رفع سوريا من قائمة الإرهاب- تحول أميركي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة
- Publish date :
Wednesday - pm 01:25 | 2026-08-26
Alanbatnews -
الانباط -نعمت الخورة
دخلت سوريا مرحلة جديدة في مسار عودتها إلى المجتمع الدولي بعد أن أعلنت الولايات المتحدة رسمياً رفع تصنيفها كدولة راعية للإرهاب في خطوة تعد من أبرز التحولات السياسية والقانونية في العلاقة بين دمشق وواشنطن منذ عقود.
وبموجب القرار، لم تعد سوريا خاضعة للمحظورات المرتبطة بلوائح الحكومات المدرجة على قائمة الإرهاب، بالتزامن مع إلغاء التصنيف الأميركي لهيئة تحرير الشام ككيان إرهابي عالمي مصنف بشكل خاص وإزالتها من قائمة العقوبات التابعة لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC كما أصبح الترخيص العام رقم 25، الذي كان يسمح ببعض المعاملات المرتبطة بسوريا رغم القيود السابقة، غير ضروري وتم إلغاؤه.
وأكدت وزارة الخزانة الأميركية أن هذه الإجراءات تأتي تنفيذاً لتعهد الرئيس دونالد ترامب بتخفيف العقوبات ومنح السوريين فرصة لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي مشيرة إلى أن الخطوة من شأنها تشجيع مزيد من الاستثمار داخل سوريا.
وبالتزامن مع تثبيت القرار رسمياً، برزت إشارة سياسية لافتة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي أعاد صباح 24 آب نشر تدوينة قديمة لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني تعود إلى 8 تموز الماضي وتتحدث عن طي صفحة التصنيف المفروض على سوريا منذ عام 1979.
وتكتسب إعادة النشر أهميتها من توقيتها أكثر من مضمون التدوينة نفسها. فاختيار ترامب إعادة إبرازها في اليوم الذي أُنجز فيه رفع سوريا رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب يحمل رسالة سياسية واضحة تجاه المسار الذي تقوده الحكومة السورية الجديدة، ويعكس مستوى متقدماً من الانفتاح الأميركي على دمشق وقيادتها الحالية. كما أن الخطوة جاءت بعد إجراءات قانونية متتابعة لم تعد تقتصر على الاستثناءات المؤقتة وإنما بدأت بإزالة القيود التي كانت تعرقل التعامل الطبيعي مع الدولة السورية.
اقتصاديا يمثل القرار إزالة واحدة من أهم العقبات التي كانت ترفع مستوى المخاطر أمام الشركات والمصارف الأجنبية الراغبة في دخول السوق السورية. وهو لا يعني تدفق الاستثمارات أو عودة العلاقات المصرفية الدولية بصورة فورية، لكنه يهيئ بيئة أكثر ملاءمة لعودة رؤوس الأموال، وتمويل التجارة والمشاريع، وتوسيع العلاقات مع المصارف المراسلة، وصولاً إلى اندماج أكبر لسوريا في النظام المالي العالمي.
أما سياسيا فإن التطور يتجاوز مسألة العقوبات. فرفع تصنيف استمر منذ عام 1979 يعني عمليا إسقاط أحد أثقل موروثات العلاقة بين واشنطن وسوريا، والانتقال من التعامل مع دمشق من خلال منظومة وضعت أساساً خلال عهد النظام السابق إلى بناء مقاربة جديدة تجاه الدولة السورية الحالية.
ومن هنا يمكن أيضاا قراءة سياسة ضبط النفس التي انتهجتها دمشق خلال المرحلة الماضية، ولا سيما في تعاملها مع الملفات الداخلية والإقليمية المعقدة. فبدلاً من الانجرار إلى مواجهات واسعة تحت ضغط الاستفزازات، حافظت القيادة السورية على هامش سياسي ودبلوماسي مكنها من مواصلة العمل على ملفات أكثر استراتيجية، في مقدمتها إنهاء العزلة الدولية وتخفيف القيود الاقتصادية واستعادة العلاقات الخارجية.
المعطيات التي تظهر اليوم تشير إلى أن هذا النهج بدأ ينتج مكاسب ملموسة. فخلال فترة زمنية قصيرة انتقلت سوريا من دولة مثقلة بالعقوبات والتصنيفات إلى دولة تفتح أمامها بصورة متدرجة أبواب الاستثمار والعلاقات الاقتصادية والسياسية، فيما باتت واشنطن نفسها تتحدث علناً عن منح السوريين فرصة لبناء مستقبل اقتصادي أكثر استقراراً.
وإعادة ترامب نشر التدوينة في هذا التوقيت تضيف بعداً رمزياً مهماً لهذه الصورة؛ فهي تضع القرار ضمن سياق سياسي يقوده البيت الأبيض نفسه، وليس مجرد تعديل تقني في لوائح العقوبات.
المرحلة المقبلة ستبقى مرتبطة بقدرة الحكومة السورية على استثمار هذا التحول في إعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات وجذب الشركات ورؤوس الأموال وإعادة وصل القطاع المصرفي بالأسواق الخارجية. لكن المؤكد أن سوريا اليوم أصبحت أمام مساحة دولية أوسع بكثير مما كانت عليه، وأن أحد أكبر الحواجز القانونية والسياسية أمام عودتها إلى النظام الاقتصادي العالمي قد أُزيل رسمياً.
وإذا استمر هذا المسار فإن سياسة الهدوء وضبط الأعصاب التي اتبعتها دمشق خلال الأشهر الماضية ستظهر بصورة أوضح كجزء من استراتيجية هدفت إلى تثبيت الدولة أولاً وتوسيع شرعيتها الخارجية ثم التعامل مع الملفات الداخلية من موقع سياسي واقتصادي أكثر قوة.