الأنباط -
الكاتبه والدكتوره ماجده ابراهيم زيدان تكتب
أكثر ما يؤلم الشاب الباحث عن عمل في الأردن أن يرى عمره يمضي دون أن يستطيع البدء. يدرس ويتخرج ويكتب سيرته الذاتية ثم يرسلها إلى جهات كثيرة منتظرًا اتصالًا قد يأتي وقد لا يأتي وكلما سأله أحد. "هل وجدت عملًا؟" اضطر إلى شرح ظروف لم يخترها، كأن عليه أن يعتذر عن باب لم يُفتح له.
للانتظار كلفة لا تظهر كاملة في تقارير البطالة زواج مؤجل واستقلال بعيد وأب يستمر في الإنفاق بعدما ظن أن سنوات التعب أوشكت على نهايتها وقد يتجنب الشاب لقاء أصدقائه لأن الحديث سيقوده إلى السؤال نفسه. وبحسب دائرة الإحصاءات العامة بلغت البطالة بين الأردنيين ٢١٪ في الربع الثاني من عام ٢٠٢٦ وراء هذه النسبة أناس ينتظرون راتبهم الأول وفرصة يثبتون فيها قدرتهم على العمل. يستطيع الشاب أن يتفهم صعوبة الظروف الاقتصادية وأن يقبل المنافسة ويتعلم مهارة جديدة لكن كيف يتقبل أن يُطلب منه استيفاء كل الشروط، بينما تُخفَّف لغيره؟ وكيف يطمئن إلى جدوى الانتظار إذا شعر بأن هناك بابًا آخر يُفتح لمن يعرف الشخص المناسب؟ هنا تتجاوز المسألة قلة الوظائف إلى عدالة الوصول إليها.
وحين تتدخل الواسطة على حساب الكفاءة، يمتد أثرها إلى ما بعد قرار التعيين يتساءل المجتهد عن قيمة السنوات التي أمضاها في الدراسة ويبدأ البحث عمن يسند طلبه بدل أن يثق بما يحمله من مؤهلات وأخطر ما قد نخسره عندئذ هو اقتناع الشباب بأن الجهد يستحق، وأن المنافسة يمكن أن تكون عادلة.
ليس من الإنصاف اتهام كل من حصل على وظيفة بالمحاباة، فكثيرون استحقوا مواقعهم بجهدهم وكفاءتهم والشفافية تحمي هؤلاء أيضًا. إعلان متاح للجميع وشروط واضحة ومقابلات جادة وتقييم يمكن تفسيره ومسار للاعتراض. من حق المتقدم أن يعرف كيف جرى الاختيار وأن يطمئن إلى أن الشروط التي خضع لها طُبقت على الجميع. كذلك لا يكفي أن نقول للشباب. "طوّروا أنفسكم" ثم نتركهم يدورون بين دورة وأخرى. تطوير المهارات ضروري لكن الشهادة الإضافية لا تسدد فاتورة ولا تمنح صاحبها استقلالًا. ينبغي أن يرتبط التدريب بحاجة فعلية وفرصة قابلة للتحقق، حتى لا يعود الشاب إلى بيته بملف أثقل والسؤال نفسه. أين سأعمل؟
المطلوب أن تُقاس سياسات التشغيل بما تغيّره في حياة الناس. كم شابًا حصل على عمل مستقر؟ وهل يكفيه أجره ليعيش بكرامة؟ وهل يستطيع ابن الأسرة محدودة الدخل أن ينافس على الفرصة نفسها التي يصل إليها صاحب العلاقات؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي ما يمنح الوعود قيمتها. الشاب الأردني يريد أن يبدأ حياته وأن يشعر بأن له مكانًا في بلده. يريد فرصة واضحة ينافس عليها بقدراته ثم يتحمل مسؤولية عمله. ومن حقه أن يرى ثمرة اجتهاده دون أن يظل مستقبله معلقًا بمكالمة من شخص نافذ. فالعدل يبدأ حين يستطيع من لا يعرف أحدًا أن يتقدم ويُسمَع ويأخذ فرصته كاملة.
الدكتورة ماجدة إبراهيم زيدان