الأنباط -
بقلم ✍️ الدكتورة إيمان أمين الشمايلة
ثمة حكمةٌ في هذا الكون لا تُدركها العيون من أوّل المشهد، ولا تستوعبها العقول وهي أسيرة اللحظة؛ حكمةٌ تُبقي في المجهول متّسعًا للأمل، وفي تقلّبات الحياة نوافذَ لا تراها الأبصار المستعجلة. فليس كلُّ ما تُقرّره الأرض خاتمةً للحكاية، ولا كلُّ ما يبدو مستحيلًا قد استنفد احتمالاته؛ إذ بين إرادة الإنسان ومآلات الحياة أفقٌ واسع، لا يحيط بأسراره إلا الله.
للأرض حساباتها، وللسماء حكمتها؛ والأولى تُدبّر ما تراه، أمّا الثانية فبيد الله الذي يعلم ما لا نعلم، ويرى من العواقب ما لا تبلغه بصائرنا.
كم من أمنيةٍ تأخّرت، فأنضجها الانتظار، وكم من طريقٍ انحرف عن مراد صاحبه، فقاده إلى ما هو أوسع من أمنيته الأولى. وكم من مشهدٍ ظنّ الناس أنّه اكتمل، فإذا بالحياة تستأنف روايتها من حيث لم يتوقّع أحد؛ لا لأنّ قوانينها قد تعطّلت، بل لأنّ الإنسان لا يرى من الصورة إلا الجزء الذي يقف أمامه.
إنّ أعظم ما يُربك غرور الإنسان أنّه يستطيع أن يُحكم الوسائل، لكنه لا يملك الإحاطة بالمآلات؛ يستطيع أن يفتح بابًا ويغلق آخر، وأن يُرتّب خطواته بدقّة، لكنه لا يستطيع أن يجعل علمه المحدود بديلًا عن علم الله المطلق. وهنا تتجلّى روعة الوجود: أن تبقى في الحياة احتمالاتٌ تُجدّد الرجاء، وأن يكون وراء كلّ أفقٍ منظورٍ أفقٌ أرحب، لا نعرف متى ينكشف، ولا كيف تتبدّل عنده الموازين.
ما أضيق الحياة حين نقيسها بقرارٍ عابر، وما أرحبها حين نؤمن أنّ رحمة الله أكبر من مخاوفنا، وأنّ تدبيره لا تحدّه حدود تصوّراتنا.
وليس الإشراق أن نزعم أنّ كلّ ما نريده سيحدث، بل أن نمتلك من اليقين ما يُبقينا قادرين على النهوض إن تأخّر، وعلى البدء إن تعثّر، وعلى استقبال الغد بقلبٍ لا تُطفئه خيبة الأمس. فالإيمان الناضج لا يَعِدُ الإنسان بأنّ الطريق سيكون كما اشتهى، بل يمنحه قوّة السير، وحكمة الانتظار، وسكينة التسليم حين تنتهي حدود السعي.
وليس في التوكّل انطفاء الإرادة، بل تحرّرها من وهم السيطرة؛ أن تعمل كأنّ مسؤوليتك كلّها في إتقان الخطوة، وأن تطمئنّ لأنّ النتيجة ليست كلّها في يدك. فالأسباب أبوابٌ نطرقها، والعقول مصابيح نهتدي بها، والأمل قوّةٌ تُجدّد المسير، أمّا الغيب فليس ميدانًا لادّعاءاتنا، بل علمٌ استأثر الله به.
وحين تتزاحم القرارات على أرض الواقع، وتتصارع الإرادات على وجهة الأحداث، تظلّ الحقيقة الأعمق أنّ القوّة ليست فيمن يفرض إرادته لحظةً، ولا الحكمة فيمن يتوهّم أنّه أحاط بالنهاية؛ إنّما فيمن يعرف قدره، ويحفظ ضميره، ويُحسن عمله، ولا يسمح لتقلّبات الحياة أن تنتزع منه نور الإيمان.
فالسماء لا تحتاج إلى ضجيجٍ كي تُظهر عظمة الخالق، والأقدار لا تستأذن تصوّراتنا كي تكشف لنا أنّ علمنا محدود، وأنّ في حكمة الله من السعة ما تعجز عنه خرائط البشر.
وما أجمل أن يبلغ الإنسان منزلةً من النضج، فلا يخاصم الحياة لأنّها لم تُطابق توقّعاته، ولا يتعالى إذا وافقته الظروف، ولا ييأس إذا تبدّلت المسارات؛ بل يمضي كريم النفس، واسع الأفق، مؤمنًا بأنّ لكلّ مرحلةٍ دروسها، ولكلّ سعيٍ قيمته، وأنّ الأمل ليس إنكارًا للواقع، بل قدرةٌ على رؤية ما وراءه.
إنّ قرار الأرض قد يرسم ملامح اللحظة، لكنّه لا يمنح الإنسان مفاتيح الغيب؛ أمّا قرار السماء، فهو تعبيرٌ عن سلطان الله الذي لا يعجزه شيء، وإن خفيت علينا حكمته في بعض ما يجري.
فلا تُغلق قلبك عند بابٍ أُوصد، ولا تُعلن نهاية الطريق لأنّ خطّتك لم تكتمل؛ فقد تكون الحياة أوسع من حساباتك، وقد يكون في الغد ما لم يتّسع له خيالك اليوم.
امضِ في الأرض بعقلٍ يُحسن التدبير، وقلبٍ يُحسن الظنّ بالله، وروحٍ تعرف أنّ الرجاء ليس ضعفًا، وأنّ التسليم ليس هزيمة، وأنّ أعظم انتصارات الإنسان أن يعمل دون غرور، وينتظر دون يأس، ويؤمن دون أن يدّعي معرفة الغيب.
فحين تضيق حسابات الأرض، لا تضيق رحمة الله؛ وحين تعجز رؤيتنا عن تفسير المشهد، يبقى لنا أن نُحسن السعي، ونحفظ الأمل، ونوقن أنّ فوق علمنا علمًا، وفوق تدبيرنا تدبيرًا، وأنّ لله في خلقه حكمةً لا تُحيط بها عجلة اللحظة.
قرار الأرض صفحةٌ نقرؤها بما نملك من علم، أمّا الغيب فكتابٌ لا يعلم ما فيه على الحقيقة إلا الله؛ وبين الصفحة والكتاب، يعيش الإنسان أجمل ما فيه: يسعى بالأسباب، ويُشرق بالإيمان، ويترك لله ما لا يملكه سواه.