الأنباط - كنيسة حمود.. ما وراء الجريمة
د. حازم قشوع
لم تعد جريمة كنيسة حمود في الكرك مجرد حادثة إطلاق نار أودت بحياة مواطنين وأصابت آخرين، بل هي واقعة تستدعي قراءة أوسع في أبعادها الإنسانية والاجتماعية والأمنية، وما تطرحه من تساؤلات حول حماية الاستقرار الداخلي في مرحلة إقليمية تتشابك فيها التحديات وتتداخل فيها تداعيات الصراعات.
وتحمل كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في بلدة حمود ذاكرة تاريخية ترتبط بتاريخ المكان وتعايش أبنائه، فهي جزء من الإرث الاجتماعي الذي تختزنه الكرك، بما عرفته من شراكة بين المسلمين والمسيحيين في الحياة والعمل والانتماء. ، فإن الاعتداء في محيط الكنيسة وأثناء تشييع جنازة لا يمسّ حرمة الإنسان وقدسية المكان فحسب، بل يستدعي استحضار تاريخ من التعايش شكّل إحدى ركائز الهوية الوطنية الأردنية.
فالمكان الذي يجتمع فيه الناس للصلاة والوداع الأخير يفترض أن يكون مساحة للسكينة والرحمة، لا ساحة للخوف وإراقة الدماء. كما أن حرمة الجنازة تفرض احتراماً إنسانياً يتجاوز الاختلافات الدينية والاجتماعية، ويجعل المساس بها اعتداءً على القيم التي تجمع المجتمع بأسره.
وتأتي هذه الحادثة في مرحلة إقليمية تتسم بتشابك التحديات الأمنية وتداخل تداعيات الصراعات المحيطة، بما يجعل حماية الجبهة الداخلية وتعزيز اليقظة الأمنية ضرورة تتجاوز التعامل مع الحوادث منفردة إلى قراءة البيئة التي تتحرك في إطارها. وفي مثل هذه الظروف، تزداد أهمية تحصين المجتمع، وحماية دور العبادة والتجمعات العامة، وإغلاق أي ثغرات يمكن أن تمسّ أمن المواطنين واستقرار الدولة، دون استباق نتائج التحقيق أو افتراض صلات لم تثبتها الأدلة.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين السياق الأمني العام والملابسات الخاصة بالجريمة فالأول يفرض اليقظة والاستعداد، أما الثاني فلا تحسمه إلا التحقيقات والأدلة. ومن ثم، فإن كشف حقيقة ما جرى، وتحديد دوافعه، ومحاسبة المسؤولين عنه، تمثل جميعها متطلبات أساسية لصون الأمن وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.
إن الأمن لا يقوم على المعالجة بعد وقوع الحوادث فحسب،
بل على القدرة على تقدير المخاطر، ورفع مستوى الجاهزية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المختصة، وحماية المواطنين في أماكن العبادة والتجمعات العامة. كما أن مسؤولية المجتمع تتمثل في عدم الانجرار وراء الشائعات أو تحويل الحادثة إلى مناسبة لإثارة النعرات الدينية والاجتماعية، لأن مثل هذه الممارسات قد تضاعف آثار الجريمة وتسيء إلى النسيج الوطني.
لقد قام الأردن على قاعدة المواطنة و الشراكة الوطنية، وكان أبناؤه، مسلمين ومسيحيين، شركاء في بناء الدولة وصون استقلالها وتعزيز مؤسساتها. ولم يكن التعايش مجرد صيغة اجتماعية عابرة، بل جزءاً من تاريخ وطني تشكّل عبر الأجيال، وأصبح احترام التنوع فيه ركيزة من ركائز المواطنة والانتماء.
ومن هنا، فإن المطلوب هو الجمع بين الحزم الأمني والعدالة، وبين حماية الاستقرار وصون الحقوق، فلا تُترك الجريمة دون مساءلة، ولا تُبنى الاتهامات على الظنون، ولا يُسمح بأن يتحول الألم إلى انقسام. فالدولة القوية هي التي تكشف الحقيقة وتنفذ القانون، والمجتمع المتماسك هو الذي يحمي وحدته في مواجهة الأزمات...إن ما وراء جريمة كنيسة حمود ليس مبرراً للبحث عن اتهامات غير مثبتة، بل مناسبة لإعادة التأكيد على أن الأمن مسؤولية وطنية متكاملة، وأن اليقظة الأمنية لا تنفصل عن الوعي المجتمعي، وأن حماية دور العبادة هي جزء من حماية الأردن بكل مكوناته.
وستبقى حمود جزءاً من ذاكرة الكرك والأردن، وسيبقى تاريخ التعايش بين أبنائها أكبر من أن تختصره جريمة. فالأوطان
لا تُصان بإنكار الألم أو تضخيمه، وإنما بمواجهة الحقيقة، وترسيخ سيادة القانون، وحماية الثقة بين المواطنين...رحم
الله الضحايا، وألهم ذويهم الصبر، ومنّ على المصابين بالشفاء، وحفظ الأردن وأهله من كل سوء...فالأمن يبدأ بكشف الحقيقة،ومن يقف وراءها ويترسخ بسيادة القانون، وتكتمل حمايته بوحدة المجتمع وتماسكه ..وسيبقى الاردن قوي بوحدته ومنيع بالتفافه حول قيادته .