حسين احمد الطراونة الاستاذ الدكتور في الادارة المالية
يمكن تعريف التكنولوجيا المالية، التي تُعرف اصطلاحاً باسم فينتيك، بأنها استخدام الابتكارات التقنية والبرمجيات الحديثة لتقديم الخدمات المالية والمصرفية بطرق أكثر سرعة وسهولة وكفاءة مقارنة بالأساليب التقليدية. وهي تشمل مجموعة واسعة من التطبيقات التي تمزج بين قطاعي التكنولوجيا والمال، مثل تطبيقات الدفع الإلكتروني، والتمويل الجماعي، ومنصات الإقراض الرقمي، وتقنية سلسلة الكتل، وإدارة الثروات الآلية. يهدف هذا المفهوم إلى كسر الاحتكار المصرفي التقليدي وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، مما يمنح المستخدمين القدرة على إدارة أموالهم واستثماراتهم عبر الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية دون الحاجة لزيارة الفروع التقليدية.
تعود نشأة التكنولوجيا المالية وتطورها إلى عقود مضت، إلا أن الطفرة الحقيقية بدأت مع ظهور الإنترنت والهواتف الذكية في أواخر القرن العشرين وبداية الألفية الجديدة. في بداياتها، اقتصرت التكنولوجيا المالية على الأنظمة الداخلية للبنوك وشبكات الصراف الآلي وتحويل الأموال بين المؤسسات الكبرى. ومع الأزمة المالية العالمية في عام 2008، شهد القطاع نقطة تحول كبرى؛ حيث فقد الجمهور الثقة نسبياً بالمؤسسات المصرفية التقليدية، بالتزامن مع ظهور تقنية البيتكوين وسلسلة الكتل وتطور الهواتف الذكية، مما مهد الطريق لظهور الشركات الناشئة التي تقدم خدمات مالية مستقلة وسريعة. في الأردن، مر قطاع التكنولوجيا المالية بمراحل تطور ملحوظة، مدعوماً برؤية ملكية سامية ودعم مباشر من البنك المركزي الأردني الذي أطلق استراتيجيات طموحة لتعزيز الابتكار المالي، مثل تأسيس مكتب التقنيات المالية ووحدات الابتكار الرقمي، مما جعل الأردن بيئة خصبة ونشطة لشركات الفنتيك في الإقليم.
تكمن أهمية التكنولوجيا المالية في قدرتها الفائقة على تحقيق الشمول المالي عبر دمج الفئات المحرومة أو المهمشة بعيداً عن الخدمات المصرفية التقليدية، وخاصة أصحاب الدخل المحدود والشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة التي تشكل عصب الاقتصاد. تسهم هذه التكنولوجيا في خفض التكاليف التشغيلية على المؤسسات المالية، وتقليص الوقت اللازم لإنجاز المعاملات، وزيادة الشفافية، وتقليل الاعتماد على النقد الورقي. على الصعيد الوطني في الأردن، تساهم التكنولوجيا المالية في تحفيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل جديدة للشباب الرياديين وأصحاب الكفاءات التقنية، فضلاً عن تعزيز التنافسية في القطاع المالي ورفع كفاءة إدارة النقد والأموال.
تتعدد استخدامات التكنولوجيا المالية وتتنوع لتشمل قطاعات واسعة من حياة الأفراد والشركات اليومية. من أبرز هذه الاستخدامات المحافظ الإلكترونية وتطبيقات الدفع عبر الهاتف المحمول التي تتيح تسديد الفواتير وإجراء المشتريات وتحويل الأموال بلحظات. كما تشمل منصات التمويل الجماعي التي تساعد رواد الأعمال على جمع التبرعات أو الاستثمارات لمشاريعهم الناشئة دون الحاجة لقروض بنكية معقدة، إضافة إلى تقنيات التأمين الرقمي التي تسهل شراء وثائق التأمين وتقديم المطالبات إلكترونياً. في الأردن، حققت خدمات الدفع بالهاتف النقال انتشاراً واسعاً بفضل البنية التحتية المتطورة لأنظمة الدفع الفوري مثل نظام سابك، مما سهّل على المواطنين إتمام معاملاتهم المالية بيسر وأمان.
برزت في السوق الأردني والإقليمي العديد من النماذج الناجحة لشركات ناشئة في مجال التكنولوجيا المالية والتي نجحت في تقديم حلول مبتكرة ساهمت في معالجة فجوات السوق التقليدي؛ فمنصات مثل "مدفوعاتكم" لتلي وخدمات الدفع الإلكتروني، إلى جانب الشركات الريادية المتخصصة في إتاحة حلول التقسيط الرقمي والتمويل البديل مثل "تُمويلكم" وغيرها من التطبيقات الواعدة، أثبتت قدرتها على تقديم خدمات مالية سلسة وسريعة لشريحة واسعة من الأفراد غير المشمولين مصرفياً. هذه النماذج الناشئة لم تقتصر على تسهيل المعاملات فحسب، بل أصبحت شريكاً حقيقياً في المنظومة الاقتصادية من خلال توفير بيئة مرنة تدعم التجارة الإلكترونية وتمكن أصحاب المشاريع الصغيرة من إدارة تدفقاتهم النقدية بكفاءة عالية، مما يعكس نضج بيئة الأعمال الريادية في الأردن وقدرتها على استقطاب الاستثمارات التقنية.
على الرغم من الفوائد العظيمة للتكنولوجيا المالية، إلا أن هناك العديد من التحديات الجسيمة التي تواجه انتشارها واستدامتها. لعل أبرز هذه التحديات هو الجانب الأمني والمتمثل في التهديدات السيبرانية واحتمالية اختراق البيانات المالية الحساسة للأفراد والشركات، مما يفرض ضغوطاً هائلة لتطوير أنظمة حماية متقدمة. كما يبرز التحدي التنظيمي والقانوني في مدى قدرة التشريعات واللوائح على مواكبة الابتكارات المتسارعة دون خنق الإبداع. يضاف إلى ذلك التحديات المتعلقة بثقة المجتمع والوعي الرقمي، حيث لا يزال جزء من السكان يفضلون التعامل النقيدي التقليدي، فضلاً عن التحديات المرتبطة بالبنية التحتية للاتصالات في بعض المناطق الريفية والنائية، واحتياجات شركات الفنتيك المستمرة للتمويل والدعم وتحقيق الاستدامة المالية في ظل بيئة تنافسية عالية.
بالنظر إلى المستقبل، تتجه التكنولوجيا المالية نحو آفاق أوسع وأكثر تعقيداً ترتكز على التقنيات الحديثة المتقدمة. ستلعب تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة دوراً محورياً في تحليل سلوك المستهلكين وتقديم خدمات مالية مخصصة وفورية، فضلاً عن تعزيز كفاءة تقييم مخاطر الائتمان ومنع عمليات الاحتيال المالي. كما يُتوقع أن يشهد المستقبل توسعاً كبيراً في استخدام تقنية سلسلة الكتل والعقود الذكية، وتطوير العملات الرقمية للبنوك المركزية لتعزيز استقرار الأنظمة المالية. في الأردن، تشير المؤشرات المستقبلية إلى استمرار نمو بيئة ريادة الأعمال الرقمية، مع توقعات بزيادة التعاون بين البنوك التقليدية وشركات التكنولوجيا المالية لتقديم خدمات متكاملة تلبي تطلعات الأجيال القادمة، وتكرس مكانة الأردن كمركز إقليمي رائد للابتكار المالي في المنطقة.