الأنباط -
بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن
في شرق ألمانيا ، حيث يزداد حضور اليمين السياسي ، لم تعد ألمانيا اليوم تقف أمام سؤال الهجرة وحده ، بل أمام سؤال أكبر بكثير ، وهو : أي ألمانيا تريد أن تكون؟ وأي أوروبا يمكن أن تبقى إذا بدأت الدولة التي كانت أحد أعمدة مشروعها السياسي والاقتصادي في التفكير بالابتعاد عنها؟
فخروج " أليس فايدل " الرئيسة المشاركة لحزب " البديل من أجل ألمانيا " في مقابلة مع احدى القنوات الألمانية لتجدد خطابا يتجاوز حدود التشدد في ملف الهجرة ، وتريد به إغلاق الحدود الألمانية والخروج من فضاء " شنغن " وطرح مطلب الخروج من " اليورو " ، والحديث عن إعادة السوريين المقيمين في ألمانيا إلى سوريا ، في موقف يشمل نحو مليون سوري وفق الرقم الذي تداولته التصريحات والتغطيات المرتبطة بالمقابلة ، ينذر بخطر سياسي يفوق الحسابات المطروحة من هذه التصريحات ، ليس فقط في رقم المهاجرين وحده ولا في قضية اليورو منفردة ، وإنما في الصورة الكاملة ، صورة ألمانيا وهي تعيد النظر في ثلاثة رموز أساسية للمرحلة الأوروبية الحديثة ، وهي : الحدود المفتوحة ، العملة الموحدة ، والاندماج الأوروبي
فاليورو لم يكن مجرد عملة توضع في الجيوب بل كان أحد التعبيرات الأكثر وضوحا عن فكرة أن أوروبا تستطيع أن تحول التاريخ من ساحة صراع إلى مساحة مصالح مشتركة ، أما شنغن فلم يكن مجرد اتفاق لتسهيل السفر بل كان إعلانا رمزيا بأن الحدود التي مزقتها الحروب الأوروبية يمكن أن تصبح أقل حضورا في حياة الإنسان اليومية ، ولهذا فإن المطالبة بالخروج منهما تحمل معنى سياسيا يتجاوز الاقتصاد والتنقل ، إنها عودة الحدود إلى قلب المشروع الأوروبي ذاته ، والمفارقة في ذلك أن هذه الدعوات تأتي في اللحظة التي يحقق فيها حزب البديل من أجل ألمانيا صعودا سياسيا لافتا ، فالحزب يتقدم في استطلاعات الرأي الوطنية ، بينما تشير استطلاعات انتخابات " ساكسونيا / أنهالت " المقررة في 6 سبتمبر إلى وصوله إلى أكثر من 40 % في بعض القياسات ، متقدما بفارق كبير على حزب " الاتحاد الديمقراطي المسيحي " ، لتتحول هنا المسألة من خطاب احتجاج إلى سؤال عن إمكان الوصول إلى السلطة
صحيح أن حزب " البديل من أجل المانيا " لا يحكم ألمانيا حاليا ، كما أن الأحزاب الرئيسية ما زالت ترفض التعاون معهم فيما يعرف سياسيا " بجدار العزل " ، لكن استمرار صعود الحزب بحد ذاته يضع هذا الجدار أمام اختبار تاريخي ، وهو : هل يستطيع أن يبقى قائما إذا أصبحت الكتلة الانتخابية المؤيدة للبديل أكبر من قدرة الأحزاب التقليدية على تجاهلها؟ ، فمن هنا تحديدا تكمن أهمية تصريحات " فايدل " ، حيث أنها لا تقول فقط : نريد سياسة هجرة أكثر تشددا ، بل تقول بصورة أوسع : نريد إعادة تعريف علاقة ألمانيا بأوروبا ، ومن هذه النقطة يصبح " المهاجر السوري " جزءا من معركة سياسية أكبر منه
فالمهاجر في الخطاب اليميني ليس مجرد إنسان يبحث عن الأمان أو المستقبل ، بل هو رمز لأزمة حدود ، وأزمة هوية ، وأزمة دولة ، وأحيانا وسيلة سياسية لتفسير مشكلات الاقتصاد والأمن والخدمات ، لكن السؤال الذي يبقى معلقا في الهواء هو : هل تستطيع دولة بحجم ألمانيا أن تعيد ملايين البشر إلى بلدانهم بقرار سياسي فقط؟ ، فالأمر أكثر تعقيدا من الشعارات الانتخابية ، فهناك أوضاع إقامة مختلفة ، وجنسيات ، وحقوق قانونية ، والتزامات دولية ، واتفاقات ثنائية ، فضلا عن السؤال الأهم في ذلك ، وهو : هل تقبل الدول المعنية بإعادة هؤلاء الأشخاص ؟ ، وكيف ستتم العملية قانونيا وعمليا أن فعلت ؟ ، لهذا فإن الحديث عن إعادة " مليون مهاجر سوري " يجب أن يفهم بوصفه هدفا سياسيا أعلنته " فايدل " لا قرارا ألمانيا صدر وبدأ تنفيذه ، وعلى الرغم من ذلك إلا اننا لا يجب أن نتوقف عند ذاك الفهم فقط ، فالسياسة لا تبدأ دائما بالقرارات بل أحيانا تبدأ بالكلمات ، والكلمات التي تقال اليوم في ألمانيا قد تصبح غدا جزءا من برنامج حكومي إذا نجح اليمين المتطرف في عبور آخر الحواجز السياسية أمامه
لذلك فإن أوروبا لا تراقب الانتخابات الألمانية المقبلة بوصفها شأنا ألمانيا داخليا بعيدا عن تداخلات العالم ، إنها تراقب سؤالا أعمق بكثير من كل ذلك ، وهو : هل بدأت أوروبا تدخل عصر ما بعد الحدود المفتوحة ؟ ، فإذا أصبحت " ألمانيا " قلب الاتحاد الأوروبي وأحد أكبر اقتصادات القارة تتجه نحو إغلاق حدودها ومراجعة علاقتها بشنغن وإعادة فتح ملف الخروج من اليورو ، فإن الأمر لن يبقى محصورا في برلين بل سيصل صداه إلى بروكسل ، وباريس ، وروما ، ووارسو ، وكل عاصمة أوروبية تخشى أن يتحول صعود اليمين من موجة انتخابية إلى اتجاه تاريخي ، فالطالما كان مشروع أوروبا الحديثة قائما على فكرة أن الدول تستطيع أن تتقاسم السيادة بدل أن تتصارع عليها ، أما الخطاب الجديد فيقول العكس : أستعيدوا الحدود ، استعيدوا القرار ، واستعيدوا الدولة من أوروبا ، وهنا لا تعود المعركة بين اليمين واليسار مجرد معركة على المقاعد البرلمانية بل معركة على تعريف المستقبل ذاته
وعليه فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ، هل تستطيع ألمانيا أن تعود إلى حدودها القديمة دون أن تهتز معها حدود أوروبا ؟ ، وهل يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يبقى متماسكا إذا بدأت دوله كبرى تفكر في الانسحاب من الأدوات التي صنعت وحدته؟ ، وهل يكون صعود اليمين المتطرف مجرد رد فعل مؤقت على الهجرة والاقتصاد ، أم أنه إعلان عن نهاية مرحلة أوروبية كاملة؟ ، فربما يكون الجواب ما زال بعيدا لكن شيئا واحدا أصبح واضحا ، وهو : أن أوروبا التي عرفت نفسها لعقود بلا حدود داخلية وبعملة واحدة وبحلم سياسي مشترك ، بدأت تسمع من داخلها أصواتا تقول : إن الحلم نفسه يحتاج إلى إعادة تعريف ، فإذا كانت برلين يوما أحد أهم محركات الوحدة الأوروبية ، فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو : هل يمكن أن تصبح بفعل صعود اليمين بداية الطريق نحو أوروبا مختلفة؟
فالتاريخ لا يكرر نفسه بالطريقة ذاتها ، لكنه أحيانا يعيد طرح الأسئلة القديمة بأسماء جديدة ،واليوم السؤال الألماني ليس فقط : من سيحكم ألمانيا؟ بل : أي ألمانيا ستخرج من صناديق الاقتراع .. وأي أوروبا ستخرج معها؟ .