الأنباط -
د. عبد الله الصلاحات
مرَّت أمام ناظريّ عبارة في عنوان بارز تقول "مركز إسعاد المتعاملين/خدمة الجمهور" في أحد المواقع الإلكترونية، بينما كنت أبحث عن بيانات لإعداد بحث في الإدارة، وكنت أعمل حينها على موضوع الإدارة المعاصرة ومراحل تطوّرها، وخصوصا في جوانب الليونة والرشاقة ودورهما في تلبية حاجات العملاء، ومقوّمات العلاقة بين مقدمي الخدمة، في القطاعين: العام والخاص، وبين طالبي الخدمة ن هذه الجهة أو تلك. وكالعادة، مرّت هذه العبارة في "مصفاة" تحاول الفصل بين "الشعار" وبين الواقع، وبين الكلمات والعبارات، وبين تطبيقها على أرض الواقع، وخاصة في نمط التعامل الملموس مع طالب الخدمة أو السلعة أو العميل والسعي فعلا لمساعدته وتيسير أموره، ...
والأمرُ يكون أحيانا أشبه بموازين القوى بين خصوم! فهناك صاحب اليد العليا، وهو مقدّم الخدمة، وهناك صاحب الحاجة، إذا تعلّق الأمر بسعيه لإنجاز معاملة مع مؤسسة حكومية، أو مع بعض مؤسسات القطاع الخاص التي تتمتّع بكثير من "برستيج" الهيئات الحكومية، وتنافسها، وربما تتفوّق عليها، واسألوا عن ذلك "المؤسسات الكبرى" في عدد من القطاعات!
أسباب هذا الخلل في بلادنا معروفة: أنت محتاج وتطلب خدمة أو تريد حلّ إشكالية، أو كائنا ما كانت حاجتك، وبما أنك أنت المحتاج "الأرعن"، مثل أيّ صاحب حاجة، كما يقول المثل أو تقول الحكمة، فعليك أن تتلقّى درسًا في التربية والأخلاق، كي تتعلّم وتنضج، وتفهم تعقيدات العمل الحكومي أو الخاص، وشؤون القوانين والإدارة والإجراءات، وأطنان غيرها من المعارف، لتحّل مشكلة كنتَ تظنّ أنها أسهل من أن تتطلّب منك كل هذا الجهد، وأنه يكفي للمعنيّين بتقديم الخدمة أن يقدّروا ظروفك، وأن "يتربّوا" هم على أسس مختلفة، من أبجدياتها معرفتهم بأنك غير مطالَب بأن تكون عالما بأمور هذه المؤسسة أو تلك وإجراءاتها، كي تعرف "أصول التصرّف والتعامل والتسلسلات في التنقل بين المكاتب والأروقة" مع حضرات الموظفين وأصحاب تقرير مصير ما سيحلّ بمعاملتك المطروحة على مكاتبهم، ...
ولهذه الأسباب، وغيرها، ومثيلاتهما، شعرت بأن "مركز إسعاد المتعاملين/خدمة الجمهور" يتحداني، بل وربما يستفزّني، ولعلّ هناك كثيرين جدا من أمثالي ... فقرّرت أن أستوعب هذه الحالة بمحاولة فهم "القصة"، بدءا من فهم ماهية الموقع الإلكتروني، ومحتوياته، وما يمكن أن أستدلّ منه، في خطوة أولى على الأقل، قد تعقبها خطوات أخرى، وحتى لا أتسرّع في إصدار أي أحكام غير مبنية على أسس، وعلى أمل أن أخرج بنتيجة إدارية، من كل هذه الحلقة الجديدة التي دخلت مساحاتها وفضاءاته الافتراضيّة، حتى تلك اللحظة ...
وبالفعل، أمضيت ساعات أتجوّل وأقرأ محتويات الموقع "صاحب السعادة"، وهو موقع "هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن" (https://emrc.gov.jo/Default/Ar) ... وفي أحد أقسام الموقع يأتي ""مركز إسعاد المتعاملين/خدمة الجمهور" ... وللأمانة، فاجأني الموقع وأشعرني بأنني ربما تسرّعتُ في بعض شكوكي. فالموقع الإلكتروني للهيئة غنيّ بالبيانات والمعلومات ومنظّم ويسهُل التعامل مع محتوياته. ويجد من يزور الموقع نشرات إحصائية وتقارير سنوية وشهرية وقائمة بالمعلومات المتوافرة لدى الهيئة، وعدد من الدراسات والبحوث، ويمكن الاطلاع على أيّ من هذه البيانات والمعلومات وتحميلها. عرفت أن رئيس مجلس مفوضي هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن في الأردن هو عطوفة المهندس زياد جميل السعايدة. والهيئة تأسست كخلف لهيئة تنظيم قطاع الكهرباء، وهيئة تنظيم العمل الإشعاعي والنووي، والمهام التنظيمية لسلطة المصادر الطبيعية. وقد حصلت الهيئة مؤخرا (203/2024) على جائزة الملك عبدالله الثاني لتميز الأداء الحكومي والشفافية ضمن فئة البنية التحتية والطاقة، كما قامت بتعزيز منظومة الأمن السيبراني بحصولها على شهادة الأيزو الدولية في أمن المعلومات.
بعد ذلك بأيام معدودة، تحدثت إلى أحد الأصدقاء الأكاديميين المتخصصين وشرحتُ له قصتي التي أتحدث الآن عنها في هذه العجالة، فقال لي: الكثير عن الهيئة، وكانت قد مرّت قبل سنوات بظروف وأنماط عمل جرى تحديثها بل وتغييرها، وتمّ بالفعل التخلّص من كثير من آليات العمل البيروقراطي المتعب للمواطن والهيئة على حد سواء، وما يكاد يجمع عليه كثيرون هو أن الهيئة تمتاز بشفافية مرموقة، وتعامل راقٍ مع كل من يطلب خدماتها، بل ولا تستغرب إن قلت لك، إن موظف الاستقبال منذ دخولك باب الهيئة يلاقيك وكأنك ضيف شخصيّ عزيز عليه وعلى الهيئة، مع فنجان قهوة طبعا! وستجد أن الكل يعمل على تيسير تقديم المطلوب ما أمكن ذلك، وفي حدود الإجراءات والضوابط الملزمة طبعا.
ودارت الأيام، وقادتني حاجات عملية لزيارة مقر الهيئة لإنجاز بعض المعاملات، وفاجأني أن أقول لنفسي: واقع أنت يا "مركز إسعاد المتعاملين/خدمة الجمهور"، ولستَ خيالاً! ... فشكرا لكل مؤسسة أو هيئة أو جهة تفكّر بنا نحن "أصحاب الحاجات"، وخاصة القيادات المقرِّرة في تلك الهيئات، والعاملين فيها، وشكرا لها أكثر إن هي فكّرت "بإسعادنا"، وسنطير من الفرح إن هي "مارسَت ما تفكّر به، وأسعدَتنا فعلا"! ...