقد قدم الأردن، عبر تاريخه وعلاقاته الاجتماعية، مثالا مهما على إمكان اجتماع المسلمين والمسيحيين في وطن واحد، يتشاركون فيه الحقوق والواجبات والآمال والآلام. وهذه التجربة تستحق أن تُصان وتُطوّر، لا أن تُترك فريسة للمتطرفين.

وإذا كان فارس الخوري قد عبّر، في العبارة المنسوبة إليه، عن استعداد الكنائس لاستقبال المسلمين إذا أُغلقت المساجد في وجوههم، فإن الدرس الذي ينبغي أن يبقى في وجداننا هو أن حرية الآخر ليست تهديدا لنا، بل جزء من حريتنا، وأن كرامته ليست منفصلة عن كرامتنا.

والأردن الذي جمع أبناءه على المحبة والتضامن قادر على أن يحمي هذه اللحمة، وأن يثبت مرة أخرى أن رصاصة الكراهية الجبانة لن تهزم تاريخا طويلا من الأخوة، وأن التطرف لن يكون أقوى من إرادة الأردنيين في العيش معا بسلام وكرامة.

رحم الله ضحايا هذا الاعتداء الاجرامي، وألهم ذويهم الصبر، ومنّ على المصابين بالشفاء، وحفظ الأردن وأهله من كل سوء، وجعل المحبة والعدل والتآخي أقوى من الكراهية والعنف.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير