الملك في نيويورك
- Publish date :
Monday - pm 01:41 | 2026-09-21
Alanbatnews -
د. حازم قشوع
حين يصل الملك عبدالله الثاني إلى نيويورك، في ختام جولة عمل بدأت من باريس ومرت ببراغ، فإن المشهد لا يُقرأ من عنوان الجمعية العامة للأمم المتحدة وحده، لأن مسار الجولة نفسه يحمل دلالة سياسية تتجاوز الجغرافيا. باريس كانت محطة لبحث أمن لبنان ودعم مؤسساته العسكرية والأمنية ضمن «اجتماعات العقبة»، وبراغ حملت البعد الأوروبي في الحوار حول الأمن والاستقرار والتعاون، أما نيويورك فهي المنصة التي تجتمع فيها الدول عندما تصبح القضايا أكبر من حدودها، وتتحول الملفات الإقليمية إلى جزء من نقاش النظام الدولي. وفي هذه المحطات الثلاث تتحرك الدبلوماسية الأردنية بين أكثر من طاولة، من طاولة الأمن الإقليمي إلى الطاولة الأوروبية وصولاً إلى الطاولة الدولية، بما يجعل حضور الأردن جزءاً من حركة سياسية أوسع تتشكل في منطقة تعاد فيها قراءة الأمن والجغرافيا وموازين النفوذ.
في باريس لم يكن الحديث عن لبنان منفصلاً عن السؤال الأكبر المتعلق بشكل الدولة في المنطقة، فقد ركزت الجولة الجديدة من «اجتماعات العقبة» على دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، وعلى تمكين مؤسسات الدولة من القيام بمهامها في حفظ الأمن والسيادة، بمشاركة دول عربية وأوروبية ودولية واسعة. وهذا النوع من الاجتماعات لا يكتفي ببحث حدث قائم، وإنما يضع على الطاولة تصوراً لما ينبغي أن تكون عليه الدولة عندما تتعدد القوى وتتعقد مصادر الأمن. وفي اللقاء الثلاثي الذي جمع الملك والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس اللبناني العماد جوزاف عون، حضرت إلى جانب لبنان ملفات غزة والضفة الغربية والقدس والتصعيد الإقليمي، بما يؤكد أن ملفات المشرق لم تعد قابلة للفصل عن بعضها في حسابات الأمن والسياسة.
ثم جاءت براغ لتضيف طبقة أخرى إلى المشهد. فالملك لم ينتقل من ملف إلى ملف، وإنما انتقل من دائرة جغرافية إلى أخرى، حاملاً معه ذات الفكرة: الأمن لا يصنعه الميدان وحده، والاستقرار لا يكتمل من دون ترتيبات سياسية وعلاقات دولية قادرة على حماية نتائجه. وفي براغ أكد أهمية تكثيف الجهود الدولية لاستعادة الاستقرار وتجنب توسع الصراع، كما بحث مع القيادة التشيكية التعاون الدفاعي، والتقى رؤساء شركات متخصصة في الصناعات الدفاعية. وبذلك يصبح الأمن في السياسة الأردنية مفهوماً يتصل بالدبلوماسية وبالقدرة الدفاعية وبالشراكات، لا بمجال واحد منفصل عن الآخر.
ومن براغ إلى نيويورك تتغير الطاولة ولا يتغير موقع الأردن في البحث عن صيغة تحفظ أمنه وتدفع باتجاه الاستقرار الإقليمي. فالجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين تستقبل هذا العام عدداً كبيراً من قادة الدول والحكومات والوفود، بينما تتحول نيويورك خلال أسبوعها رفيع المستوى إلى مساحة كثيفة من اللقاءات الثنائية والمتعددة الأطراف. وقد أعلن الديوان الملكي أن الملك سيلقي خطاب الأردن في الجلسة الافتتاحية، إلى جانب عقد سلسلة من اللقاءات مع قادة دول ورؤساء وفود على هامش الاجتماعات، بحضور ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني.
والخطاب أمام الجمعية العامة هو الجزء المرئي من الحضور، لكنه ليس كل الحضور. فالمنصة تعلن الموقف أمام العالم، أما اللقاءات فتختبر إمكانات تحويل الموقف إلى تفاهمات واتصالات ومسارات. ولهذا فإن نيويورك لا تُقرأ فقط من لحظة صعود الملك إلى منصة الأمم المتحدة، بل من مجموع اللقاءات التي تجري حولها، ومن طبيعة الملفات التي تحملها الدول إلى المدينة في هذه اللحظة. وحتى قبل وصول الملك إلى منصة الجمعية العامة، كانت الدبلوماسية الأردنية تتحرك في نيويورك؛ إذ عقد وزير الخارجية أيمن الصفدي لقاءات مع نظرائه، ووقّع مع وزير خارجية مقدونيا الشمالية مذكرة تفاهم لإقامة مشاورات سياسية بين الوزارتين، كما وقّع مع وزير خارجية بنما مذكرة تفاهم بشأن الإعفاء المتبادل من متطلبات التأشيرة لحاملي الجوازات الدبلوماسية.
وهذا الحضور يأتي في توقيت مختلف عن السنوات التي كانت فيها الملفات الدولية تتحرك ضمن مسارات أكثر استقراراً. فالحرب في المنطقة، وما يرتبط بها من أمن الخليج والممرات البحرية، إلى جانب الحرب في أوكرانيا، ومستقبل القضية الفلسطينية، ومكانة الأمم المتحدة نفسها، كلها ملفات تتقاطع في نيويورك. وفي مثل هذه اللحظات لا يكون السؤال فقط ماذا تقول الدول، وإنما من يجلس معها، ومن يشارك في صياغة التفاهمات، وما هي القواعد التي يمكن أن تحكم المرحلة التي تأتي بعد الحرب. فالواقع الذي تفرضه القوة على الأرض لا يتحول تلقائياً إلى نظام سياسي، كما أن نتائج الميدان تحتاج إلى طاولة تستطيع تحويلها إلى ترتيبات قابلة للحياة.
ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى الدور الأردني من زاوية تتجاوز مفهوم الجغرافيا التقليدية.
الأردن يقع في قلب المشرق، ويتصل بفلسطين وسوريا والعراق، وله امتداد سياسي وعلاقات مع دول الخليج، ويحمل بحكم موقعه ودوره التاريخي ملف القدس والمقدسات، ولذلك فإن ما يحدث حوله لا يبقى خارج حساباته، كما أن ما يقوله الأردن لا ينفصل عن طبيعة المنطقة التي يقف في وسطها. هذه الجغرافيا لا تتحول إلى وزن سياسي لمجرد وجودها على الخريطة، وإنما عندما تتحول إلى شبكة علاقات، وإلى قدرة على التواصل، وإلى حضور في اللحظات التي يعاد فيها ترتيب الأولويات.
والقضية الفلسطينية تبقى في قلب هذه المعادلة، ليس باعتبارها ملفاً منفرداً، وإنما باعتبارها جزءاً من شكل النظام الإقليمي الذي سيخرج من هذه المرحلة. غزة والضفة الغربية والقدس والدولة الفلسطينية ليست ملفات متجاورة، بل حلقات في مسار واحد، ولذلك فإن الحديث عن أمن المنطقة من دون معالجة أصل الصراع يبقى ناقصاً. والأردن، بحكم قربه المباشر من فلسطين ودوره في القدس وعلاقاته العربية والدولية، يجد نفسه معنياً بأن يكون حاضراً عندما تنتقل المنطقة من إدارة الأزمات إلى البحث عن ترتيبات ما بعد الأزمة.
وهنا يصبح مفهوم «هندسة الطاولة السياسية» أكثر وضوحاً. فالميدان يغير موازين القوة، لكنه لا يحدد وحده شكل اليوم التالي. الطاولة هي التي تحدد من يشارك، ومن يضمن، ومن يلتزم، وما هي القواعد، وكيف تتحول الوقائع إلى ترتيبات، وكيف تنتقل المنطقة من حالة الصراع إلى حالة النظام. ولذلك فإن «الحروب ترسم والطاولة تقرر» ليست جملة تفصل بين الحرب والسياسة، بل تصف المسافة التي تفصل بين نتيجة ميدانية وبين نظام قادر على الاستمرار.
والأردن يتحرك في هذه المسافة. ليس بوصفه طرفاً يبحث عن مكان في طاولة الآخرين، وإنما بوصفه دولة لها اتصال مباشر بأكثر ملفات المنطقة حساسية، ولها علاقات ممتدة مع دوائر عربية وأوروبية ودولية، وتتعامل مع الأمن والاستقرار باعتبارهما قضية دولة لا مجرد ظرف سياسي. وما جرى في باريس، ثم في براغ، وصولاً إلى نيويورك، يكشف تسلسلاً في الحركة أكثر مما يكشف تعدداً في الزيارات: أمن لبنان، أمن أوروبا، أمن الإقليم، ثم الطاولة الدولية.
وفي نيويورك تحديداً، تتسع الطاولة إلى حدود العالم كله، لكن موقع الأردن لا يتسع بالمساحة وإنما بما يحمله من ملفات وعلاقات وقدرة على الربط بين دوائر مختلفة. فالملك لا يصل إلى الجمعية العامة منفصلاً عن المنطقة التي جاء منها، ولا يتحدث من منصة دولية خارج سياق ما يجري حول الأردن. إنما يصل حاملاً أسئلة المشرق، وأمنه، وفلسطين، والقدس، واستقرار الدول، ومستقبل العلاقات الإقليمية، وهي جميعاً ملفات ستبقى حاضرة في أي نقاش حول شكل المنطقة بعد هذه المرحلة.
ولهذا فإن قراءة «الملك في نيويورك» لا ينبغي أن تتوقف عند الخطاب، لأن الخطاب بداية الظهور، بينما تبدأ السياسة في كثير من الأحيان قبل المنصة وتستمر بعدها. هناك طاولات متعددة داخل الطاولة الكبرى، وهناك لقاءات لا تظهر كلها في الصورة، لكنها تشكل جزءاً من حركة الدول في صناعة التفاهمات. وما بين الكلمة واللقاء، وبين الموقف والاتصال، تتحدد قدرة الدولة على تحويل موقعها الجغرافي إلى موقع سياسي.
من باريس إلى براغ إلى نيويورك، تتحرك الدبلوماسية الأردنية على ثلاث دوائر متصلة: المشرق، وأوروبا، والنظام الدولي. وفي قلب هذه الحركة يبقى الأردن معنياً بأن تكون المرحلة المقبلة مرحلة بناء دول لا مجرد إعادة توزيع نفوذ، وأن تتحول نتائج الصراع إلى ترتيبات تحفظ الأمن والاستقرار وتفتح الطريق أمام الحل السياسي للقضية الفلسطينية.
فالملك في نيويورك لا يقف فقط أمام منصة الأمم المتحدة، وإنما يتحرك في لحظة يعاد فيها ترتيب الطاولات نفسها. والحروب قد ترسم حدود القوة، لكن الطاولة هي التي تبحث في شكل النظام الذي يأتي بعدها. وبين هندسة الميدان وهندسة الطاولة، يكون الموقع لمن يعرف كيف يقرأ الجغرافيا، وكيف يدير العلاقات، وكيف يحافظ على حضوره عندما تبدأ صياغة اليوم التالي.