البث المباشر
4 وجبات خفيفة تدعم صحة القلب وتساعد على ضبط ضغط الدم أداة بالذكاء الاصطناعي تحلل الوجوه لتتنبأ بفرص النجاة لدى مرضى السرطان وصول جثمان شاب أردني توفي إثر نوبة قلبية في قطر الصداع في الخريف ليس صدفة .. طبيبة تكشف أبرز محفزاته البنك العربي ومركز هيا الثقافي يختتمان مشروع "سلامة الأطفال في العالم السيبراني" الأمير فيصل يحضر احتفال مؤسسة ومركز الحسين للسرطان بمرور 25 عاما على تأسيسهما باريس سان جيرمان يهزم برشلونة برباعية في دوري أبطال أوروبا الاقتصاد الرقمي بالأردن.. تقدم في المؤشرات واختبار للعائد الاقتصادي الإمارات تتصدر عالمياً استخداماً للذكاء الاصطناعي التوليدي بنسبة 73.3% المنطقة العسكرية الجنوبية تحبط محاولة تهريب أجهزة تحكم إلكترونية بواسطة طائرة مسيّرة التربية تحذر من الالتحاق بمدارس ومؤسسات تعليمية خارجية غير معتمدة ومرخصة ولي العهد يرعى الأربعاء حفل ختام بطولة العالم الثانية للقدرة الدولية للهجن ومهرجان الأردن لسباقات الهجن والشعر النبطي مندوبا عن الملك وولي العهد.. العيسوي يعزي آل أبو الفيلات مبَادَرَةُ خُطَى الحُسَيْنِ وَأَثَرُهَا فِي النُّهُوضِ بِالقِطَاعِ الشَّبَابِيِّ Orange Money الأولى في الأردن لاستقبال حوالات ويسترن يونيون وإرسالها إلكترونياً بالتعاون مع مشربش للصرافة غسان الحمادنة شقيق الوزيرة السابقة مها العلي في ذمة الله جمعية الفنادق الأردنية ومؤسسة التدريب المهني توقّعان اتفاقية لربط التدريب باحتياجات سوق العمل الفندقي المخابز الأردنية المتنقلة في غزة تنتج أكثر من 69 مليون رغيف خبز كناكريه: 12.1 مليار دينار أرباح استثمارات الضمان منذ تأسيس الصندوق ضمن حملة (الوداد 7).. عيادة زين المجانية المتنقّلة تقدّم خدماتها الصحية في معان

حين يغيب حارس الذاكرة

حين يغيب حارس الذاكرة
الأنباط -

بقلم: د. أيوب أبودية

في الخامس والعشرين من شباط 2026، أُغلق فصلٌ نادر من فصول الذاكرة الفلسطينية برحيل الدكتور سميح مسعود في عمّان. لم يكن رحيله حدثا عابرا، بل كأن حبلا سريا انقطع بين الأمكنة وأسمائها، بين الحكايات وأصحابها. ومع ذلك، ظل صوته حاضرا؛ لا بوصفه ذكرى، بل كاستمرارٍ خفيّ، يتردد في البيوت التي كتب عنها، وفي الشوارع التي خشي عليها من النسيان.

لم يكن سميح مسعود أستاذ اقتصادٍ تقليدي، ولا مؤرخا يكتفي بتجميع الوقائع. كان، قبل كل شيء، صاحب أذنٍ مرهفة للقصص الصغيرة، تلك التي تمرّ عادة دون أن ينتبه لها أحد. كان يعرف أن التاريخ لا يُصنع فقط في المعارك الكبرى، بل في أسماء الأزقة، وفي رائحة الخبز، وفي ذاكرة الجدّات. لذلك كتب كما يُصغي، ودوّن كما لو أنه ينقذ ما يمكن إنقاذه من الغرق.

تتقدّم ثلاثية «حيفا… برقة: البحث عن الجذور» أعماله الأخرى، لا لأنها الأشهر فحسب، بل لأنها الأكثر التصاقًا بجوهر مشروعه: إعادة الاعتبار للذاكرة بوصفها حقا إنسانيا. وإلى جانبها، ترك كتبا وروايات متنوّعة: من تطوان إلى غرناطة، ومن الأندلس إلى كندا، ومن حكايات الفلسطيني إلى معاناة الشعوب الأصلية (هوشيلاجا)، كأن الجغرافيا عنده لم تكن حدودا، بل جسورا بين معاناة الثقافات والحضارات المتنوعة.

كان يكتب بلغةٍ هادئة، بلا استعراض لغوي ولا ادّعاء. جُمله قصيرة، لكنها مثقلة بما عاشه وسمعه وحفظه. لا يضغط على القارئ، ولا يستعجله، بل يأخذه من يده، ويمشي معه خطوة خطوة، حتى يصل به إلى نهاية الرحلة وقد صار المكان جزءًا من وجدانه. لهذا، دخلت رواياته البيوت بسهولة، وبقيت فيها أمدا طويلا.

هوسه بالذاكرة لم يكن ترفا ثقافيا، بل خوفا حقيقيا من فقدانها بمرور الزمن. كان يستعيد أسماء الشوارع كما تُستعاد الصلوات، ويذكر العائلات والبيوت والنوافذ وكأنها كائنات حيّة. وعندما زار بيته في حيفا، لم يغادره خالي الوفاض؛ حمل معه قطعة من نافذة، وقبضة تراب، لا كتذكار، بل كعهدٍ صامت بعدم التفريط.

في مونتريال، حيث امتدت غربته، لم يتحوّل إلى شاهد صامت. حمل فلسطين معه، لا كخطاب سياسي، بل كقصة إنسانية. أسّس صالونا ثقافيًا جمع المثقفين، وفتح باب الترجمة والحوار، وجعل من المنفى مساحة إنتاج لا انكفاء. هناك، كانت الكتابة لديه مقاومة ناعمة، لا تصرخ، لكنها لا تنكسر.

ولم يتوقّف عطاؤه عند الأدب. في الاقتصاد، كان حاضرا في المؤسسات العربية، ومستشارا وخبيرا، ومؤلفا لكتبٍ تناولت التنمية والأزمات المالية بجرأة فكرية، واضعًا الاقتصاد في سياقه الاجتماعي والإنساني والقومي الوحدوي، لا بوصفه أرقاما مجرّدة.

أما أثره الشخصي في حياتي، فلا يمكن فصله عن أثره الثقافي. هو من فتح لي باب الرواية، بعد أن كنت أعجز عن الصبر عليها. نصوصه وحدها جعلتني أُكمل القراءة حتى النهاية، ثم دفعتني إلى عالمٍ أوسع، لم أخرج منه حتى اليوم. كان يزرع حبّ حيفا في القارئ دون أن يلقّنه، ويجعل الانتماء نتيجة طبيعية لا شعارا وحسب.

برحيله، لم نخسر كاتبًا فحسب، بل خسرنا شاهدًا نزيها، آمن بأن الحكاية إذا لم تُكتب تموت، وأن الذاكرة إن لم تُحمَ تُسرق. لم ينسَ أصدقاءه، ولا الأمكنة التي مرّ بها، ولا الوجوه التي شاركته الرحلة. وحتى في رسائله الخاصة، كان يفكّر في فصل جديد، واسم جديد، وحكاية لم تُروَ بعد.

سلامٌ على روحه.
سلامٌ على حيفا التي عاشها كتابةً.
سلامٌ على برقة التي أنقذها من الغياب.
وسلامٌ على مونتريال التي جعل منها منبرًا للذاكرة الفلسطينية.

ويبقى الأمل قائمًا أن يُخلَّد اسمه، لا بالحنين وحده، بل بالفعل: رواق يحمل اسمه، يضم ما تركه من مقتنيات وكتب وذاكرة في أروقة جمعية برقة في عمان التي أحب..
© جميع الحقوق محفوظة صحيفة الأنباط 2024
تصميم و تطوير