الأنباط -
بقلم المحاميه ريم المصري
رغم تعديلات قانون السير، وانتشار كاميرات المراقبة وضبط السرعة، ما زلنا نستيقظ على فواجع مرورية تخطف الأرواح، وتترك خلفها عائلات مكلومة وأحزانًا لا تنتهي.
وما نشاهده من حوادث مأساوية يذهب ضحيتها شباب في ريعان العمر، وتصل ببعضها قسوة المشهد إلى حد يصعب معه التعرف على ملامح الضحايا، يدفعنا إلى التساؤل: إلى متى تبقى شوارعنا مسرحًا للسرعة الجنونية والقيادة المتهورة والاستعراض على حساب حياة الإنسان؟
لا شك أن الحوادث ليست جميعها سواء؛ فهناك حوادث تقع رغم اتخاذ الحيطة والحذر، وأخرى تكون نتيجة استهتار واضح بالقانون وبأرواح الآخرين. والإيمان بالقضاء والقدر لا يعفي الإنسان من مسؤولية أفعاله، ولا يجعل التهور أمرًا مقبولًا.
ومن الناحية القانونية، أين تكمن الحاجة إلى المراجعة؟
لقد شدّد المشرّع الأردني العقوبات على عدد من المخالفات الخطرة، إلا أن المادة (27) من قانون السير ما زالت تقرر، في حالات التسبب بالوفاة أو إحداث عاهة دائمة، عقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات أو الغرامة أو كلتيهما، مع وقف العمل برخصة القيادة، وتجيز للمحكمة الأخذ بإسقاط الحق الشخصي للتخفيف ضمن ضوابط واستثناءات محددة.
وهنا تبرز ضرورة إعادة النظر في العقوبات عندما تقترن الوفاة بقيادة استعراضية أو سباق غير مشروع أو سرعة مفرطة تنطوي على استهتار جسيم، وذلك بإقرار ظروف مشددة واضحة، ومراجعة مدد الحرمان من القيادة وأثر إسقاط الحق الشخصي في هذه الحالات، مع ضمان التمييز بين الخطأ غير المقصود والتهور الجسيم وفق الأدلة والتحقيقات الفنية.
أما المسؤولية، فلا تقع على القانون وحده. إنها تبدأ من الأسرة، ومن التربية والوعي، ومن كل شاب يعتقد أن السرعة بطولة، وأن استعراض مهارات القيادة دليل شجاعة. فالشجاعة الحقيقية أن تحافظ على حياتك وحياة الآخرين.
وللإعلام مسؤولية وطنية وإنسانية لا تقل أهمية. فلم يعد يكفي نقل أخبار الحوادث وأعداد ضحاياها، بل أصبح من الضروري تكثيف البرامج والنشرات التوعوية، وتسليط الضوء على أسباب الحوادث ونتائجها الإنسانية والقانونية، وإطلاق حملات مستمرة تخاطب الشباب والأهالي، بالتعاون مع الجهات المختصة، مع احترام كرامة الضحايا وخصوصية أسرهم.
كما أن للمدارس والجامعات دورًا أساسيًا في ترسيخ ثقافة السلامة المرورية، حتى يصبح احترام الطريق جزءًا من السلوك المجتمعي، لا مجرد خوف من مخالفة أو كاميرا مراقبة.
إننا لا نحتاج إلى مزيد من مشاهد الفقد حتى ندرك خطورة ما يحدث، بل إلى وعي مجتمعي حقيقي، ورقابة فاعلة، وعقوبات رادعة تتناسب مع جسامة الأفعال ونتائجها.
فلا قيمة لقانون لا يُحترم، ولا معنى لسرعة تنتهي بقبر، ولا انتصار في الوصول أولًا إن لم نصل أحياء.
حماية الأرواح مسؤولية مشتركة، والوقاية تبدأ بالوعي، والعدالة تكتمل بقانون يحمي الإنسان قبل وقوع المأساة، ويحاسب على الاستهتار حين تقع.