الأنباط -
في كنيسة حمود أُصيب الأردن كله
يزن كامل محادين
ذهبوا ليودّعوا راحلةً، فصار على الأردن أن يودّع بعضهم. في كنيسة حمود بالكرك، يوم الجمعة 23 تشرين الأول 2026، امتدّ رصاص الإرهاب إلى أناس اجتمعوا لتشييع جنازة سيدة. هناك، في مكان يقصده الناس للصلاة ومواساة بعضهم، صار للحزن حزنٌ آخر، وللفقد بيوتٌ أخرى.
أكتب بوجع ابن الكرك، وبمعرفة ما تعنيه هذه الأرض لأهلها. أعرف معنى أن يكون وجع الجار سببًا لفتح بابك، وأن يجمعك بالناس عمرٌ من العشرة قبل أن يجمعك بهم موقف. في هذه التفاصيل الصغيرة تتكوّن الأوطان؛ في السؤال عن الغائب، والوقوف مع المكلوم، ومعرفة أن لك أهلًا وراء باب بيتك أيضًا.
ولهذا يوجعنا ما جرى إلى هذا الحد. وراء كل اسم من أسماء الشهداء حياة كاملة، وأحاديث لم تنتهِ، ومواعيد لن يحضرها أصحابها. سيبقى أحدهم ينتظر صوتًا اعتاده، وسيقف آخر أمام كرسيّ فارغ لا يستطيع أن يعتاد فراغه. هذه خسارات يحملها الناس إلى ما بعد انصراف المعزّين، ويستحق أصحابها أن نبقى قريبين منهم حين يهدأ الخبر.
الاعتداء على كنيسة حمود أصاب حقّ كل أردني في أن يدخل دار عبادته مطمئنًا، وأن يودّع من يحبّ دون أن يخاف على حياته. أصاب حرمة الصلاة وحرمة الموت وواجب العزاء. وأمام جريمة كهذه، يصبح الدفاع عن الكنيسة واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا يخصّنا جميعًا؛ فحرمة المكان متصلة بكرامة الإنسان الذي يدخله.
ومن هنا يجب أن يكون كلامنا واضحًا: دم الإنسان حرام، والاعتداء على دور العبادة جريمة، والتبرير لها مشاركة في إفساد ضمير المجتمع. كل كلمة تنتقص من إنسان بسبب دينه تستحق أن نواجهها، في البيت والصف والمنبر وعلى الشاشات. فكرامة الناس تُصان أيضًا في اللغة التي نستخدمها عنهم، وفي الأفكار التي نسمح لأطفالنا بأن يكبروا عليها.
ويقتضي الوفاء للشهداء عدالةً حازمة؛ تحقيقًا يكشف الحقيقة، ومحاسبةً للجناة أمام القانون، وحمايةً للناس وحقوقهم. نضع ثقتنا في مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية، وندعم عملها بوعيٍ ومسؤولية. ونحفظ للحقيقة مكانها، فلا نستبدلها بشائعة، ولا نحمّل عائلة أو جماعة وزر جريمة أفراد.
وقد حملت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني للمصابين في الكرك معنى قرب القيادة من وجع الناس، وجاء تأكيده أن «دم الأردني غال» تعبيرًا عن مسؤولية الدولة تجاه كل حياة أردنية. وهذه قيمة نريد أن نراها راسخة في وعينا اليومي: لكل بيت حرمته، ولكل مواطن حقّه الكامل في الحماية والإنصاف.
وتبقى أمامنا مسؤولية تستمر بعد بيانات الإدانة. أهل الشهداء بحاجة إلى سندٍ يمتدّ مع الأيام، والمصابون بحاجة إلى الرعاية حتى التعافي، ومن عاشوا الرعب بحاجة إلى من يصغي إليهم ويحترم أثر ما مرّوا به. الوفاء هنا زيارة وسؤال ومساعدة ومتابعة؛ أفعالٌ تحفظ للناس شعورهم بأنهم محاطون بأهلهم.
ويستحق المكلومون أن نحفظ خصوصية وجعهم. أن نتأنّى قبل نشر صورة، وأن نفكّر في أهل الإنسان قبل تداول مشهدٍ يؤلمهم، وأن نترك لهم حقّ الحزن بكرامة. للكلمة مسؤولية، وللصمت أحيانًا رحمة، وللوقوف إلى جانب الناس أشكال كثيرة تتجاوز ما نكتبه عنهم.
إلى أهلي في حمود، وإلى الكرك التي أحملها في اسمي وقلبي: عزاؤنا واحد، والشهداء أهلنا، ووجع المصابين وجع بيوتنا. من حقّكم علينا أن نبقى معكم، وأن نحفظ أسماء من رحلوا بكرامة، وأن نحمل معكم ما نستطيع من ثقل هذه الفاجعة.
الرحمة للشهداء، والشفاء للمصابين، وحمى الله الأردن وقيادته وشعبه. سيبقى لأهل حمود حقّ الصلاة والحياة، وسيبقى لنا جميعًا واجب صون هذا الحق.
حمود جرحُنا جميعًا. والبيت الذي أصابه الرصاص سنحفظه معًا؛ لأن اسمه الأردن.