البث المباشر
والدة الصحفية رنا حداد في ذمة الله عمان الأهلية الأولى على الجامعات الخاصة والثالثة محلياً و 26 عربياً بتصنيف كيو أس للجامعات العربية 2027 نظرة في كتاب الفلسطينيون في الكويت الخضير: الأردن حريص على توسيع آفاق التعاون الثقافي والفني مع الصين فرنسا.. حين تطغى الفوضى على صوت الشارع الصندوق الاردني للريادة مشاركا رئيسيا في اغلاق صندوق " أنارا " البالغ حجمه ٤٨ مليون دولار أجواء لطيفة حتى الثلاثاء ماذا يحدث لجسمك عندما تتوقف عن الأكل لساعات؟ تعرف إلى أسرار الصيام المتقطع كيف يؤثر استخدام الذكاء الاصطناعي على إنجاز المهام الصعبة؟ القهوة والصداع.. مفارقة قد تجعلك تعيد التفكير في فنجانك اليومي برعاية الأميرة عالية الطباع .. افتتاح المعرض العربي الدولي للصناعات البلاستيكية وصناعة التجميل في عمّان من يتحمل مسؤولية الجاهزية؟ ومقترح لتوحيد الإدارة تحت مظلة اتحاد اللعبة البنك العربي يواصل دعم برامج دار أبو عبدالله لتمكين السيدات والشباب وتطوير الزراعة المائية تيك توك يتصدر تنزيلات تطبيقات التواصل الاجتماعي عالميا في 2025 استقرار التضخم في الأردن لا يبدد الضغوط على القدرة الشرائية السعودية والأمن العربي الوحدات يكسب موقعة الحسين اربد بهدف نظيف انطلاق رحلات “أردننا جنة” إلى وجهات سياحية في المملكة جامعة الدول العربية تدين الاعتداءات الحوثية على مقر الحكومة اليمنية شهيد ومصابون بقصف للاحتلال على مخيم جباليا

فرنسا.. حين تطغى الفوضى على صوت الشارع

فرنسا حين تطغى الفوضى على صوت الشارع
الأنباط -
بقلم :عماد عبدالقادر عمرو

ليست أخطر ما كشفته أحداث فرنسا في 17 أكتوبر حجم الحرائق والدمار الذي طال عددا من المدن، بل التحول الذي أصاب المشهد حين تراجعت المطالب الاجتماعية إلى الخلف، وتصدرت صور الحرق والنهب والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة. عندها لم يعد السؤال مقتصرا على أسباب الاحتجاج، بل امتد إلى ما إذا كانت هناك مجموعات تدفع الأحداث نحو مسار يختطف صوت الشارع ويحوّل الغضب الاجتماعي إلى مواجهة مفتوحة.

من ليموج، حيث التهم الحريق مبنى البلدية التاريخي وانهار برج أجراسه، إلى ليون، حيث أُحرق مكتب السياحة، وصولا إلى المتاجر التي تعرضت للنهب والتخريب، بدت الخسارة أكبر من أضرار مادية. فهذه معالم ومصالح تعود للمجتمع نفسه، ولا يمكن اعتبار تدميرها تعبيرا عن مطالب المواطنين أو وسيلة لتحقيقها.

كان مشهد برج الأجراس وهو ينهار، وسط هتافات الابتهاج بما حدث، من أكثر المشاهد إيلاما. وكذلك مشهد السيدة التي توسلت لمن ينهبون محلها ألا يسلبوها مصدر رزقها. صورتان تختصران مفارقة قاسية: معلم يحمل ذاكرة مدينة يُدمّر، ومواطنة تجد نفسها مضطرة للدفاع عن رزقها في مواجهة أشخاص يفترض أن مطالبهم لا تنفصل عن مصالح المجتمع وحقوق أفراده.

ما الذي يمكن أن يحققه إحراق مبنى تاريخي؟ وكيف يسهم نهب متجر في معالجة الغلاء أو تحسين الخدمات أو توفير فرص العمل؟ لا تقدم هذه الأفعال حلا لأي من المشكلات التي تحرك الشارع، بل تضيف إليها خسائر جديدة، وتضع المواطنين أمام أعباء لم يختاروها.

الأكثر أهمية في قراءة المشهد هو ما أعلنته السلطات الفرنسية من اتهامات لمجموعات من اليسار الراديكالي واليسار المتطرف بالتحريض على المواجهات واستهداف المؤسسات، إلى جانب أشخاص استغلوا حالة الاضطراب لنهب المتاجر. وتحدث مسؤولون عن مجموعات تحركت بصورة متزامنة، وهاجمت قوات الأمن ومبانٍ عامة في عدد من المدن. وفي المقابل، شددت الحكومة على أن الاحتجاج السلمي لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء للعنف والتخريب.

هذه الاتهامات الرسمية تضع أمام المتابع سؤالا جوهريا حول دور التيارات الراديكالية في توجيه الاحتجاجات، وحدود انتقالها من التعبير السياسي إلى تأجيج الشارع. هل تسعى بعض المجموعات إلى استثمار الغضب الشعبي لتوسيع المواجهة وفرض أجندات تتجاوز المطالب المعلنة؟ وهل يؤدي دفع المتظاهرين إلى الاشتباك مع قوات الأمن إلى إضعاف الحراك الاجتماعي نفسه، وتحويل الأنظار عن أسبابه؟

لا يمكن الجزم بوجود مخطط موحد أو تحميل تيار سياسي بأكمله مسؤولية كل ما جرى من دون أدلة تثبت ذلك. لكن اتهامات المسؤولين، وطبيعة الاعتداءات التي شهدتها بعض المدن، تفرضان ضرورة التحقيق في هوية المجموعات المتورطة، وأدوارها، وما إذا كانت أعمال التخريب عفوية أم نُفذت ضمن تحركات منسقة.

المفارقة أن العنف قد يمنح أصحابه حضورا مؤقتا في المشهد، لكنه يسلب أصحاب المطالب السلمية قدرتهم على إيصال رسالتهم. فعندما تتصدر صور الحرائق والنهب التغطية الإعلامية، ينصرف النقاش من أسباب الاحتجاج إلى كيفية احتواء الفوضى، ويصبح المواطن الذي خرج للتعبير عن معاناته جزءا من مشهد لا يمثله بالضرورة.

وهنا تكمن خطورة ما يجري: ليس فقط في الاعتداء على الممتلكات، بل في احتمال أن تتحول الفوضى إلى قوة تطغى على صوت الشارع، وأن يجد المجتمع نفسه أمام مواجهة تستنزف الأمن والثقة وتؤجل معالجة المشكلات الحقيقية. وفي الوقت نفسه، فإن فهم أسباب الغضب الاجتماعي يظل ضروريا، كما أن أي تجاوزات في التعامل الأمني ينبغي أن تخضع للتحقيق؛ فقراءة المشهد بإنصاف تقتضي ألا تحجب أعمال التخريب المطالب الأصلية، وألا تتحول المطالب إلى مبرر للعنف.

إن ما شهدته فرنسا يستحق مراقبة دقيقة تتجاوز الانطباعات والأحكام المسبقة. فالمطلوب ليس الاكتفاء بإدانة المشاهد، بل فهم كيف وصلت الأمور إلى هذا المستوى، وتحديد المسؤوليات، وكشف ما إذا كانت هناك جهات تستثمر الاحتجاجات لتأجيج المواجهة. فالمحاسبة على أساس الأدلة هي الطريق إلى الحقيقة، لا الاتهام الجماعي ولا التبرير السياسي.

حين ينهار معلم تاريخي وسط هتافات الابتهاج، وتُنهب متاجر فيما يتوسل أصحابها لحمايتها، يصبح السؤال أكثر إلحاحا: هل بقيت هذه الأفعال في خدمة المطالب التي خرج الناس من أجلها، أم أن مجموعات تسعى إلى التصعيد دفعت المشهد نحو الفوضى، حتى كادت أصوات المحتجين أنفسهم تختفي خلف المواجهات؟

ما جرى يذكّرنا بأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي احتجاج هو أن يفقد اتجاهه، وأن تتحول المطالب إلى خلفية لمشهد من التخريب والصدام. فالمباني التي تُحرق لا تعالج الأزمات، والأرزاق التي تُنهب لا تحقق العدالة، والعنف لا يمنح المجتمع إجابات عن أسئلته. بل قد يتركه أمام خسائر أكبر، فيما تبقى الأسباب التي أخرجت الناس إلى الشوارع بلا حلول.
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير